أيديولوجيا السيليكون:من الجدل الفكري إلى “كهف الخوارزميات”/الداودي الخالدي/المغرب

شهد الفكر النقدي المعاصر أطروحة مركزية تنص على “موت الأيديولوجيا”؛ وهي مقولة تزامنت مع أطروحات أخرى مثل “موت المؤلف” و”نهاية التاريخ”. تصدرت هذه المقولة الأدبيات النقدية في نهايات القرن المنصرم، وتحديداً عقب انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين. ترافق هذا التحول البنيوي مع تمدد النموذج الليبرالي والنيوليبرالي، وصعود خطابات فكرية تمجد الفردانية المطلقة، واقتصاد السوق الحر، وعولمة المعرفة العابرة للقارات. تمظهرت هذه التجليات بصرياً وثقافياً في الفضاء العام والافتراضي عبر أدوات الاستهلاك، والإعلام، والشعارات التجارية التي غزت تفاصيل الحياة اليومية، من الملابس إلى منصات التواصل الاجتماعي. رسخ هذا المشهد انطباعاً زائفاً بانتهاء عصر الصراعات المذهبية المحنطة داخل تيارات متصارعة (عصر الديالكتيك)، واستبدالها بحتمية ديالكتيكية جديدة تفرضها العولمة كمسار قطعي لا مفر منه.
إن التصور النسقي الكلاسيكي للأيديولوجيا كان يفترض استقلالية نسبية للفكر؛ تظهر في بلاغة الخطاب، ونسقية الحجاج وقوته، والقدرة الذاتية على إنتاج المعنى، وخوض السجالات الجدلية لتفسير الواقع والتنظير له وفق مرجعية استقرائية أو استنباطية تؤسس لمنظومات فكرية راهنة تتماشى مع الواقع المعاش.
في المقابل، ومع مطلع الألفية الثالثة، ولد ما يمكن تسميته بـ “الإنسان الرقمي” المعاصر. عرف هذا الإنسان سياقاً أنطولوجياً مغايراً تماماً يوازي التغيرات الكبرى التي أملتها الشبكة العنكبوتية، حيث جرى استدراجه طواعية وبسلاسة فائقة، عبر آليات الجذب الرقمي، إلى هيمنة “الحداثة السائلة”. في هذا الفضاء الافتراضي السائل، ينصهر الفرد ضمن هيكلة تقنية معقدة ومتشابكة؛ بيئة لصناعة المعلومات وتسويقها يمكن اصطلاحها بـ “كهف الخوارزميات”. تعمل هذه البيئة على إعادة تشكيل الوعي البشري، وتأطير فهمه وإدراكه للعالم وفق سيولات رقمية موجهة سلفاً، مما يعطل فعل العقل كمنتج، ليتحول إلى مستقبل ومستهلك طيع وفق “أيديولوجيا السيليكون”، والتي تقدم نفسها كحل نهائي يمتاز بالدقة والسرعة والكفاءة والشمولية (والذكاء الاصطناعي التوليدي نموذجاً).
إن السباق المحموم من قبل شركات التقنية لتطوير ذكاء اصطناعي يتحرر من البرمجة الآدمية القبلية، ويعتمد على التحسين الذاتي المتكرر (أو ما يُعرف بانفجار الذكاء الاصطناعي)، سيقزم دور الإنسان إلى درجة التماهي في مجالات حيوية عديدة كالطب والاقتصاد والتعليم.
هكذا إذن، نحن نشهد طفرة إبستيمية تصلح كحد فاصل للتأريخ: “إنسان ما قبل وما بعد الذكاء الاصطناعي”. وإلى أي حد سيمكننا الحديث عن البعد الزمكاني والوجودي واستقلالية الفكر في ظل التحكم الخوارزمي؟ إنه سؤال مشروع تتولد عنه تساؤلات وجودية عديدة. لم نعد نعيش عصر الذكاء الاصطناعي كأداة، بل يتم سحبنا بالتدريج إلى شبكة أكثر تعقيداً هي “الذكاءات الاصطناعية الذاتية التطور”. وأي عزوف عن هذا التمظهر الحضاري الجديد، سيقذف بنا حتماً خارج دائرة التاريخ؛ لينظر إلينا العالم بعين الغرابة والبدائية، تماماً كما ننظر نحن الآن إلى “القبائل غير المتصلة” والمعزولة في أدغال هذا الكوكب.





