النثر الفني

أنشودة الأحرار – خالد عمامي-قليبية-تونس

**تأبين المبدع أحمد حاذق العرف

*شهر الإمبراطور الحر* 

رعشات النفس..فحيح النار..رعشات التمرد

“ليام آ ليام واش خبيتي لينا من لعذاب”

حرصت أن لا تسقط من فوق أفكارك

من أعلى قمة أفكارك سأراك عند كل شروق

من أعلى سطح أفكارك سأراك عند كل غروب

وسنذهب معا إلى أبراج الحرية 

وسنهتف عاليا 

يسقط حكم المرشد..حكم الزعيم..

 يسقط حكم الحشاشين بني صهيون

وسنرخي أجنحتنا للرياح اللاقحة

فالأمر طبيعي جدا

“ليام آ ليام واش خبيتي لينا من لمرار”

نحن ولدنا أحرار ونعيش أحرار

هيا نخلعوا قبعاتنا إحتراما لرواد الحرية 

ناظم حكمت..لوركا..نيرودا..معين بسيسو..

شماتة في الأشرار الذين بشرناهم بجحيم وسعير

وتحديا لإعلان حالة الطوارئ الدائمة

وهظم جانب مواطن حر

هيا تحركوا ..فالآن تعرفون الطريق

فالإحتفال بأبطال الحرية يخنق الأنذال

والموت يكرم الأبطال ويدفن جرذان النميمة

“ليام آ ليام واش خبيتي لينا من لفراح”

وبشروا المقموعين بثورة كل حين

وآية المستبد تكميم الأفواه

وإذا حدث كذب

وإذا عاهد غدر

وآية الأحرار نشر الكرامة والحرية

وإذا حدثوا صدقوا

وإذا عاهدوا أوفوا بالوعد

كم كنت وحيدا 

الآن الكل يتسابق للتباهي بمعرفتك..

كنا غرباء في أروقة الإنتظار بمستشفى المجانين 

لكل منا سلاحه لقهر رحي الأنفس المتمردة..

عشت حرا رغم زغاريد خصيان الثقافية 

عشت حرا رغم سعير الإستبداد

“ليام آ ليام واش خبيتي لينا من حب لحرار”

صورة لرجل مسن يجلس بجوار نافذة مضاءة. يرتدي سترة داكنة وقميص أزرق ويظهر تعبير هادئ على وجهه. خلفه توجد جدران مزينة بتصميم هندسي ملون.

في هذه الأنشودة التي كتبها خالد عمامي من تونس، تحت عنوان “أنشودة الأحرار”، والتي يكرّسها لتأبين المبدع أحمد حاذق العرف، نجد أنفسنا أمام قصيدة تتجاوز الشكل التأبيني الكلاسيكي، لتتحول إلى نشيد حرية وتمرد، واستعادة شعائر المقاومة الشعرية التي سكنت رواد الكلمة الحرة، من ناظم حكمت إلى نيرودا، من لوركا إلى معين بسيسو. فالشاعر لا يرثي رجلاً مات بل يخلّد أيقونة حية في وجدان الحرية، ويستنهض فيها صوتاً ظل يجلجل في وجه الاستبداد، رغم الصمت القاتل الذي يفرضه نظام الطغاة وتواطؤ الجبناء. النص ينبض برعشة التمرد، بنَفَس من البوح الخارج من لهيب الحناجر المكبوتة، وهو بهذا المعنى لا يُفهم في بعده الجمالي فقط، بل في أبعاده الرمزية والدلالية والسياسية والثقافية أيضاً، لكونه يضطلع بوظيفة الشهادة بقدر ما ينهض بوظيفة الإدانة.

ينطلق الشاعر بنداء متكرر: “ليام آ ليام واش خبيتي لينا من لعذاب”، هذا البيت الشعبي باللهجة المغربية أو الجزائرية أو التونسية، يضفي على النص طابعاً غنائياً نائحاً، يوحّد بين اللسان الشعبي ومعجم المقاومة، ويؤشر على وحدة الألم في الوجدان المغاربي الذي لا تعترف حدوده السياسية بالانتماء المشترك للوجع والحرمان. يضعنا هذا الاستهلال في قلب التوتر النفسي: رعشات، فحيح، تمرّد. هناك نفس وجودي في عمق القصيدة، وكأن الموت الذي أتى بالمناسبة التأبينية هو فقط الشرارة لتفجير أسئلة أكبر حول الاستلاب، وحول جدوى الحرية في عالم تصادر فيه حتى الأنفاس. فالشاعر لا يرثي بل يُؤبن بالمعنى النضالي للكلمة، ويقيم جسراً بين حياة المحتفى به ومسار المقاومة الجماعية، فكل بيت في القصيدة يشي بأن أحمد حاذق لم يكن مجرد مبدع، بل كان رفيق الحلم الجماعي، رمزاً للحرية العارية من التواطؤ، منكسراً ومرفوع الرأس في آن.

في صورة الشاعر الراحل، يرى خالد عمامي قمة فكرية شاهقة: “من أعلى قمة أفكارك سأراك عند كل شروق”، هي قمة ليست عادية، بل معنوية، ترمز إلى ثبات الرجل في المبادئ، إلى علو كلمته، إلى كبريائه الذي لم يساوم رغم الجراح. إنها قمة من صنع التمرّد الحر، لا تعترف بسجون الرأي، ولا ببطش السلطة، ولا بترهات المثقفين المزيفين. ولذلك، حين يربط بين غروب الشمس وشروقها، يجعل من الراحل حاضراً في الزمنين، مرئياً في ضوء الأمل وعتمة الغياب. هذا التكرار الحركي “سنراك” “سنهتف” “سنرخي” “سنسير” يشي بأن فعل الموت لم يقطع الصلة بين الحي والراحل، بل جعلها أكثر توهجاً، فالرجل غاب بالجسد لكنه صار رمزاً، أيقونة، طيفاً يرافقنا في كل مواجهة مع الظلام.

