اَلصُّورَةُ اَلتِي لَمْ تُؤرَّخ ✍️ عبد العزيز الخبشي

في حيّ قديم يختلط فيه غبار الشوارع برائحة الخبز الطازج من الأفران الشعبية، كانت بناية صغيرة بلون باهت ترفع لافتة شبه ممزقة: “جمعية الأمل الجديد”. الحروف الزرقاء كانت تفقد بريقها مثل وعود لم تُستوفَ، ومع ذلك، حين تصل شاحنة الدعم المحملة بصناديق الزيت والسكر، يتجمع نساء الحي في طابور طويل، تتعانق فيه الترقب والحياء.
في الداخل، خلف مكتب خشبي لامع، جلست نهاد بملابس أنيقة تفوح منها رائحة عطر خفيف، وعلى الجدار صور لها وهي تصافح مسؤولين، وتسلم جوائز، وتبتسم بعدسة كاميرا تعرف جيدًا كيف تلتقط الزوايا المضيئة.
قبل عامين، كانت نهاد وجوهرة الحماس التطوعي تتألق على شاشة الهاتف، تخرج في مقاطع قصيرة تندد بالفساد، وتدعو الناس للتضامن. يومها، كانت تظن أن الكلمة قادرة على إحداث زلازل صغيرة في قلوب الناس. لكنها أدركت سريعًا أن الحماس وحده لا يدفع الإيجار، وأن الجوع لا يطعم بالشعارات. ومن هنا، ولدت فكرة الجمعية…
أول الاجتماعات كانت في مقهى شعبي. أصوات الملاعق تختلط بضحكات الأعضاء، والقهوة السوداء تملأ الأكواب كما تملأ العزيمة القلوب. كنا — كما تقول إحدى العضوات — “نشتغل بالبركة”. لكن البركة صارت لوائح، والقهوة صارت مواعيد، والمقهى تحول إلى مكتب أنيق له محاسب رسمي وملفات دعم مختومة.
حين جاءت القناة المحلية لتصوير تقرير عن “التجربة الناجحة”، جلست نهاد بكامل وقارها، وقالت جملة مرّت على لسانها بلا حساب:
– أنا رئيسة الجمعية براتب شهري ممتاز من الدعم العمومي.
كان وقع الجملة في الحي أثقل من صناديق الدقيق. “عم حامد” بائع الخضر، قال وهو يرصّ الطماطم:
– زمان، كان الخير بلاش… واليوم صار له ثمن.
أما نهاد، فكانت ترى الأمر ببساطة: راتب يعني وقتًا أطول لخدمة الجمعية، بدل تشتيت الجهد في عمل آخر. لكنها لم تلحظ أن روح الجمعية تتسرب من بين الأصابع. لم تعد الأبواب مشرعة كما في السابق، ولم تعد الضحكات تعلو مع كل نشاط، وكثير من الوجوه الأولى تلاشت كصور لم تُجدَّد إطاراتها.
في مساء بارد، دخلت زهرة، امرأة بنبرة صوت متعبة، تحمل ورقة طلب. ابنها مريض ويحتاج دواء. فتحت نهاد الحاسوب، طرحت أسئلة روتينية، ثم قالت بصوت آلي:
– آسفة، البرنامج الحالي مخصص للمشاريع التعليمية.
وقفت زهرة لحظة، نظرت إلى المكتب الأنيق، إلى الصور المعلقة، ثم قالت بهدوء يشبه وخز الإبرة:
– كنتِ تقولين إن الجمعية عائلة… لكن يبدو أن العائلة كبرت، وصارت لا تتذكر أبناءها.
بعد رحيلها، ظلت الكلمات عالقة في هواء المكتب. حاولت نهاد الانشغال بالملفات، لكنها رأت في إحدى الصور المعلقة يدها وهي تمسك بيد طفلة، وفي اليد قطعة خبز، والابتسامة أوسع من أي جائزة.
مرت شهور. الجمعية تكبر، الدعوات تزداد، المؤتمرات تتوالى، لكن الحي بدأ يشيح بوجهه. حتى عم حامد، الذي كان يرفع يده بتحية سريعة، صار يكتفي بنظرة صامتة.
في ليلة شتوية أخرى، طَرق الباب طفل لا يتجاوز العاشرة، يحمل ظرفًا بنّيًا. قال بخجل:
– أُمِي قَالَتْ أُعْطِيكِ هَذَا.
في الداخل، صورة قديمة: نهاد على الأرض، تحيط بها نساء وأطفال، تضع بيدها قطعة خبز في يد طفلة. بخط متعرج كتبت زهرة:
“الخير لا يُقاس بالراتب.”
جلست نهاد على حافة مكتبها، تمسح بيدها الغبار عن الصورة. الهاتف يرنّ لاجتماع دعم جديد، لكن أصابعها بقيت على الصورة. كان ثمة برودة تسري في أطرافها، برودة ليست من الشتاء، بل من مسافة شعرت بها فجأة… مسافة لم تعرف بعد إن كانت قادرة على قطعها.
في الخارج، كان عم حامد يغلق دكانه، والطفل الذي جاء بالصورة يلعب بحجر على الرصيف. لم تخرج نهاد لتناديه. فقط ظلّت تحدق في اليد الممدودة في الصورة، تتساءل إن كانت ما زالت يدها… أم صارت يدًا أخرى.





