قراءة في قصيدة”عَوْدٌ أَبَدِيٌ” للشاعر محمد بنطلحة – عبد العزيز الخبشي – المغرب

– عنوان القصيدة: عُودٌ أَبَدِيٌ.
حَتَى اَلمَاءُ،
عِنْدَمَا تَرْتَطِمُ مَوْجَةٌ بِمَوْجَةٍ،
يَتَنَاثَرٌ فِي الْهَوَاءِ.
ثُمَ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَعٌودَ
إِلَى نُقْطَةِ اَلْإِنْطِلَاقَةِ:
فَوْقَ اَلصُّخُورِ.
مَا هَذَا اَلْعَبَثُ؟
في هذه القصيدة المكثفة للشاعر الكبير والعالمي محمد بنطلحة، والتي تحمل عنوان “عَودٌ أَبديّ”، تتجلّى رؤية شعرية فلسفية عميقة، تتخذ من حركة الموج ومن تكرار الصعود والهبوط في الطبيعة صورةً رمزيةً لحركة الوجود الإنساني، ولعبثية السعي الذي لا يُفضي إلى مستقر. النص، ببنيته الشعرية الموجزة والمرهفة، يستبطن قلَقًا وجوديًا ويطرح تساؤلاً ميتافيزيقيًا بصيغة استنكارية في نهايته، ليترك المتلقي في مواجهة مباشرة مع عبثية الحياة أو ربما جدليتها السرمدية التي لا تنفك تكرر ذاتها.
يبدأ الشاعر بتوصيف لحركة الماء، هذه المادة التي طالما ارتبطت في المتخيل الشعري بالحياة والانسياب والتحوّل. غير أن الماء هنا لا يظهر ساكنًا أو مسالمًا، بل في لحظة عنف وحركة واضطراب: “عندما ترتطم موجةٌ بموجة”. والارتطام فعل يُوحي بالصراع والتصادم، وهو يفتتح القصيدة بطاقة ديناميكية، ليست سوى تمهيد لانبعاث جديد سرعان ما يتشتت “في الهواء”. وكأن هذه الحركة العنيفة، بدل أن تُفضي إلى نتيجة أو تَحقّق، تنتهي بالتبعثر، بالتلاشي، بالانمحاء في الفضاء، في إشارة دقيقة إلى زوالية كل جهد أو سعي لا يرتكز على قاعدة صلبة.
ثم تأتي الجملة الفاصلة “ثم لا يلبث أن يعود” لتعلن عن تكرار هذا المصير، عن استئناف الارتطام والتبعثر دون نهاية. العودة هنا ليست عودة مُبشّرة، بل عودة قَلِقة، عودة إلى لحظة الانطلاق الأولى التي لم تُفضِ إلى نتيجة، عودة إلى العبث. والشاعر يؤكد ذلك حين يقول “إلى نقطة الانطلاق” ليحيلنا إلى مفهوم الدائرة المغلقة، إلى الزمن الذي لا يسير نحو غاية، بل يعيد نفسه باستمرار فوق صخورٍ لا تلين، في حركة شبيهة بما يصوره “أسطورة سيزيف” الذي يُدان بأن يدحرج صخرته إلى قمة الجبل، لتتدحرج من جديد في كل مرة.
إن عبارة “فوق الصخور” تضيف قسوة إلى هذا المشهد، فهي ليست فقط استعارة لعنف البيئة أو وعورة الطريق، بل تلميح إلى مدى الصلابة التي يصطدم بها هذا “الموج”، بما يحيل إلى صلابة الواقع، أو إلى القيم الثابتة التي لا تستجيب لحركة التغيير. وكأن الشاعر يرسم صورةً لانكسار الجهد الإنساني أمام جمود الوجود أو التاريخ أو حتى الأقدار.
القصيدة تُختتم بسؤال وجيز، بسيط في ظاهره: “ما هذا العبث؟” لكنه سؤال فاجع، ينهض على تراكم الصور السابقة ليكشف عن مركزية المعنى. هذا الاستفهام لا يطلب جوابًا، بل يُفجّر وعينا بعبثية السعي، بإعادة إنتاج الفشل، وبانعدام الغاية في حركة الوجود الإنساني. هو سؤال وجودي خالص، ينهل من منبع الوعي الفلسفي بالشقاء الإنساني، ويتماهى مع خطاب العبث كما تجلّى عند ألبير كامو، وإن بلغة شعرية موجزة لكنها مكثفة بالشحنة التأملية.
من الناحية الفنية، يشتغل النص على بناء إيقاعي هادئ، يتوسل الجملة الفعلية القصيرة، ويعتمد على التكرار الصوتي والدلالي (“يعود”، “الانطلاق”، “الصخور”) لتكثيف الإحساس بالحركة الرتيبة والتكرار العاجز. كما أن استخدام علامات الترقيم (النقطة، النقطتان، علامة الاستفهام) يلعب دورًا دقيقًا في توزيع الإيقاع الداخلي، ويمنح النص تنفسًا يتناسب مع تدرّج المعنى، من الحركة إلى الانبعاث إلى التشتت، ثم إلى التساؤل.
قصيدة “عَودٌ أَبديّ” ليست فقط تأملًا شعريًا في حركة الطبيعة، بل هي تعبير عن قلق إنساني دفين تجاه الزمن، الوجود، المعنى، والسعي المتكرر دون جدوى. محمد بنطلحة هنا، كما في كثير من نصوصه، ينحاز إلى البنية القصيرة المكثفة، لكنه يُحمّلها بدلالات كونية ويمنحها بُعدًا فلسفيًا، يجعل من شعره مرآة لأسئلتنا الكبرى، لا بما تقوله فقط، بل بما تفتحه من إمكانيات للتأويل والانخراط في القلق ذاته.





