مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

 ظلّ اللحن معلقاً في الهواء- عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورة سيلفي لرجل في مكان داخلي، يرتدي ثوبًا تقليديًا فاتح اللون، يظهر شعره، ولديه لحية خفيفة، يبتسم برفق بينما ينظر إلى الكاميرا.

لم يكن في جيبه ما يكفي لثمن سيارة أجرة، لذا قرر أن يقطع الطريق إلى فيلا الشاعر سيرًا على قدميه. لم يشعر بالتعب. بل على العكس، كان في داخله شيء يشبه الحماسة الصامتة، انتظارٌ كثيف للحظة لقاء، لحظة كان يتخيلها طوال أيام: أن يقول له بكل بساطة وامتنان وارتباك في آن: “لحّنتُ قصيدتك.”

كان يحمل عوده كمن يحمل قلبه. مرّ على المقاهي القليلة التي تعرفه، وعلى الوجوه التي لم تعد تكترث له منذ أن خفّ بريقه. ومع ذلك، مشى. كل خطوة كانت تقرّبه من ذلك الحلم المؤجل، من الاعتراف المنتظر، من دفء الانتماء.

عند باب دار القنديل، تلك الفيلا البيضاء المنزوية عند أطراف التل، تردد قليلاً. كانت أشجار السرو تراقب بصمت، كأنها تعرف ما لا يُقال. ضغط الجرس بخفة.

فُتح الباب بسرعة، وكان خلفه الشاعر نفسه. رجل بملامح نبيلة منهكة، تشي بليالٍ طويلة من الكتابة، والتردد، والحيرة.

قال الشاعر بدهشة مهذبة:

– أهلاً ياسين… يا لها من مفاجأة!

فأجابه وقد انعقد صوته من التوتر:

– جئتُ لأسمعك اللحن الذي وضعته لقصيدتك.

فتح الشاعر الباب على مصراعيه.

– تفضل بالدخول.

دخل ياسين بخطى مترددة. كان المكان هادئًا، مرتبًا بطريقة غير مصطنعة، كأن فيه روحاً لا تزال تقاوم الفوضى. جلسا في البهو قرب نافذة تطلّ على شجرة زيتون عتيقة. طلب الشاعر فنجانين من القهوة دون أن يستشيره، وكأن الأمر لا يحتاج إلى تردد أو سؤال.

تحدثا قليلاً، كلمات مجاملة مفرغة من المشاعر، كأنهما يستعدان بصمت لطقسٍ مقدس.

أخذ ياسين عوده، جسّه بأنامله، دوزنه بدقة، ثم أغلق عينيه وبدأ العزف.

لم يكن يعزف فقط، بل كان يستحضر شيئاً من روحه، كأنّه يحاول تطهير جرح قديم بالموسيقى، أو يزرع الضوء في ظلمة ما. كانت ملامحه ساكنة، لكنه في العمق كان يشتعل.

وحين أنهى العزف، وضع العود بجانبه، ونظر إلى الشاعر بابتسامة واثقة، لا تطلب تصفيقاً، بل اعترافاً.

ظلّ الشاعر صامتًا، يحدّق في فنجان القهوة بين يديه، كما لو أنه يتأمل انعكاس ما لا يريد رؤيته.

قال أخيرًا بصوت خفيض، يشبه الاعتذار أكثر مما يشبه الرفض:

– ياسين… يؤسفني أن أقول لك إن قصيدتي تنتمي إلى زمن مضى. لم أعد أكتب بتلك الروح، ولا أتبنى تلك الأفكار. إنها كلمات تشبه أطلالاً، ولا أريد لها أن تُبعث من جديد.

ثم تنهد، وأكمل بهدوء:

– أقدّر اهتمامك، وأحترم موهبتك، ولكن أرجوك ألا تنشر هذا اللحن، ولا تشتغل على أيّ من قصائدي… على الأقل، ليس في الوقت الراهن.

مدّ يده إلى جيب سترته، وأخرج ورقة نقدية من فئة مائتي درهم، وضعها أمام ياسين قائلاً:

– أعتذر، لدي بعض الأعمال العاجلة، يجب أن أغادر الآن.

وقف ياسين بصمت، التقط عوده، وقال دون أن ينظر إليه:

– لا بأس… أعرف الطريق.

خرج من الفيلا بخطى بطيئة، ولم يُغلق الباب خلفه.

عند باب الحديقة، انحنى الشاعر ليتأكد من أن القفل مُحكم. لمح الورقة النقدية ملقاة على العشب. التقطها، تأملها لحظة، ثم عاد إلى الداخل بصمت، وكأن شيئاً انكسر في الداخل.

في المساء، جلس ياسين في ركنه المعتاد داخل مقهى الرماد. المكان كما هو: أضواء خافتة، كراسي عتيقة، موسيقى باهتة لا أحد يصغي إليها، وأرواح ضائعة تتسكع فوق كؤوسها.

دخل بصمت، لم يطلب شيئاً، جلس يتأمل مرآة مكسورة على الجدار المقابل، كأنّه يرى فيها ملامح يومه تتفتّت.

اقترب منه النادل، شاب يعرفه جيداً، ووضع أمامه كأسًا من الجعة:

– هذه مني… وأرجوك، لا تجلس مع تلك المرأة القذرة الجالسة هناك في الزاوية. لا تليق بك.

رفع ياسين نظره ببطء، ثم قال بابتسامة مريرة:

– سأفعل، أعدك بذلك. رغم أني كثيرًا ما أجالس من هم أكثر قذارة منها… ولا يقبلون بي.

صمت النادل لحظة، ثم انسحب بهدوء.

ظلّ ياسين جالساً في مكانه، لم يلمس الكأس. كان يحدّق في الفراغ أمامه، كأنّه يسمع صدى العزف الذي أنكره صاحبه، أو كأنّه يبحث في المكان عن تفسير لما حدث في الصباح.

عاد في ساعة متأخرة إلى الغرفة التي يكتريها منذ شهور في زقاق المعراج، وهو حيّ شعبي مهمل يئنّ من القدم والتهميش. عُلّقت على الجدار صورة باهتة له في شبابه، وهو يبتسم للكاميرا، يحتضن عوده كمن يحتضن حلمًا.

جلس على حافة السرير، فتح حقيبته، أخرج العود. جلس طويلاً يضبط أوتاره، ثم بدأ يعزف نفس اللحن. هذه المرة، ببطء، بحزن شفيف، كما لو أنه يودّع روحاً لا يعرف إن كانت ستعود.

العزف لم يكن لأحد.

لم يكن يسجّله، لم يرسله لأحد، ولم ينتظر سماعه من أحد. كان يعزف لنفسه، لليل، لقصيدة رفضت أن تُغنّى.

عندما انتهى، أغلق العود، ودفنه تحت السرير كمن يدفن عتاباً قديماً.

في صباح اليوم التالي، دخل أحد عمال النظافة إلى “مقهى الرماد” فوجد الكأس التي قُدّمت بالأمس لا تزال في مكانها، على الطاولة، لم تُلمس.

سأل النادل وهو يرفعها متأففًا:

– لمن هذه؟

– لرجل… كان يريد أن يغني.

ضحك العامل وهزّ رأسه بازدراء:

– من لا يغنّي، فليصمت.

لكن النادل لم يضحك. ظلّ واقفاً لحظة، ينظر إلى الكأس الفارغة، ثم إلى الباب الذي لن يدخله أحد اليوم.

وظلّ اللحن… معلقًا في الهواء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading