إليك… | نجمة عمر علي كراتة

كم تمنيتُ قلبك بيتَ أبي…
بيتًا أركض في باحته مبتسمة، وأعود إليه كلما خذلتني الطرق.
هل تستطيع عدَّ قطرات دموعي؟
لن تستطيع، لأنك لم تكن تدري عنها كثيرًا.
لم تكن تلاحظ جمالي بعد البكاء، لأنك لم تلاحظه قبل ذلك.
كم مرة وقفت أمام المرآة أتساءل: أأنا جميلة بما يكفي لتحبني؟
وكم مرة تمنيت أن تبتلعني وجوه المرايا، حتى لا أعود إلى حضنك البارد.
لم تكن تعلم عني شيئًا.
كنت تراني القادمة من قصص الأطفال، ولم تدرك أنك تصنع من أميرةٍ سجينة، ثم تلقي بالمفتاح في فم الزمان.
أما اليوم…
فلم تعد سجّاني، لأن السعادة لم تكن أنت…
لم تكترث لأحمر الشفاه ولا المذاق المالح غير طريقة تحضيرك لوصفة قتلي بلا رحمة …
ليتني أمتلك مقادير وصفة النسيان!
كم أخطأت حين ظننت السعادة رجلًا!
وكم كنت غبية حين ظننت أن السعادة قصيدةً يكتبها شاعر إليّ.
تعلمت أن الحب بريء من النصوص الكاذبة، وأنه أكبر من الكلمات، وأصدق من القصائد.
فلا رجلٌ عادي، ولا شاعر، ولا كاتب روايات، يستطيع أن يحب امرأةً تكتب عن نفسها كأنها وطن.
وهل استطاع الرجال تحرير فلسطين؟
كم مرة سألتك الاهتمام، وكم مرة انتظرتك لتعود؟
كنتُ أنتظرك على عتبة الروح، كطفلةٍ تقف أمام باب البيت، تنتظر عودة أبيها إليها.
كنت تراني امرأةً هادئة، ترضى بتبريرٍ روتينيٍّ للغياب، بينما كانت بداخلك شراسةُ رجلٍ شرقيٍّ لا يلتفت إلى الدموع وهي تنهمر، فتجرح الحظ.
ولم تحاول يومًا أن تبادلني وسادتك، لتتأكد أن دموعي لم تغادر وسادتي.
كنتَ تُغمض عينيك، وأبقى أنا أحرسك من الليل، أنتظرك لتنير مساءاتي بابتسامة، لكنك كنت تستفيق آملًا غيابي.
ما كنت أعلم أنني عبءٌ على قلبك الجميل.
ظننت أنني لك الوطن، وحضن الحنين.
هل أخطأت لأنني أحببتك كأنك آخر الرجال فوق سطح الأرض؟
هل كان عليّ أن أتقن حسابات القلب، وأن أتريث قبل أن أخبرك بكل ألمي؟
ماذا كان عليا أن أقول قبل صمتي؟
الآن لم أعد أبحث عن كلمات ترضيك لأنني أصبحت خرساء وفقط أكتب صامتة بلا انتظار للانتباه…
أثرت بصدقي انتباه الغيوم فطرقت روحي زائرة كغيث النجاة..
دموعي يا من كنت يوما حبيبي صارت بلسمي والدواء…
تراقص سكرات صمتي المطر وأنت غائب كصحراء لا ينمو فيها الورد ويعشعش فيها الشوك وسفك الشعور…
أنزف عتابا وأثق في حظي أنك لن تقرأ ..
لا بأس
لم يعد الأمر مهما لتقرأ أو لا لتقرأ…
لأن وقت الاعتذار يشبه عدم سماع الدعوى…
في زمنٍ صعبٍ خضنا التجارب التي صنعت منّا، ربما، أمواتًا يتنفسون.
كم مررنا بالطرقات الوعرة، وتجاوزنا المحن.
عشنا الغربة ونحن بين جدران الوطن، تائبين عن الحب، وخاضعين للعبة القدر.
أما تلك العهود… والعهود… والعهود…
ماذا عنها؟
لا شيء…
سوى قلمٍ يكتب، ليرمم الكسر الذي تسلّق الروح متسللًا، حتى استقر بين الجلد والقصيدة.
هناك أدركت أن بعض الوعود لا تموت لأنها كانت صادقة، بل لأنها لم تجد قلبًا يحفظها، وأن بعض الرسائل لا تُكتب لتصل، وإنما لتُنقذ صاحبها من الغرق.
هل تعلم أنني تغيّرت؟
نعم… فعلت ذلك، رغم أنني لم أتوقع يومًا أن أكون بتلك الشجاعة.
تغيّرت كثيرًا، حتى إنني لم أعد أنتظرك طويلًا، وصرت أقضي وقت الانتظار في قراءة روايةٍ لا يعرف عنوانها كثيرون.
ثم تفطنت إلى أنني أستطيع أن أسرد تفاصيل يومي لعصفورةٍ صغيرة بنت عشها في فجوة الجدار.
أما أنت…
فلا تعلم شيئًا عن فجوة الروح.
تلك الفجوة التي تركها الزمن تكبر ليلةً بعد ليلة، ونهارًا بعد نهار، حتى اتسعت وصارت مدينةً كاملة من الأحزان.
شوارع مدينتي لا تنطفئ، وطرقاتها آمنة، رغم قسوة المارة وعابري السبيل.
هل تحاول الآن أن تسد تلك الفجوة بهديةٍ باهظة الثمن، أو بخاتم، أو بأحدث هاتف؟
عبثًا تفعل…
لأنني لم أنتظر منك يومًا سوى وردةٍ وكتاب…
أما عن قبل فوق الجبين فكانت ستكون أثمن هدية ..
لم تكن كل الأشياء اللامعة تثير اهتمامي، سوى لمعة عينيك.
لكنّك حجبتها عني، وتركتني أتوه في ظلمة الغياب.
وكانت تلك…
أول غربتي.
ومنذ تلك الغربة، أدركت أنني لم أكن أبحث عن رجل، وإنما عن بيت.
عن قلبٍ يشبه بيت أبي…
بابه مفتوح، ونوافذه لا تُغلق في وجه تعبي، وصوته يطمئنني كلما بعثرتني الأيام.
لكنني اكتشفت متأخرة أن البيوت الحقيقية لا نبنيها في قلوب الآخرين…
وإنما نبنيها أولًا داخل أرواحنا..
لسنا بؤساء لأننا صبرنا ولكننا بؤساء لأننا نصدق الحب..
وتسألني إن لم تكن ضمن حساباتي!
لم أضع يوما أهدافا غير قلبك الذي يشبه بيت أبي.

![AI-THE ULTRA CULTURE:THE ‘JINN’[GENIE] FROM ALADDIN’S LAMP/DR JERNAIL S ANAND 3 IMG 20260313 WA003416](https://i0.wp.com/mj-iq.com/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20260313-WA003416.webp?resize=390%2C220&ssl=1)



