جَحِيمُ الذَّاتِ فِي مِرْآةِ الَصَّمْتِ: قراءة في نص كريمة الحسيني ✒️عبد العزيز الخبشي- المغرب


عنوان القصيدة:جحيم الصمت.
قاسية هي القلوب من حولي
تُشبه الموت الذي يزج بك في الجحيم
أنهض كل يوم على العدم
لا عناق يذيب الثلج المتراكم على كتفي
لا شمس تطرق نافذتي
أرتب شعري وصدري المبعثر على السرير
رواية ساذجة وبعض المذكرات
أقلام قديمة تجمد حبرها ذات شتاء
وشقفة مرآة أراقب بها خطوطا جديدة تعبر وجهي
تتحكّم في رسمي كأنني لست لي
أخط من الكلمات قصيدة تشبه الثرثرة
تسبقني إلى الجنون
الشاعرة : كريمة الحسيني – تونس
يتراءى نص “جحيم الصمت” لكريمة الحسيني شذراتٍ من سيرة روحية تتخللها انكسارات الوجود وتشققات الذات في عالم يعاند الإحساس، ويرفض الانصهار في الحميمي والإنساني. قصيدة لا تُقرأ على نحو تقليدي، لأنها تُملي على القارئ أن ينخرط في اشتغال داخلي لا يُعنى بالبنية الشكلية بقدر ما يستغرق في التيه النفسي والوجداني الذي يعصف بصوت المتكلمة الشاعرة. النص يستدعي مقاربة تجمع بين المنهج النفسي والمنهج البنيوي، لكونه ينهض على توتر داخلي صامت وعلى لغة تتقصّد التفكك والتبعثر كما تتقصّد الارتجاف لا الثبات، والتشظي لا الاكتمال، مما يُكسبه بعداً وجودياً ضاغطاً تُعاد فيه الكتابة إلى مقام البوح باعتبارها شكلاً من النجاة من اختناق الواقع وجبروت الصمت.
منذ البداية، ينفتح النص على صرخة خافتة تقرّر بشيء من الحسم الموجوع: “قاسية هي القلوب من حولي”. إن القسوة هنا ليست فعلاً ظرفياً، بل هي توصيف للكون وللتماس البشري من حول الذات. هذا الحكم يشرّع لانبثاق “الجحيم” كمجاز كليّ يشكّل فضاء النص، ليس بوصفه عالماً دينياً بعد الموت، بل كسجنٍ نفسيّ داخليّ، كحالة وجدانية تتولد من برودة المشاعر، وانطفاء الحميمية، وجفاف الروح. فـ”الصمت” هنا ليس مجرد انعدام للكلام، بل هو نفي للوجود، وصدى لعدمٍ داخليّ ينهش الذات كل صباح، كما ينهشها غياب العناق، غياب النور، غياب الدفء.
تنهض القصيدة على استدعاء لغة الأشياء الصغيرة التي تتحول إلى رموز كبرى في سياق الانهيار الوجودي. الشعر، السرير، الرواية الساذجة، الأقلام القديمة، شقفة المرآة… كلها عناصر تنتمي إلى فضاء شخصيّ منزاح عن الزمن، حيث اليوميّ يتحول إلى طقس من الرتابة الكئيبة، وحيث الماديّ ينطوي على رمزية جارحة. ترتيب الشعر لا يدل على رغبة في التجمل بقدر ما يفضح محاولة يائسة لاستعادة الذات المبعثرة. فالذات لا تسيطر على جسدها، على تجاعيدها، على خطوط وجهها. هناك فقدان للسيادة على الجسد كما على الكينونة، كأن المرأة في النص ليست “هي” وإنما رسم يتغير خارج إرادتها، كما تقول: “تتحكم في رسمي كأنني لست لي”. وهذه العبارة على بساطتها الشكلية، تختزل بعداً وجودياً عميقاً: غربة الذات عن ذاتها.
