القصة القصيرة

أحب ابنتي – عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم يكن الأمر حباً عادياً. لم يكن اندفاعاً شعورياً يشبه ما اختبرته في مراهقتي أو نضجي أو حتى في خواء وحدتي. كان اكتشافاً مباغتاً، أشبه بلحظة انخطاف، حين نظرت إليها ذات مساء، فعرفت أنني أمام كائن يعيد تركيب الزمن، يُجدد ذاكرتي المنسية، ويبعثر ترتيب أيامي كما لو كنت أتعلم المشي من جديد.

كنت رجلاً يجترُّ العادة. أرتب حاجياتي كل صباح بنفس التسلسل، أرتدي ربطة العنق ذاتها، وأشرب قهوتي في صمت ميكانيكي، أبتلع الأخبار بحياد بارد، وأمارس الأبوة كما لو كانت بنداً إدارياً في دفتر الحياة. حتى حين وُلدتْ، ظللت أتعامل مع الحدث كأنه مجرد تعديل طارئ في الروتين: كائن صغير يبكي، يحتاج إلى الحليب، ويحمل اسمها.

لكنها لم تكن مجرد كائن صغير.

في اليوم الذي التقت فيه نظرتانا لأول مرة، كنت أنا من ذُهل. كانت عيناها الواسعتان تسبحان في حيرة، كأنها تسأل: من أنت؟ ومع كل شهقة بكاء، كان داخلي يتكسر ويتكوَّن من جديد. أذكر أني ترددت في حملها، خشيت أنني غير مؤهل، أن لمسة مني قد تخل بسلامتها الهشة، لكن حين وضعتها الممرضة بين يدي، أدركت أنني أحتضن قلبي نفسه.

ذات مساء، كنت أعود مرهقاً من العمل، شتاءٌ عاصف يطرق النوافذ بقسوة، والبيت ساكن إلا من أنفاسها الخفيفة تتسرب من غرفتها. فتحت الباب ببطء، فارتطم بصوت صغير يرتل الأحرف: “بابا… با… با…”. لم تكن الكلمة كاملة، ولا واضحة، لكنها خضّتني كرجفة، كأن قلبي انخلع وأُعيد إلى مكانه معكوساً.

من تلك الليلة، لم أعد الرجل ذاته. أصبحت أتسلل إلى غرفتها حين تنام، أراقب ملامحها تتغير من يوم لآخر، أختلس نظرة إلى أصابعها النحيلة، أتحسس خصلات شعرها القصير وهي تلهو فوق الوسادة، كأنني أُلامس الحياة في أكثر أشكالها براءة. لم يكن ذلك مراقبة؛ بل انخطاف. كنت أعيش طقوس التقديس في هيئتها الطفولية.

كانت تلوّن العالم. حين تبدأ في اللعب بألوانها، يتبدلُ البيتُ إلى حقل فراشات. حين تضحك، تنكمشُ المسافات بين الأشياء، ويتهشم ركام الملل. حين تبكي، أكتشف أن قلبي أصبح هشّاً، يتفتت من صرخة صغيرة. لم أعد أحتمل أن تتألم ولو للحظة، وأدركت أن العالم، بكل فوضاه، يمكن أن يُختزل في راحة يدها.

وذات يوم، وقع التحول الحاسم.

أخذتها أمها إلى حضانة جديدة. تأخرتُ عن وداعها صباحاً، فقررت أن أسبقها إلى هناك ظهراً لأفاجئها. وقفت من بعيد، رأيتها وسط أطفال لا تعرفهم، تلملم نظراتها من زوايا الغربة، ثم جلست في الركن كزهرة اقتُلعت من تربتها. كانت تقضم طرف قميصها وتحدق في الفراغ، وفي عينيها سؤال أكبر من عمرها.

كنت أراها ولا تراني.

فجأة، قامت، مشت خطوات صغيرة نحو النافذة، وضعت راحتيها على الزجاج، وراحت تتمتم بكلمات غير مفهومة. ارتبكت. اقتربت ببطء. وعندما لمحتني، لم تبتسم. فتحت عينيها دهشة، ثم أجهشت بالبكاء.

في تلك اللحظة، لم أعد أحتمل المسافة. اقتحمت الباب، كاسراً كل طقوس المؤسسات. احتضنتها بقوة، وجلست على الأرض، أضمها إلى صدري، أبكي معها.

عندها فقط، أدركت أنني أحبها حتى الثمالة.

لا، ليس حباً عادياً. إنه حبّ يجعلني أضعف مما توقعت، أقوى مما ظننت. حبّ يجعلني أكتب لها رسائل سرية لا تقرؤها، وأرسم وجوهنا على طرف المنديل. حبّ يجعلني أفكر: من سأكون لو اختفت؟ أي معنى تبقى لحياتي إن لم تكن فيها؟

أذكر ليلة مرضها الأول. كانت حرارتها تتصاعد كبركان، وعيناها تلمعان بوهج لا يشبه الأطفال. حملتها إلى المستشفى، كمن يحمل قلبه في راحة يده. كل دقيقة كانت دهراً، كل صراخ منها كان طعنة. أجلس في ممر المستشفى، أكتب وصيتي في رأسي، كأنني أنا الموشك على الموت. أنظر إلى الأطباء كأنهم آلهة صغيرة تتحكم بمصيري. وعندما خرجت الطبيبة وقالت إنها بخير، بكيت. بكيت كما لم أبكِ من قبل.

منذ تلك الليلة، تغير كل شيء. بتّ أقيسَ الزمن بنمو أظافرها، وأرتب أولوياتي حسب ضحكتها، وأقيم وزني النفسي بحسب درجة دفئها حين تنام على كتفي. كل تفاصيلها صارت معياراً للوجود. حتى رائحتها الصغيرة العالقة في وسادتها صارت تملأني طمأنينة، وكأن الكون كله ينبض من مسامها.

حتى علاقتي بالكون تغيّرت. أصبحتُ أتحاشى نشرات الأخبار، أخاف من صور الحروب، من أخبار الأطفال تحت الأنقاض. وأفكر: ماذا لو كانت هناك؟ ماذا لو…؟ بت أكره قسوة العالم، وأبحث عن مأوى صغير أُخفيها فيه من كل شر.

ثم جاءت الرسالة.

كانت ترسم في غرفتها، بينما أنا أنهي بعض الأوراق. ناولتني ورقة مطوية بعناية، قالت بصوت خافت: “هذه لك بابا”.

فتحتها، فوجدت رسمة بسيطة: بيت صغير، شجرة، وطفلة تمد يدها لرجل طويل. كتبت تحتها: “أنا أحبك كثيراً”.

أقفلت الدفتر. نسيت الأوراق. وبكيت.

أيقنت أن هذا الحب ليس اختياراً. إنه ضرورة وجود. هو ما يمنح المعنى لكل شيء. وهو ما يجعلني أخاف، وأحب، وأرتب العالم على إيقاع ابتسامتها.

في المساء، كانت تغفو على صدري، وإحدى يديها لا تزال تمسك بالقلم. نظرتُ إليها. إلى الكائن الذي خرج من بين أضلعي، ليعيد تشكيل قلبي.

قلت لنفسي: إنّي أحبكِ… حتى الثمالة.

حتى الذوبان.

حتى الإنهاك.

حتى النهاية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading