مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

طواف في مدار الرؤيا: قراءة نقدية في قصيدة “أراه وقد لا أراه” لجواد الرامي

في قصيدة “أراه وقد لا أراه”، يسلك جواد الرامي درب الرؤيا لا الرؤية، حيث تتراجع العين أمام البصيرة، ويتحوّل الإبصار إلى انخطاف روحيّ في كينونةٍ يصعب الإمساك بجوهرها، ويتعذّر توصيفها خارج مجاز الشعر. القصيدة، التي تتّشح بهالةٍ صوفية مكثّفة، لا تقدم نفسها كنصّ مدرِك لذاته في بعده الفني فقط، بل تُعلن عن انخراطها في تجربة وجودية مشروطة بالعشق والتطهّر والتلاشي في المحبوب. تبدأ القصيدة بإيقاع خافت، يستدرج القارئ إلى فضاء يتقلّب بين الحضور والغياب، بين التجلي والحجب، حيث الذات الشاعرة لا تملك من أمرها إلا التبعية لطيف غامرٍ يأسرها، ويجعلها تدور في فلكه كما تدور الكواكب في مداراتها. هذه العلاقة القائمة على الذوبان، تنمّ عن تمثل شعري لمعنى “الفناء” الصوفي، حيث يتحول الآخر إلى كلٍّ متعالٍ، وإلى مركز وجودٍ تُعاد صياغة الذات من خلاله.

منذ المطلع، يعلن الشاعر ولاءه المطلق لذلك الكائن/الرمز الذي يراه ولا يراه. وهو تناقض ظاهريّ يُخفي خلفه تجربة عرفانية عميقة، مفادها أن الإدراك الحق ليس إدراك العين، بل إدراك القلب الذي “يَرى” في التجلّي الغيبي حضورا أقوى من الواقع المحسوس. “أراه، فأخلع نعلي وأجري وراه”، جملة تنضح بإشارة قرآنية صريحة إلى مقام الوادي المقدس، حين أمر الله موسى أن يخلع نعليه، بما يُشيّد لُبنة التقديس في لحظة التماس. إن الشاعر هنا لا يجري خلف كائن جسدي، بل خلف كينونة مطلقة يتقاطع فيها المقدس مع الجمالي، ويتداخل فيها حضور الله مع تجلي المعنى، ليتحوّل الشعر إلى ضرب من العبادة الباطنية.

وإذا كانت الكثير من قصائد الغنائية الحديثة تسلك درب الاستبطان النفسي أو الوصف الخارجي، فإن هذه القصيدة تسير في نَفَس معرفيّ تقشّفي، ترتهن فيه اللغة للمجاز، لكنها تظل مشدودة إلى مقصد عرفاني يتكرّس شيئاً فشيئاً من خلال إشارات رمزية، من قبيل “طواعية في مدار بناه”، و”جميع الحروف قبائلها من رعاياه”، و”خمر من الذكر”، حيث تُصبح اللغة ذاتها تابعة لذلك الحضور الذي يهيمن لا على الذات فقط، بل على اللغة أيضاً، ويعيد ترتيبها وفق قاموسه الخاص.

البنية الإيقاعية للنص تنوس بين تفعيلات حرة وانفلاتات موزونة، ما يعكس انسجاماً مع البعد الرؤيوي الغالب على القصيدة. الإيقاع لا يُفرض من خارج التجربة، بل ينشأ عنها، كأن الشاعر يكتب في حالة تَجَلٍّ، فتتقطّع أنفاسه ويتهدّج صوته الشعري وهو يسعى لاحتواء طيف الغياب الحاضر. هذا التردد البنيوي في الوزن يوازيه أيضا تردد دلالي بين الإثبات والنفي، بين “أراه” و”قد لا أراه”، وهو ما يشي بأن الرؤية الشعرية ليست يقينية، بل مضطربة، تسير في مدارات الشكّ واليقين معاً، كما في قول المتصوفة: “العجز عن الإدراك إدراك”.

من جهة أخرى، تلتحم الصور الشعرية في هذا النص التحاماً شفيفاً، لا يفصل بين الحسي والروحي، بل يذوّب كليهما في ما يشبه التّصعيد العاطفي ـ المعرفي. نقرأ عن “لوحة من بشائر معناه”، وعن “كفٍّ” تحوّلت إلى سراب، وعن “ترانيم شدو” ماؤها “سلسبيل”، وكلها صور تنتمي إلى مشهد جمالي متعالٍ، لا يُدرك بقدر ما يُستشعر. يتّخذ الشاعر من الرمز وسيلة للعبور من المباشر إلى المجرد، ومن المدرك إلى المتخيّل، وهو بذلك ينهل من معين العرفان الصوفي، حيث العشق ليس رغبة حسية، بل مقامٌ يُرتقى إليه عبر التنكّر للذات، والانمحاء في تجلّيات المعشوق.

القصيدة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”الشعر الروحي”، حيث تتحوّل اللغة إلى جسدٍ لطيفٍ معنوي، وحيث الكلمة تُكتب لا لتُقرأ فقط، بل لتُتأمَّل وتُذاق، كما يتذوّق المتصوف الأذكار والمقامات. البُعد الحسيّ في القصيدة، رغم قوته، لا يُفضي إلى لذّة حسية، بل يُصعَّد دائماً نحو لذّة عقلية ـ روحية، تُشبه سكر العارفين، كما في قول الشاعر “أعبّ أباريق خمر من الذكر”، وهي صورة تُجسّد التقاء الجمالية الصوفية بالمجاز الشعري، حيث الذكر يتحوّل إلى خمر، والسكر إلى يقظة، والفناء إلى خلود.

تتماهى النهاية مع البداية، حيث تعود الذات إلى وحدتها القاسية، بعد أن خاضت تجربة الانخطاف والانخطاف المضاد، فيختم الشاعر باعتراف ملغوم بالأسى: “أفنى طليقاً بدون ضجيج، وحيداً أراه”. هذه الخاتمة تلقي بظلّها على مجمل القصيدة، وتعيد ترتيب قراءتنا لها: إن ما بدا منذ البدء انخطافاً في الحضور، يتكشّف عن كونه محاولة لتخفيف عبء الوحدة والفراغ، ولعل ذلك ما يفسّر انزياح المعنى من التجلي الإلهي إلى الرمز الوجودي، إذ قد لا يكون “هو” سوى تمثّل مجازيّ للحضور الغائب الذي ينقص الذات.

هكذا، تُعلن القصيدة عن اكتمال مسارها الجمالي والمعرفي، عبر تشييد عالم شعريّ خاص لا يقبل الاختزال في ثنائية الحضور/الغياب، ولا في متقابلات الظاهر/الباطن، بل يخلق من الشعر تجربة ثالثة، هي تجربة المعراج، حيث اللغة تُصبح سلّماً للرؤيا، والشاعر متعبّدٌ في معبد الكلمة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading