مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

وشاح الحروف… حين يتأنسن الشعر ويصير جسدا من لهب الحنين-د.آمال بوحرب- تونس – القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

قال:

أُغازلُ شَعركِ

ينهمر الشّوق

وفي الصّدر يفيض

تغري أناملي المرتعشة

خصلاتُك النّاعمة…

فأنسجُ لها من أبجدية الفؤاد ضفيرةَ ليلٍ،

أعلّقُ عليها نجومَ اسْمِكِ

السّاطعة…

وحينَ يتمرّد فستانُ القصيدة،

ألْبِسُكِ إيّاه من لغتي

أزرارُهُ من نَبضي

خيوطُهُ من نَفَسي

وأُقوِّمُ انحناءَ الحرفِ

يستوي على مقاسِ الخصر

حتّى يُصبحَ الشّعرُ جسدًا يليقُ بكِ.

أقتربُ…وبي لهفة

أعانقُ حروفَكِ

كما يعانقُ الضّوءُ ملامحَ الصّبح

وأُختتم فيكِ الكلام

فالصّمت وحدهُ

خبير بفتنة القول

فيكتملُ الحنين

ويشتعل العشق

الشاعرة الدكتورة:آمال بوحرب- تونس.

في هذا النص الشعري المعنون “وشاح الحروف” للشاعرة د. آمال بوحرب، تتبدى اللغة ككائن حيّ يتنفس من أنفاس الشاعرة، ويتحول الحرف إلى امتداد لنبض الجسد، وإلى مرآة لفتنة الحضور الأنثوي في أقصى تجلياته الجمالية والرمزية. إننا أمام نص لا يكتفي بالتعبير عن العشق، بل يصنعه في اللغة، إذ ينقلنا من فضاء الكلام إلى فضاء التجسد، ومن دلالات القول إلى غواية التكوين. الشاعرة هنا لا تكتب قصيدة حبّ فحسب، بل تكتب اللغة وهي تحبّ، وتعيد تعريف العلاقة بين الجسد والكلمة، بين الشعر والأنوثة، وبين الرغبة والإبداع.

منذ السطر الأول، نلمح ذلك التوتر الجميل بين المادي والرمزي، بين ما يُقال وما يُتوارى خلف الإيحاء. قول الشاعرة: “أغازل شعركِ” يفتح النص على خطاب مزدوج: ظاهرُه الغزل، وباطنه تأمل في فعل الخلق ذاته. فالمغازلة ليست مجرد مداعبة حسية، بل هي محاولة لغوية لترويض اللغة نفسها، حيث يصبح الشعر امتدادا للجسد الأنثوي، ويتحول “الشَّعر” إلى استعارة للشعر، فهما في العربية يلتقيان في الجذر نفسه، وفي كليهما تسكن الأنوثة المتموجة والسرّ الكامن في الانسدال والانسياب. هذه المزاوجة بين الشعر والشَّعر تكشف عن وعيٍ لغوي عميق لدى الشاعرة، وعن حسّ بلاغي يعرف كيف يستثمر التعدد الدلالي ليُنتج نصاً يتنفس على أكثر من مستوى من المعنى.

الفعل “ينهمر الشوق” يضعنا أمام مشهد شعوري بانفجار العاطفة، فالشوق هنا ليس إحساساً عابراً، بل هو طوفان، انهمار داخلي يفيض حتى يغمر الجسد واللغة معاً. ومن هذا الفيض، تولد الرغبة في الكتابة، أو بالأحرى الكتابة بوصفها شكلاً من أشكال اللمس. فحين تقول الشاعرة: “تغري أناملي المرتعشة خصلاتك الناعمة”، فإنها تُحيل إلى فعل الكتابة بوصفه تواصلاً حسياً بين الكلمة والمحبوب، بين الأصابع والخصلات، حيث يصبح الشعر ممارسة حميمية، تمحو الحدود بين الجسد والنص.

وفي هذا التداخل المدهش، نجد أن الشاعرة تُعيد للكتابة معناها الأصلي: أن تكتب يعني أن تلمس، وأن تُعيد صياغة العالم عبر الحروف كما يُعيد العاشق صياغة ملامح الحبيبة بعينيه ويديه. لذلك، حين تقول:

 “فأنسج لها من أبجدية الفؤاد ضفيرةَ ليلٍ، أعلّق عليها نجوم اسمك الساطعة”،

فإنها لا تصف فحسب جمال الشعر المنسدل، بل تصوغ مشهداً كونيّاً تلتقي فيه أنثى القصيدة بالكون ذاته. ضفيرة الليل ليست سوى الكون حين يُحاك بخيوط العشق، ونجوم الاسم هي إشراقات الهوية المحبوبة التي تمنح الوجود معناه ونوره. إننا أمام لغةٍ ترفع الجسد إلى مرتبة الكوسمولوجيا، حيث يصبح الجمال مبدأ الوجود، ويصير الاسم ذاته نجماً في ليل المعنى.

أما حين تقول الشاعرة:

 “وحين يتمرد فستان القصيدة، ألبسك إياه من لغتي، أزراره من نبضي، خيوطه من نفسي”،

فإنها ترتقي بالاستعارة إلى ذروة التوحيد بين اللغة والأنثى. القصيدة ليست موضوعاً يصفه الشاعر، بل جسداً يلبسه ويخيطه من ذاته. اللغة هنا تتحول إلى مادة حسية، تُفصل على مقاس الجسد الحبيب، في مشهد يُحيل إلى فعل الخلق الفني في أصفى صوره: الشاعرة خالقة للنص كما تُخيط الأنثى وشاحها من الحرير، وكأن الشعر خياطة دقيقة بين الداخل والخارج، بين النفس والعبارة، بين النبض والكتابة.

من الناحية الفنية، تتأسس القصيدة على بنية التوازي التصويري، إذ تتكرر العلاقات بين الجسد واللغة في صيغ متعددة: الشعر = الشَّعر، الفستان = القصيدة، الأزرار = النبض، الخيوط = النفس. كل هذه المقابلات تخلق وحدة عضوية في النص، تجعل منه لوحة متكاملة تتحرك فيها الرموز بانسجام إيقاعي ومضموني. لا شيء في النص يُقال صدفة؛ كل لفظة مشغولة بعناية فنية عالية، وكل صورة تُفتح على تأويلاتها اللانهائية.

وإذا نظرنا إلى النص من زاوية المنهج البنيوي الدلالي، سنلاحظ أن الشاعرة تشتغل على ثنائية مركزية هي اللغة كجسد والجسد كلغة. هذه الثنائية تشكّل محور النص الذي تتفرع منه الصور الجزئية. إن عملية “النسج” و”الخياطة” و”الارتداء” و”الانحناء” كلها تنتمي إلى حقل دلالي واحد، هو حقل التشكيل الفني. فالشاعرة لا تكتب الشعر فقط، بل “تصممه”، كما يصمم الخالق الكوني الكون بخيوط الضوء. هذا الوعي البنيوي يجعل النص أقرب إلى قصيدة تتأمل ذاتها، قصيدة ميتاشعرية تنظر في عملية تكوينها، لكنها تفعل ذلك من داخل حرارة العاطفة، لا من برودة التجريد.

أما من منظور التحليل النفسي الأدبي، فإن النص يكشف عن تماهيٍ بين الأنا الشاعرة والموضوع المحبوب. فحين تقول:

“أقوّم انحناء الحرف يستوي على مقاس الخصر”،

فهي لا تصف مجرد حركة فنية، بل تعبّر عن رغبة لاواعية في إعادة النظام إلى العالم عبر التناسق الجسدي واللغوي. الجسد هنا يصبح معيار الجمال والنظام، وكأن اللغة لا تستقيم إلا حين تُقاس على خصر الأنوثة. هذه النزعة الجمالية تنطوي على رغبة في السيطرة الرمزية على اللغة، لكنها سيطرة تقوم على الحب لا على القهر، على الإبداع لا على الإخضاع. فالشاعرة تمارس سلطة الخلق، ولكن عبر التوحّد، عبر جعل اللغة تمتثل لجمال الحبيب لا لأوامرها المباشرة.

من الناحية البلاغية، تقوم القصيدة على تراكم الاستعارات الحسية التي تنقل المعنى من الحقل المادي إلى الحقل الرمزي. فالليل ليس مجرد زمن، بل ضفيرة؛ والنجوم ليست أجراما، بل حروفا من اسم الحبيب؛ والقصيدة ليست نصا، بل فستانا يتمرد. هذه الانزياحات البلاغية تخلق عالما موازيا للواقع، حيث تتحول الموجودات إلى إشارات، وتصبح الكتابة نفسها فعلا من أفعال العشق. ومن اللافت أن الشاعرة تتجنب أي تعبير فجّ أو مباشر، بل تصوغ الرغبة في قالب من الأناقة اللغوية، فتبقى القصيدة في منطقة الضوء الرقيق الذي يجمع بين الحسية والروحانية.

وإذا حاولنا مقاربة النص من زاوية المنهج الثقافي والفلسفي، نجد أن الشاعرة تطرح سؤالاً ضمنياً عن معنى الجمال في زمن القسوة، وعن إمكانية أن يصبح الشعر بديلا عن الواقع المبتذل. فحين تلبس الحبيبة “فستان القصيدة”، كأنها تقول إن اللغة وحدها هي التي تمنح الكائن كرامته وجماله. الجسد لا يكتمل إلا حين يُلامس الحرف، والعشق لا يكتمل إلا حين يصير قولاً، والقول لا يكتمل إلا بالصمت الذي يختم النص:

 “فالصمت وحده خبير بفتنة القول.”

إنها ذروة فلسفية تختزل الموقف الوجودي للشاعرة من العالم: أن الكلمة، مهما بلغت من الجمال، تظل عاجزة أمام ما لا يُقال، وأن الصمت ليس نقيض الشعر، بل كماله. فالصمت هنا ليس فراغاً، بل امتلاء، هو النقطة التي يتلاشى عندها الحرف في العشق، وينصهر الجسد في المعنى.

على المستوى الإيقاعي، تُحافظ القصيدة على تناغم داخلي عميق، لا يقوم على الوزن الخليلي، بل على الموسيقى الداخلية الناتجة عن تكرار الأفعال والإيقاعات الصوتية. تكرار الحروف المائعة كـ”اللام” و”السين” و”النون” يمنح النص نعومة تتماهى مع موضوعه، وكأن الموسيقى ذاتها نُسجت من خصلات الشعر الممدودة في الصورة الأولى.

ومن منظور التحليل الاجتماعي الرمزي، فإن القصيدة تمثل تمرّدا أنثويا رقيقا على اللغة الذكورية. فالشاعرة تستعيد سلطة القول من الرجل، وتجعل نفسها هي الخالقة والكاتبة والمُشكّلة للجسد والقصيدة. إنها لا تنتظر أن تكون موضوعا للغزل، بل تكتب ذاتها من موقع الفاعل، لتقول إن الأنوثة ليست موضوعاً للجمال فحسب، بل هي مصدره وصانعته. بهذا المعنى، تُعيد آمال بوحرب كتابة الخطاب الغزلي من الداخل، لتمنحه بعدا تحرريا وإنسانيا راقيا.

ختاماً، يمكن القول إن “وشاح الحروف” ليست مجرد قصيدة غزلية، بل هي بيان شعري في فلسفة الجمال واللغة. فيها يتحد الجسد بالحرف، ويتحول الشوق إلى شكل فني متكامل، وتغدو الكتابة طقسا عشقيا يطهّر العالم من خشونته. نصٌّ يتنفس أنوثة ووعياً وجمالا، ويؤكد أن الشعر لا يُكتب بالكلمات وحدها، بل بما يسكن خلفها من نَفَسٍ، ونَبضٍ، وحنينٍ، وصمتٍ يضيء من عمق الكلام.

بهذا المعنى، يُمكن اعتبار “وشاح الحروف” وشاحا لغويا تضعه الشاعرة على كتفي القصيدة العربية الحديثة، لتذكّرنا أن الشعر، حين يكون حقيقيا، لا يصف الجمال بل يصنعه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading