مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

المهرجان وتملك التراب: حينما تُخْتَزَلُ العيطة الجبلية في الفرجة-عبد العزيز الخبشي

Portrait of a middle-aged man wearing glasses, a suit, and a tie, looking directly at the camera.

لا يمكن الحديث عن مهرجان العيطة الجبلية المنظم في نسخته الثالثة عشرة ايام ٢٢ و٢٣ و٢٤ ماي ٢٠٢٥ بمدينة تاونات. دون الوقوف عند تناقضاته البنيوية التي تضعنا أمام سؤال جوهري حول الغاية من تنظيمه: هل يتعلق الأمر برهان تنموي وثقافي حقيقي، أم مجرد تظاهرة فولكلورية موسمية تستهلك المال العام وتعيد إنتاج نفس الأشكال الرمزية دون أثر مستدام؟ هنا لا بد من مساءلة الأسس الانطروبولوجية والثقافية والاقتصادية التي يقوم عليها هذا المهرجان، متجاوزين التناول التمجيدي السطحي إلى تحليل نقدي يرصد ما تحقق فعلاً وما ظل في حكم الوهم أو الدعاية المؤسساتية.

في الأصل، تعتبر العيطة الجبلية شكلاً فنياً متجذراً في البنية الثقافية والوجدانية للمجتمعات الجبلية بشمال المغرب، وهي ليست فقط تعبيراً فنياً صوتياً، بل نظاماً رمزيّاً متكاملاً يرتبط بالأرض والمقاومة والتاريخ والأسطورة والاحتفال الجماعي. لذلك، فإن كل مقاربة لهذا الفن يجب أن تنطلق من الاعتراف به كعنصر من عناصر الهوية الثقافية المهددة بالتآكل تحت ضغط المركزية الثقافية الرسمية وثقافة السوق المعولمة، مما يستوجب حمايته وتثمينه في إطار سياسة ثقافية عمومية دامجة ومنصفة.

لكن حين يتم تنظيم مهرجان العيطة الجبلية في رقعة ترابية محدودة داخل الإقليم، مع حصر فقراته في قلب المركز، يصبح المشروع كله عرضة للابتذال، وتُفرغ العيطة من سياقاتها الاجتماعية والطقسية، فتتحول إلى مجرد عرض فولكلوري لا يحمل من روح العيطة إلا الصوت والصورة، بينما يغيب البعد الاجتماعي العميق المتصل بمشاعر الانتماء والذاكرة الجماعية. هنا تطرح المقاربة الانطروبولوجية سؤالاً جوهرياً حول وظيفة هذا المهرجان في تملك التراب: هل يشعر سكان الإقليم فعلاً بأنهم جزء من هذه التظاهرة؟ أم أن المهرجان قد تحول إلى منتوج استهلاكي يُعرض عليهم من موقع الفوقية المؤسساتية؟

من منظور التنمية المحلية، لا يمكن اعتبار أي تظاهرة ثقافية ناجحة إذا لم تخلق آثاراً اقتصادية واجتماعية ملموسة في النسيج المحلي. والملاحظ أن المهرجان، رغم أهميته الرمزية، لم يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، لا على مستوى البنية التحتية، ولا على مستوى تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، ولا على صعيد توفير فرص الشغل أو تثمين المنتوجات المحلية. بل إن المهرجان ظل حبيس الارتجال التنظيمي والتكرار السنوي لوجوه فنية بعينها، ما يجعله مرآة لسياسات ثقافية سطحية لا تنخرط فعلاً في تصور استراتيجي لإدماج الثقافة في التنمية، بل تسقط في فلك “المناسباتية” التي تستهلك الحدث وتترك المجال خاوي الوفاض بعد انقضائه.

ولعل الإقصاء المجالي الذي تعاني منه عواصم الدوائر الأربع الأخرى للإقليم يُعمق هذا التهميش الرمزي. فعوض أن تكون العيطة الجبلية مناسبة لتجسيد وحدة الإقليم في تعدده الترابي، وتحقيق نوع من “العدالة الثقافية” بين مكوناته، تم تقزيم الفضاء الجغرافي للمهرجان، وكأن باقي مناطق الإقليم لا تنتمي إلى جغرافيا العيطة، علماً أن هذا الفن ليس حكراً على منطقة واحدة، بل يُمارس بتلوينات محلية غنية تعكس خصوصية كل منطقة. وهنا يمكن القول إن غياب الرؤية الترابية المتوازنة في تنظيم المهرجان يضرب في العمق فكرة تملك الساكنة له، بل ويُكرس الشعور باللامساواة المجالية الذي تعاني منه هذه المناطق أصلاً.

في المقابل، يبدو أن الرهان النفسي أو السيكولوجي الذي يُطرح لتبرير استمرار المهرجان، باعتباره وسيلة للترويح عن النفس والتنفيس عن مكبوتات الساكنة، لا يصمد أمام التحليل الثقافي العميق. فالترويح لا يمكن أن يُختزل في لحظة فرجوية ظرفية، بل يتأسس على الإحساس بالكرامة الثقافية، والتمكين المجالي، والمشاركة الفعلية في صناعة الحدث. إن الترويح الحقيقي هو ذاك الذي ينبني على إدماج المواطن في الفعل الثقافي لا على تهميشه واستغلاله كجمهور سلبي يُصفق فقط. كما أن أثر المهرجان على الصحة النفسية للسكان يظل محدوداً إذا لم يصاحبه مشروع تربوي وثقافي يكرس قيمة الفعل الفني في المؤسسات التعليمية، والجمعيات، ومراكز القرب، ويجعل من العيطة مادة للتعلم والإبداع والانخراط في الحياة العامة.

هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تأسيس معهد أو وحدة أكاديمية بحثية تُعنى بفن العيطة الجبلية في أبعاده الجمالية، والتاريخية، والطقسية، واللغوية. فبدون تأطير علمي ممنهج، ستظل العيطة عرضة للاجتثاث أو للتشويه عبر وسائل الإعلام والتجارية الفجة التي تحوّل الفن إلى بضاعة. يمكن لهذا المعهد أن يشتغل على التوثيق الرقمي للنصوص القديمة، وجمع الشهادات الحية من الروايس والروايسات، وتحليل البنيات الموسيقية واللغوية لهذا الفن، بل والعمل على إدماج العيطة ضمن البرامج التعليمية كإرث جماعي وجب حفظه. كما يمكن للمعهد أن يكون جسراً بين الباحثين والفنانين والمؤسسات المنتخبة لصياغة رؤية ثقافية مشتركة تنطلق من الواقع وتُعيد للعيطة مكانتها كتراث حيّ.

من المنظور الإبستيمولوجي، يطرح المهرجان إشكالية العلاقة بين المعرفة الشعبية (العيطة كفن شفوي) والمعرفة المؤسسية (التمثلات الرسمية لهذا الفن). فهناك فجوة معرفية بين ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية من تجارب وجدانية، وما تُقدمه بعض الدراسات الرسمية من قراءات غالباً ما تكون مجتزأة أو مؤدلجة. ومن ثمة، لا بد من مساءلة “نظام المعرفة” الذي يُنتج حول العيطة: من يملك سلطة قول الحقيقة حول هذا الفن؟ ومن يُقرر ما هو أصيل وما هو دخيل؟ هنا يمكن للمقاربات الإبستيمولوجية أن تفتح أفقاً لتحرير العيطة من التمثلات الضيقة، ورد الاعتبار لما هو غير مدوّن، وغير خاضع للترقيم الرسمي، بوصفه أيضاً جزءاً من الذاكرة المعرفية المطمورة.

أما من الناحية التاريخية، فإن العيطة الجبلية ليست مجرد غناء، بل هي سجل نضالي بامتياز. فقد كانت منذ بداياتها وسيلة للتعبير عن المقاومة، وتوثيق الأحداث السياسية، وبث رسائل التحدي في وجه المستعمر والسلطة المركزية. وحين يتم تفريغ هذا الفن من شحنته النضالية، وتحويله إلى فرجة استعراضية، فإننا لا نُهمل فقط أحد أوجه الحقيقة التاريخية، بل نُسهم في طمس الذاكرة الكفاحية للمنطقة. لذلك، فإن أي مهرجان للعيطة يجب أن يُستحضر هذا البعد التاريخي، وأن يُعيد الاعتبار للفنانين الذين أدوا ثمن مواقفهم، وواجهوا القمع والتهميش، لا أن نحتفي فقط بالأسماء “المطواعة” التي تناسب أذواق المنظمين أو الجهات الراعية.

إن تعدد نسخ المهرجان على المستوى الوطني لا يعني بالضرورة ترسخ العيطة كجزء من الوعي الجمعي، بل قد يُخفي نوعاً من الاستهلاك الرمزي الذي يُفرغ الحدث من مضمونه. إذ ليس المهم كم مرة نُنظم فيها المهرجان، بل كيف نُعيد بناء العلاقة بين الناس وهذا الفن، وكيف نجعل منه أداة للمصالحة مع الذات، ولتجديد العلاقة بالتراب. فحين لا يشعر أبناء الإقليم أن هذا الفن يمثّلهم، أو يعبر عن أحزانهم وأفراحهم، فإن المهرجان يتحول إلى احتفال بلا ذاكرة، وإلى خطاب رسمي لا يجد صداه في وجدان الناس.

إن المهرجان الحقيقي ليس هو ما يُنظم فوق الخشبات، بل ما يُغرس في العقول والقلوب. وبدون استراتيجية شمولية تدمج الثقافة في مشروع التنمية، وتربط التراث بالبحث العلمي، وتجعل من العدالة المجالية قاعدة للتوزيع الثقافي، فإن العيطة ستظل مجرد طيف موسيقي عابر، لا يسكن الوجدان، ولا يُغير الواقع. وهذا ما يدعونا اليوم إلى إعادة التفكير في كل التصورات الرسمية حول التراث المحلي، من منطلق نقدي، وبعين منفتحة على أسئلة العدالة والمعرفة والكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading