الرصاصة – الداودي الخالدي/المغرب

تمدد على الحصير البالي..طوق إليه ساقيه الباردتين..ملفوفا في جلباب ممزق من على الركبتين.. يشبه مومياء محنط ..! طارد دبابة من على حافة كأس الشاي البارد.. ارتشف جرعة أحس بها تنزل صقيعا وسط أمعائه …أشعل لفافة الطابا السوداء ..إمتص منها نفسا عميقا ونفث الدخان سحابة ترقص في بهو البيت …تابعها بعينيه الغائرتين في محجريهما ككهف منسي
مد إبنه الصغير يده الى الكأس وقد مسح مخاط أنفه بكم قميصه الممزق ..نهره: (سير تلعب برا ..نوض..! ) رمى الصغير كسرة خبز الأمس من يده ..جرى خارجا.. باكيا شاكيا:(واااامي! ضربني..!) صوت ٱمرأة ناشز ينبعث من جنب الفران الطيني: (تعالى هداك را بغا اهتر..!)…لاكها مريرة في عمقه المحترق احتراق غابة شيح ..وهمس بينه وبين ذاته المهترءة
” حقا “ٱفطومه”..(بغيت نهتر..) .صرت تعيريني بخردة قديمة علاها الصدأ بعد أن كنتُ أسد الدوار كم بدلتك ا لأيام ..! يوم كنت تقسمين لي الأيمانات الغليظة وبالعمى والزحف أنك سوف تحمليني تاجا فوق رأسك (وأن الواد للي داك م خلاني)..وكنت تفاخرين بي أمام صويحباتك أنك زوجة كابران شاف في الجندية ..التي ما عدت منها سوى بعاهة مستديمة …الرصاصة كانت أرحم بي منك يا فطومه أصابتني في الفخد ولم تصبني مثلك في القلب ..!
تحامل على عكازه مستندا الى الجدار ..وخرج يجر قدمه العرجاء المتكلسة…مر حداءها وهي تكنس البهو (فين غادي؟؟) ..لم ينبس ببنت شفه حملق في الفضاء الواسع..وسار يجر قدمه جرا كأنما شدت الى أوتاد في ا لأرض..وقد تجادبته رؤى وتصورات لم يتبين أسودها من أبيضها ..أحس كأنما يجثو أحدهم بكل ثقله فوق صدره وبنفسه تكاد تزهق من بين أضلعه الراشية..
دقات قلبه تزداد خفقانا كأنما تطلب الخلاص ..رعشة شديدة سرت في جسده النحيل حتى ليكاد يسقط أرضا..غامت الأشياء أمام عينيه وأحس بدوران شديد وكأن الأرض تدور به والسماء..إنعقد لسانه وجف حلقه ..خارت قواه ..سقط ارضا..!هرول أهل الدوار صغيرهم وكبيرهم رجالهم ونساؤهم..حاول جاهدا أن يفتح عينيه.. بدت له الوجوه كالحة تذوب رويدا رويدا وبا لأصوات تأتي بعيدة حاول أن يتبين وجه صغيره وسط الجمع…لم يستطع…! بردت أوصاله وشاح ببصره بعيدا بعيدا..بعيدااا…!!
مات علال…!!