التقابل بين “يسقط حكم المرشد.. حكم الزعيم.. حكم الحشاشين بني صهيون” يفضح ما يسميه الشاعر بوجوه الاستبداد المعاصرة، وهي وجوه تتعدد لكنها تشترك في كبت الحرية وتكفير العقل وإذلال الإنسان. سواء كانت هذه الوجوه دينية أو عسكرية أو وظيفية استعمارية، فإنها تستحق السقوط، وهتاف السقوط في القصيدة ليس شعاراً فقط، بل طقساً شعرياً تتكرر فيه نبرة الرفض وتتحول فيه المفردة إلى أداة مقاومة. كما أن رمزية “الحشاشين بني صهيون” تُستعمل هنا لا بالمعنى العرقي أو الديني، بل بالمعنى السياسي-السياقي، في إحالة إلى النظم القمعية المتحالفة مع شبكات الاستعمار الجديد والتطبيع الثقافي مع الصهيونية. هذا الهتاف يحيل على خط المقاومة التي سلكها الشاعر الراحل، ويوحي بانخراط خالد عمامي في معركة الكلمة الحرة التي لا ترضى بأنصاف الحلول ولا تتحايل على المعنى.

وعندما يقول: “نحن ولدنا أحرار ونعيش أحرار”، فهو لا يُنتج خطاباً تعبوياً أجوف، بل يستعيد مبدأ الكرامة الأصلية للإنسان، تلك التي وُئدت في خطاب الطغاة، والتي يجب أن تعود عبر إعلان قيمي صريح: خلْع القبعات لرواد الحرية، والاحتفاء بمن أناروا دروب الشعر النضالي. ومن اللافت أن الشاعر يسند الفعل “نخلع” إلى الجماعة، فهو لا ينفرد بالموقف، بل يدعو الناس إلى الطقس الجماعي للوفاء والاعتراف، وهذا ما يجعل من القصيدة نشيداً جماعياً لا مرثية فردانية.

وحين يسخر من “الأشرار الذين بشرناهم بجحيم وسعير”، فهو يفضح الانحطاط القيمي للخصوم، ويجعل من الموت تكريماً للأحرار ولعنة على الأنذال. إذ الموت هنا ليس قدراً بقدر ما هو كشف: من يرحل حراً يموت مكرّماً، ومن يحيا ذليلاً يموت منبوذاً. فالموت في هذه القصيدة لا يعني النهاية بل البداية: بداية صحوة، بداية وعي، بداية استعادة المعنى المنهوب للحرية. ولذلك حين يقول: “الموت يكرم الأبطال ويدفن جرذان النميمة”، فهنا لا حديث عن العزاء بل عن الفرز الطبقي بين من يستحق الخلود ومن لا يليق به حتى الترحم.

والمفارقة أن المبدع الراحل، في ذروة غربته، لم يكن يوماً مهادناً: “كنا غرباء في أروقة الإنتظار بمستشفى المجانين”، صورة سريالية، تختزل عبثية الواقع العربي، حيث يوسم الأحرار بالجنون، وتُشرعن السلطة قمعها عبر وصم التمرد بالعطب النفسي. لكن المجانين الحقيقيين في هذا السياق هم خصيان الثقافة، وعبيد الطغيان، أما المبدع الحر فجنونه أعلى مراتب الحكمة، لأنه كشف الغطاء عن الزيف، وتمرد على الصمت. ولذلك كانت لكل منهم “أسلحته لقهر رحي الأنفس المتمردة”، أي أن الموت في النص ليس نهاية بل فجر مقاومة أخرى، بأسلحة اللغة، وبنَفَس الجراح، وبالذاكرة المشبعة بأصوات الشهداء.

وختام الأنشودة يلخص كل شيء في بيت بليغ: “ليام آ ليام واش خبيتي لينا من حب لحرار”، سؤال بلاغي ساخر، يضع الحياة في قفص الاتهام: هل يا ترى تخبئ لنا الحياة شيئاً من فرحٍ نقي، من حبٍ شريف، من انتصار أخير للأحرار؟ السؤال لا ينتظر جواباً بل يستنهض موقفاً. وفي قلبه نجد المؤمن أيضاً، لا بمفهوم الإيمان الغيبي، بل المؤمن بالحرية، بالعهد، بالكرامة، بالحقيقة. فالمؤمن في هذه الأنشودة هو الشاعر، هو الراحل، هو كل من صدق في زمن الزيف، وكل من “حدث فصدق، وعاهد فوفى”، مقابل المستبد الذي “إذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب”.

بهذه الأنشودة، يكرم خالد عمامي رفيقاً للحرية لا يموت، ويجعل من الشعر سلاحاً ضد النسيان، ودرعاً في وجه خصيان الثقافة، ومرآة لضمير حر لا يقبل أن يُهزم، حتى وهو يبكي رفيقاً مضى. هي قصيدة موت، نعم، لكنها أيضاً قصيدة ولادة: ولادة المعنى من الحزن، وولادة النور من رماد الغياب.

– فاس في ٣ ماي ٢٠٢٥.

– عبد العزيز الخبشي- المغرب.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading