حين صار الغياب وطنا-عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم يكن سمير يؤمن كثيرا بتلك العبارة القديمة التي تقول إن الحب يأتي متأخراً ليعاقب القلب على كل سنوات الحكمة التي ادّخرها صاحبها. كان يظن أن الإنسان، كلما تقدم به العمر، صار أكثر قدرة على ترويض عواطفه، وأكثر ميلاً إلى النجاة بدل السقوط. لكنه اكتشف، ذات مساء شتوي ثقيل، أن القلب لا يشيخ، وأنه قد ينقلب فجأة إلى طفل مذعور يبحث عن يد واحدة فقط وسط هذا العالم الواسع.
كانت ماجدة قد دخلت حياته دون ضجيج. لم تأتِ كامرأة فاتنة من روايات العشق القديمة، ولم تحمل معها موسيقى أو معجزات، بل جاءت متعبة، بعينين فيهما شيء من انكسار طويل، وابتسامة حذرة تشبه شخصاً يطرق باباً وهو مستعد للهرب في أي لحظة.
ومنذ اللحظة الأولى، شعر سمير أن شيئاً داخله قد انفتح على هاوية لا قرار لها.
كان يعيش وحيداً في شقة صغيرة تزدحم بالصمت. الكتب فوق الطاولة، فناجين القهوة الباردة، وستائر تتحرك ببطء مع هواء المساء، كلها كانت تشهد على حياة رجل تعوّد الوحدة حتى صارت جزءاً من أثاثه الداخلي. لكنه، بعد أن عرف ماجدة، صار يعود إلى البيت كمن يعود إلى غرفة انتظار طويلة. كل شيء فقد معناه إلا الرسائل القليلة التي ترسلها، والمكالمات القصيرة التي كانت تنهيها بسرعة كأن أحداً يراقبها من خلف الجدران.
ولم يكن قد التقاها إلا مرة واحدة فقط، في معرض للكتاب، حين كانت تجلس خلف طاولة التوقيع، تحيط بها نسخ من منجزها الأدبي الجديد. يومها وقف سمير متردداً بين القرّاء، يراقبها بصمت طويل، قبل أن تمد إليه نسخته الموقعة بابتسامة خفيفة أربكته أكثر مما أراحته. منذ تلك اللحظة، صار ذلك اللقاء الوحيد يكفيه ليبني عالماً كاملاً من التعلّق والانتظار.
كانت تقول له دائماً:
— “لا يجب أن تتعلق بي يا سمير.”
فيبتسم بحزن ويجيب:
— “وكأن القلب يستأذن صاحبه قبل أن يغرق.”
لكن ماجدة كانت تعرف أكثر منه أن للحياة قوانين قاسية لا يكسرها الحب بسهولة. كانت امرأة خرجت من زواج منهك، تحمل فوق كتفيها تعب السنوات، ويعيش معها طفلاها الصغيران اللذان صارا عالمها الوحيد. كانت تخاف عليهما من كل شيء: من الفقر، من الوحدة، من كلام الناس، وحتى من الأحلام الكبيرة.
ثم كان هناك فارق السن، ذلك الشبح الاجتماعي الذي لا يراه العاشقان أحياناً بينما يراه العالم بوضوح جارح. كانت تشعر أن الطريق بينهما مليء بالأسئلة الثقيلة، وأن الحب وحده لا يكفي لبناء حياة مستقرة.
أما سمير، فكان يرى الأمر بطريقة أخرى. كان يعتقد أن الإنسان لا يُقاس بعمره، بل بقدرته على أن يمنح قلبه بصدق. وكان يشعر، كلما تحدثت عن الفارق بينهما، أن العالم كله يتحول إلى محكمة سخيفة تحاكم المشاعر بلغة الأرقام.
في الليل، كان يتمدد فوق سريره محاولاً النوم، لكن وجهها كان يجيء دائماً قبل العتمة الأخيرة. أحياناً يتخيلها جالسة قرب نافذتها، تحتضن طفليها، وتحاول أن تبدو قوية بينما تنهشها المخاوف من الداخل. وأحياناً كان يسمع صوتها في رأسه بوضوح مؤلم حتى يظن أنها تجلس فعلاً قربه.
وكان يعود كثيراً إلى صورة ذلك اللقاء الوحيد في معرض الكتاب؛ إلى ارتباك يديه وهو يناولها الكتاب، إلى الطريقة التي كتبت بها اسمه على الصفحة الأولى، وإلى تلك الثواني القليلة التي التقت فيها عيناهما، حتى بدا له أن الزمن كله توقف داخل نظرتها.
لم يعد يعرف متى بدأت هذه الحالة تتحول إلى نوع من العذاب الجميل.
صار يستيقظ على اسمها. يشرب قهوته وهو يفكر فيها. يمشي في الشوارع متخيلاً أنها تعبر الرصيف المقابل. حتى الأغاني القديمة التي كان يسمعها بلا اهتمام، صارت تبدو وكأنها كتبت خصيصاً له.
كان الحب، بالنسبة إليه، يتحول ببطء إلى مرض نبيل لا يريد الشفاء منه.
وكان كلما شعر بثقل الغياب، فتح كتابها الموقع، وقرأ الإهداء القصير الذي كتبته له في ذلك المعرض، كأن الكلمات القليلة قادرة وحدها على إبقاء قلبه حيّاً.
وذات مساء، أجرى معها مكالمة طويلة بدت له كأنها مواجهة أخيرة. كانت ماجدة شاردة على غير عادتها، وعيناها تحملان تعباً ثقيلاً.
قالت فجأة:
— “سمير… يجب أن نتوقف.”
شعر كأن الجملة سقطت فوق صدره كحجر.
