حين أموت – عبد العزيز الخبشي

حين أموت، آه حين أموت، ادفنوني في غيمة داكنة عساني أصير وابلا من المطر تخفف خطاياي اقترفتها في حق الأرض!
تستحضر هذه الخاطرة الشعرية للدكتور عبد السلام فزازي بعدا وجوديا عميقا يتجاوز الحدود المادية للحياة والموت، لتغوص في أعماق النفس البشرية وما يعتمل فيها من تأملات حول الخطيئة، والفناء، والتطهير. حيت بدأ نصه بجملة “حين أموت، آه حين أموت” التي تتكرر لتضفي إيقاعا تأمليا مشحونا بالحنين والرهبة من المجهول. وهذا التكرار يعكس إحساسا بالاستسلام أمام حتمية الموت، ولكنه أيضا يعبر عن رغبة في البوح والاعتراف. يتردد صدى هذا التأمل مع ما قاله مارتن هايدغر عن كون الإنسان “كائنا نحو الموت”، إذ يعتبر أن الوعي بالموت هو ما يمنح الحياة معنى وعمقا. تنتقل الخاطرة الشعرية إلى طلب غريب: “ادفنوني في غيمة داكنة”. إن هذا المشهد الرمزي يكسر النمط التقليدي للدفن، ليقترح احتواء الموت في عنصر طبيعي عابر ومتغير. فالغيمة الداكنة هنا تمثل ثقل الذنوب والآثام التي تراكمت على الوجدان. لكن التحول المرجو بعد ذلك يكشف عن رغبة دفينة في التطهير: “عساني أصير وابلا من المطر”. هنا يظهر البعد الفلسفي العميق الذي يعبر عن أمل في التحول والتطهير من خلال دورة الطبيعة. وهذا الطرح يشبه ما عبر عنه الفيلسوف هيراقليطس في نظريته عن التغير المستمر، حيث لا شيء يبقى على حاله، وكل تحول يحمل إمكانية التجدد. التحول إلى وابل من المطر يحمل دلالات رمزية تتعلق بالخصوبة والغفران. فالمطر في الثقافة الإنسانية يمثل العطاء غير المشروط، والتطهير، والبداية الجديدة. هنا، يرغب المتحدث في أن تتحول خطاياه إلى مصدر للحياة، ربما ليعوض عن الأذى الذي شعر بأنه ألحقه بالأرض. إن هذا الشعور بالذنب يعكس بعدا نفسيا مرتبطا بمفهوم “الشعور بالذنب الكوني” الذي تحدث عنه كارل يونغ، حيث يشعر الفرد بمسؤولية تجاه العالم بأسره، وليس فقط تجاه أفعاله الشخصية. في السياق الأدبي، تعتمد الخاطرة الشعرية على لغة مجازية كثيفة تفتح باب التأويلات الفلسفية والنفسية. حيث يعكس استخدام “غيمة داكنة” حالة من الكآبة والاضطراب الداخلي، في حين يعبر “وابلا من المطر” عن رغبة في التحرر والخلاص. وهذا الانتقال من الثقل إلى الخفة يعكس رحلة وجودية من الشعور بالذنب إلى الأمل في الغفران. تتقاطع هذه الرؤية مع ما عبر عنه ألبير كامو في فلسفته العبثية، حيث البحث عن المعنى وسط العبث يقود إلى التمرد والأمل. تختتم الخاطرة الشعرية بطلب ضمني للمغفرة: “تخفف خطاياي اقترفتها في حق الأرض”. وهذا الاعتراف يعكس إدراكًا عميقا لمسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة، وهو ما يتقاطع مع الفكر الإيكولوجي الحديث الذي يدعو إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالبيئة. هنا، يظهر البعد الأخلاقي الذي يعبر عن ندم صادق ورغبة في التكفير عن الذنب، ليس فقط أمام البشر، ولكن أمام الكوكب بأسره. تتفاعل جميع هذه الأبعاد لتقدم نصا متكاملا يعكس عمقا فكريا وفلسفيا ونفسيا، معتمدا على لغة شعرية غنية بالرمزية والاستعارات. حيث تتجلى في هذه الخاطرة الشعرية قدرة الشاعر على تحويل التأملات الوجودية إلى صور شعرية مؤثرة تحمل في طياتها دعوة للتفكير في معنى الحياة، والموت، والخطيئة، والغفران.





