صباح الاكتفاء… قراءة تحليلية في مقولة الدكتورة إيمان الرازي ✍️عبد العزيز الخبشي – المغرب


تتجلى في قول الأستاذة إيمان الرازي: «السعادة التي تعجنها بيديك هي الأكثر دواما لديك، كل ما سيأتيك من البعض هو هش وقابل للزوال… صباح الاكتفاء والانكفاء» كثافة فكرية ودلالية تضعنا أمام نص قصير من حيث المبنى، عميق من حيث المعنى، غنيّ بالرموز، ومفتوح على تأويلات متعددة. نحن أمام ومضة فكرية تجمع بين الاستعارة الأدبية، والدلالة النفسية، والإيحاء الفلسفي، والموقف الفكري النقدي. والقدرة على صوغ خطاب بهذه الكثافة هي ما يميز الأقوال الكبرى التي تعبر من لحظة القول العابر إلى مقام الحكمة الإنسانية الخالدة.
إذا ما بدأنا من زاوية سيكولوجية، فإن العبارة تنبني على مبدأ أساسي في علم النفس الإيجابي، وهو أن الشعور بالرضا والسعادة لا يتحقق إلا من الداخل عبر ما يسميه علماء النفس «الكفاءة الذاتية» أي شعور الفرد بقدرته على صناعة حياته ومعناها بنفسه. من ينتظر من الآخر أن يمنحه السعادة يعيش قلق التوقعات وخيبة الانكسارات، لأنه يعلق نفسه على ما هو خارج سيطرته، بينما من يبني سعادته بيديه يشعر بالتحرر من التبعية النفسية. إن صورة «العجن» هنا ليست مجرد استعارة، بل هي رمز لعملية سيكولوجية عميقة: كأن الذات تشتغل على مادتها الداخلية، تخلط مكوناتها، تصبر على مخاضها، حتى تنتج خبزها الخاص الذي يغذيها. وقد بين كارل روجرز في نظريته حول «تحقيق الذات» أن النمو النفسي السليم لا يتحقق إلا حين ينخرط الفرد في عملية بناء شخصي نابع من داخله، وليس من خلال الامتثال لمعايير الآخرين وانتظاراتهم.
ومن الناحية الأدبية، تنطوي المقولة على بنية بلاغية ثرية. فعل «تعجنها» يربط السعادة بالعمل اليدوي اليومي، بما يحيل على ثقافة الخبز والكدح والزرع، فيمزج بين المادي والرمزي، بين الحسي والمجرد. الاستعارة تمنح المعنى كثافة شعرية تجعل العبارة قريبة من القارئ، لكنها في العمق تُخفي تصوراً أنطولوجياً للحياة. كما أن التوازي بين «الدوام» و«الزوال»، وبين «الهش» و«الاكتفاء» يضفي إيقاعاً داخلياً، ويعكس ما يسميه النقاد «جمالية التضاد»، حيث تتقوى الفكرة عبر نقيضها. وختم العبارة بـ«صباح الاكتفاء والانكفاء» يحولها إلى شذرة شعرية تحمل موسيقى داخلية، إذ يجتمع الجرس الصوتي لحرفي «الفاء» و«الكاف» ليخلق نغمة متكررة توحي بالتماسك والانسجام. الأدب هنا ليس زخرفاً لغوياً، بل أداة لتمرير موقف وجودي عميق.
فلسفياً، تضعنا هذه المقولة في قلب النقاش الأزلي: هل السعادة تُمنح أم تُصنع؟ الرواقية، على سبيل المثال، شددت على أن السعادة لا تأتي مما لا نملك، بل مما هو تحت سيطرتنا. قال الفيلسوف إبكتيتوس: «لا تسع لتغيير ما ليس في قدرتك تغييره، بل غيّر نفسك تجاهه». هذا القول يلتقي تماماً مع دعوة الرازي إلى صناعة السعادة باليدين. أما ابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق فقد أكد أن السعادة تتحقق بالفضيلة والعمل على تهذيب النفس، لا باللذة العارضة أو بما يأتي من الخارج. وفي التراث الصوفي، سنجد الغزالي يتحدث عن الاكتفاء بالله، لا بالناس، باعتباره جوهر الطمأنينة. في المقابل، جاءت الفلسفة الوجودية الحديثة لتؤكد على حرية الإنسان ومسؤوليته في صياغة وجوده، كما عند سارتر الذي قال: «الإنسان مشروع لا يتم إلا بفعله». وبذلك فإن العبارة التي بين أيدينا تستلهم روح هذه التقاليد الفلسفية جميعاً، دون أن تنغلق في نسق واحد، بل تفتح أفقاً حراً للذات لتكون صانعة لسعادتها بمعزل عن هشاشة الآخر وزوال عطاياه.
ومن زاوية معرفية، تشكل هذه المقولة تصوراً إبستمولوجياً جديداً للسعادة. فهي لا تراها حقيقة جاهزة أو معطى كلياً عاماً، بل تعتبرها بناء فردياً، يختلف من شخص لآخر. السعادة هنا ليست شيئاً يمكن أن يُلقّن أو يُمنح، بل معرفة ذاتية تتشكل بالعمل والكدح والاختبار. ومن ثم فهي تنتمي إلى روح ما بعد الحداثة التي رفضت الخطابات الكبرى الموحدة، وأعلت من شأن التجربة الفردية. إن ما «تعجنه بيديك» هو حصيلة وعيك الخاص، وخبرتك الذاتية، وليس تكراراً لما يمنحه الآخرون.
على المستوى الفكري، يمكن قراءة هذه العبارة بوصفها نقداً لبنية المجتمع المعاصر التي تربط السعادة بالاعتراف الاجتماعي أو الاستهلاك المفرط. في زمن وسائل التواصل حيث تُعرض الحياة كسوق للمظاهر، يصبح الفرد أسيراً لتقدير الآخرين وإعجاباتهم. لكن النص يرفض هذا المنطق، معلناً أن ما يأتي من الغير هش بطبيعته. إنه موقف فكري نقدي ضد ثقافة الخارج والاعتراف، وضد تحويل السعادة إلى سلعة. ومن هذا المنظور، تلتقي العبارة مع نقد مدرسة فرانكفورت لمجتمع الاستهلاك، حيث يصبح الفرد مسلوب الإرادة، يبحث عن السعادة في ما يُعرض عليه، لا في ما يبنيه هو.
ولعل اللافت أن الأستاذة الرازي تختتم مقولتها بعبارة «صباح الاكتفاء والانكفاء». الصباح رمز لبداية جديدة، أي أن الاكتفاء ليس نهاية انسحابية، بل بداية يوم جديد مبني على إرادة ذاتية. أما الانكفاء فهو ليس عزلة سلبية، بل مراجعة داخلية، انسحاب مؤقت نحو الذات لإعادة ترتيبها، قبل الانفتاح على العالم من جديد. وهذا يتوافق مع رؤية سيكولوجية حديثة ترى أن العزلة المؤقتة ليست مرضاً بل ضرورة للنمو، إذ تمنح الذات فرصة للاستبطان والتوازن. في الأدب أيضاً، نلمح هذا المعنى عند الشاعر جبران خليل جبران حين يقول: «أنت لن تبلغ الحرية إلا حين لا تبحث عن شيء، ولا تتعلق بشيء». الانكفاء هنا ليس نكوصاً، بل تحرراً من التعلق.