ظل صامتاً للحظات، ثم سألها بصوت مكسور:
— “ولماذا؟”
أخفضت رأسها قليلاً وقالت:
— “لأنني أخاف.”
— “مني؟”
— “لا… منك أقل مما أخاف من الحياة.”
كان يسمع كلامها بينما شيء داخله ينهار ببطء. حاول أن يتمسك بأي أمل، بأي كلمة، بأي نافذة صغيرة تؤجل النهاية.
قال:
— “أنا لا أطلب منك المستحيل.”
رفعت عينيها نحوه، وكانت نظرتها ممتلئة بحزن عميق:
— “لكن الحياة تطلبه.”
ثم أضافت بصوت خافت:
— “أنت تحبني بطريقة تخيفني يا سمير.”
ابتسم بألم:
— “وهل أصبح الحب جريمة؟”
هزّت رأسها ببطء:
— “ليس جريمة… لكنه أحياناً عبء ثقيل.”
في تلك اللحظة، شعر أنه يراها للمرة الأولى حقاً. لم تكن امرأة تهرب من الحب، بل امرأة تحاول حماية ما تبقى منها. امرأة أنهكتها الحياة حتى صارت تخاف من أي سعادة مفاجئة، لأن السعادة في نظرها كانت دائماً بداية لخسارة جديدة.
خرج من المكالمة وهو يشعر أن المدينة كلها تضيق حوله. كانت السيارات تمر، والناس يضحكون، والمحلات مضاءة كأن شيئاً لم يحدث، بينما كان داخله خراب كامل.
في تلك الليلة، لم ينم.
جلس قرب النافذة حتى الفجر، يدخن بصمت، ويتأمل الشارع الفارغ. كان يشعر أن الوحدة التي عاشها سنوات طويلة قد استعادت سلطتها فجأة، لكنها هذه المرة أكثر قسوة، لأن قلبه صار يعرف ماذا يعني أن ينتظر شخصاً بعينه.
ومع ذلك، لم يستطع أن يكرهها.
كان يدرك، في أعماقه، أن ماجدة لا ترفضه هو، بل ترفض المصير الغامض الذي قد ينتظرها. كانت تقف بين رغبتها في أن تحبه، وخوفها من أن تهدم حياة طفليها أو تدخل تجربة جديدة قد تنتهي بالفشل نفسه.
بعد أيام، صارت رسائلها أقل.
ثم بدأت تختفي لساعات طويلة.
ثم لأيام.
وكان سمير يتحول تدريجياً إلى رجل يعيش على الاحتمالات. يفتح هاتفه عشرات المرات بلا سبب، يحدق في صورتها، يعيد قراءة محادثات قديمة كأنها وثائق مقدسة، ويحاول أن يقنع نفسه بأن الصبر شكل آخر من أشكال الحب.
لكن الحب، حين يطول انتظاره، يتحول إلى نزيف بطيء.
وذات صباح، استيقظ على رسالة قصيرة منها:
“سامحني… لا أستطيع.”
قرأ الجملة مرات كثيرة حتى فقدت الكلمات معناها.
ثم أغلق الهاتف ووضعه قربه بصمت.
لم يبكِ. كان الحزن أكبر من الدموع.
شعر فقط أن شيئاً داخله انطفأ، كشمعة قاومت الريح طويلاً ثم استسلمت أخيراً.
مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة وبطيئة. عاد إلى وحدته القديمة، لكن الوحدة لم تعد كما كانت. لقد تغيرت. صار لها وجه ماجدة، وصوتها، وغيابها.
حتى الأشياء الصغيرة أصبحت تؤلمه. الأغنية التي أحبتها. ذلك الكتاب الذي وقعته له في المعرض. العطر الذي كانت تضعه. كل التفاصيل تحولت إلى كمائن للذاكرة.
وكان أكثر ما يقتله، تلك الفكرة البسيطة: أنها ربما تنام الآن بسلام بينما هو يعجز عن إيقاف التفكير فيها ولو للحظة واحدة.
ومع ذلك، ظل يحبها.
كان يعرف في أعماقه أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا، بل ليتركوا أثراً دائماً فقط. كأنهم يأتون ليعيدوا تشكيل أرواحنا ثم يرحلون بهدوء.
بعد أشهر طويلة، لم يرها مجدداً، لكن صورتها بقيت معلقة داخله كما رآها أول مرة في ذلك المعرض: امرأة تجلس خلف كتبها، بينما كان هو يسقط بهدوء داخل حب لن يخرج منه أبداً.
أراد أن يقول أشياء كثيرة: إنه ما زال يحبها، وإنه لم ينسها يوماً، وإن الليل ما زال يبدأ باسمها وينتهي بصورتها، لكنه أدرك فجأة أن بعض الحب لا يُقال، لأنه حين يُقال يفقد كرامته الأخيرة.
لذلك اكتفى بابتسامة باهتة، ثم أكمل طريقه ببطء.
كان يمشي وحيداً، لكنه شعر للمرة الأولى أن الحب الحقيقي ليس دائماً ذلك الذي ينتهي باللقاء، بل أحياناً ذاك الذي يترك الإنسان ناقصاً إلى الأبد، ثم يواصل العيش رغم ذلك النقص.
وفي تلك الليلة، حين تمدد فوق سريره، كانت ماجدة آخر من مرّ في تفكيره كالعادة.
لكنه، لأول مرة منذ زمن طويل، لم يحاول مقاومتها.
تركها تعبر قلبه بهدوء، مثل صلاة حزينة تعرف جيداً أنها لن تغيّر العالم، لكنها تمنح الروح قدرة مؤقتة على الاحتمال.