من زاوية المنهج النفسي، يمكن اعتبار النص تعبيراً عن اغتراب داخليّ ناجم عن فشل الذات في تأسيس علاقة حية مع الآخر. هناك برودة خارجية تمتد نحو داخل الذات حتى تتصلّب فيها العاطفة كما تجمد الحبر في الأقلام. إن المشهد الذي تقدمه الشاعرة ليس فقط وصفاً لحجرة معتمة أو مرآة محطّمة، بل هو تعبير عن تدهور العلاقة بين الذات والعالم، وهو تدهور يتجسد في الجسد ذاته، في النوم، في النهوض، في الحضور الغائب. إنها حالة من الاكتئاب الوجودي الذي لا يُفصح عنه بعنف لغويّ أو صراخ بل بصمت ثقيل لا يُحتمل، بصمت يشبه “الثرثرة” كما تسميها الشاعرة، الثرثرة التي لا تهدف إلى الإقناع بل إلى الانهيار، ثرثرة تسبق الجنون وتلتحف به.
إن استعمال “شقفة مرآة” وليس مرآة كاملة، فيه من الرمزية ما يشي بأن ما تراه الذات من ملامحها ليس هو الحقيقة التامة، بل هو وجه من وجوه التصدّع، مرآة جزئية، مشروخة، لا تعكس الكلّ بل الشظايا. وهذا المشهد البصريّ الرمزي يعمّق البعد السيميائي للنص، بحيث تتحول الأشياء إلى علامات دالة على الانهيار: الجليد على الكتفين، السرير المبعثر، الأقلام المتجمدة، المرآة المجزأة… كلها تنطق بما لم تقله الذات، وتشير إلى أن ما هو غير منطوق أكثر دلالة من العبارة المباشرة.
أما من حيث الإيقاع الداخلي للنص، فهو يتسم بتقطيع حادّ ومقاطع قصيرة، تقترب من النثر الشعري، مما يضفي على النص طابعاً تأملياً حزيناً. التواتر الصوتي للعبارات لا ينبع من الجناس أو التكرار بقدر ما ينجم عن ترديد الإحساس نفسه بصيغ مختلفة، بحيث أن كل عبارة تأتي لتؤكد ما سبقها لا لتنقضه أو تتجاوزه. وهذا التكرار النفسيّ للألم يجعل القصيدة أشبه بمونولوج داخليّ، لا يحتاج إلى مخاطَب، لأن العالم كلّه خارج عن إمكان التواصل، بل هو سبب الانغلاق.
ولعل أحد المفاتيح الجوهرية للنص هو تلك العبارة الأخيرة: “أخط من الكلمات قصيدة تشبه الثرثرة، تسبقني إلى الجنون”. إن هذا التوصيف ينسف كلّ تصورات القصيدة التقليدية كفنّ رفيع أو كحيلة بلاغية، ويعيدها إلى أصلها النفسيّ البكر: الكتابة بوصفها مقاومة للانهيار، أو تسريعاً له. القصيدة لا تنقذ الذات بل تفضحها، لا تُجمّل قبح العالم بل تُفاقمه حين تنقله من الخارج إلى الداخل. هي إذن اعتراف لا يطلب الصفح، وكتابة لا تبحث عن المعنى بل تعترف بانعدامه.
بهذا المعنى، تكون كريمة الحسيني في نصها قد كتبت لحظة صمتٍ جارح لا تُكسر إلا بتنهيدة اللغة، وهي تنهيدة متقطعة، هادئة، لكن كثيفة بالوجع. النص لا يُقرأ من الخارج، بل يُسكن، يُعاش، يُقاس بميزان التجربة الإنسانية القاسية التي يعرفها كل من اختبر الغربة في حضن القربى، والبرد في لُجّة الدفء الظاهري، والصمت وسط ضجيج العالم. لقد كتبت الذات عن نفسها، لا لتُعرّفها، بل لتُعلن تشظّيها، ولتؤكد أن جحيمها الداخلي أكبر من أن يُنقذ. إنها لا تطلب شيئاً، لا تطمح في خلاص، بل تترك لنفسها أن تنهار، على مهل، بكبرياء الخائف الذي لا يصرخ.