ولتعزيز هذا الفهم، يمكن أن نستحضر صورة الأبطال في الروايات الكبرى. فالبطل عند همنغواي في الشيخ والبحر يجد سعادته في نضاله وصبره على البحر، لا في انتظاره منحة من أحد. وفي الأدب العربي، نجد المتنبي يقول: «إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ / فلا تقنعْ بمـا دونَ النجـومِ»؛ أي أن المجد والسعادة لا تُمنح بل تُصنع بالكد والتعب. كذلك نجد في شعر أبي العلاء المعري نزوعاً إلى الاكتفاء بالذات والشك في عطايا الآخرين، حين قال: «فلا هطلت عليّ ولا بأرضي / سحائب ليست تنتظم البلادا». هذه الأمثلة الأدبية تعكس نفس الجوهر الذي تعبر عنه مقولة الرازي: أن السعادة الأصيلة تبنى باليدين لا تُمنح من الغير.
أما من زاوية نقدية أدبية، فالمقولة تعيد الأدب إلى وظيفته الأصلية: أن يوقظ القارئ من استلابه ويعيده إلى ذاته. في زمن كثرت فيه النصوص التي تلهث وراء الخارج، تأتي هذه العبارة لتذكر بأن الأدب الحقيقي ليس تزييناً للسطح، بل غوص في العمق. النص الذي بين أيدينا هو مثال على شذرات الحكمة التي لا تُقرأ للمتعة الجمالية وحدها، بل لتعيد صياغة وعي القارئ بذاته وعالمه.
ولا يخفى أن وراء العبارة بُعداً علاجياً وفكرياً مزدوجاً. علاجياً، لأنها تقدم للفرد وصفة نفسية عملية: توقف عن انتظار عطايا الآخرين، وابنِ سعادتك بنفسك. وفكرياً، لأنها تعلن موقفاً نقدياً من ثقافة هشاشة العلاقات والاعتراف الاجتماعي الزائف. هذا المزج بين العلاجي والنقدي يمنح النص طاقة مضاعفة، ويجعل صداه يتجاوز اللحظة العابرة ليغدو قولاً قابلاً للاستدعاء في مواقف حياتية متعددة.
إن «صباح الاكتفاء والانكفاء» ليس مجرد تحية بل هو إعلان لبرنامج وجودي جديد، يفتح الصباح على بداية مختلفة: بداية يختار فيها الإنسان أن يستعيد زمام ذاته، أن يبني خبزه بيديه، أن يتذوق لذة الاكتفاء، وأن يجد في انكفائه فرصة للتطهر من هشاشة الخارج. وهنا يكمن البعد الفلسفي الأعمق: السعادة الحقة ليست هدفاً يُطلب من الآخرين، بل مسار يبنيه الفرد بنفسه، وفي ذلك تكمن الحرية الحقيقية.
وفي المحصلة، نحن أمام نص قصير في ألفاظه، طويل في معانيه، عميق في إيحاءاته. يلتقي فيه السيكولوجي مع الفلسفي، والأدبي مع الفكري، والمعرفي مع النقدي، ليؤسس رؤية متكاملة للسعادة باعتبارها فعلاً ذاتياً، لا منحة خارجية. وهو نص يليق بأستاذة تمتهن تحليل الخطاب، لأنها صاغت خطاباً مكثفاً يفتح الباب أمام قراءات لا تنتهي، ويذكرنا بأن الكلمة حين تكون محمولة على وعي عميق تصبح مشروعاً وجودياً قائماً بذاته.
إن السعادة التي تعجنها بيديك هي بالفعل الأكثر دواما لديك، لأنها ليست مجرد لحظة عابرة أو هدية زائلة، بل ثمرة جهد داخلي يربطك بذاتك، ويحررك من هشاشة الآخر، ويمنحك قدرة على مواجهة العالم بطمأنينة. ولعل هذا هو المعنى الذي يجعل المقولة جديرة بأن تُقرأ لا كمجرد تحية صباحية، بل كحكمة وجودية تصلح أن تُستدعى كل صباح، لتذكرنا بأن البداية الحقيقية هي أن نصنع سعادة بأيدينا، ونكتفي بها، وننطوي على ذواتنا بصفاء، قبل أن ننفتح على العالم بثقة وحرية.





