صفر الأيدي- جهاد جحرز

كان وجهه خريطة مهترئة لضياع كامل، وشفتاه مقصلة لأظافره التي يجزها بلا رحمة. سقطت قطع الأظافر الملطخة بالدم إلى حفرة في ثوبه، تشكلت من انحناءة جسده القرفصاء. لم يكن مجنوناً، وإلا لرماني بصخرة وأنا أضيق المدى على نظراته البعيدة جداً.
تلويحاتي وأسئلتي المرتفعة لم تستطع إحداث ثقب في جدار غموضه الصلب. دُرت حوله مرات عدة، علّني أحدث في جموده رعشة، لكن دون جدوى. فتحت قنينة الماء المخبأة تحت إبطي، ورششت عليه بعضاً منها. لم يلق بالاً مع أنها باردة جداً. جمعت فضولي وحزمت حقيبة استغرابي وقررت المغادرة، وأنا أحوقل بصوت مسموع، ألعن من أوصلنا إلى هنا.
لم تواريني خطواتي عنه تماماً، حتى استوقفتها جلبة عارمة من الخلف. يا إلهي، دبت القشعريرة في جسدي. دهشة حيرى لا تسعفها التوقعات المتضاربة. بمَ سيقذفني الآن يا ترى؟ بجواب عقله أم بصخرة جنونه؟ أمسكت بتلابيب هدوئي، وشحنت توازني ببصيص قوة لا يضيئني تماماً. تنفست الصعداء وعاد لي ثقلي المعهود الذي طار كريشة عصفور في سماء الاحتمالات المفاجئة، وظله يتجاوزني.
لم يلتفت إلي، ولم أجارِه في مشيته. واصلت سيري بحذر، قبل أن أنحني يساراً عند مفترق طريقي، لأجده ينحدر معي ويقف أمامي على صخرة جانبية.
“أنت.”
“هل صار بإمكانك الكلام الآن؟”
هز رأسه، مطلقاً ضحكة زهيدة لم تستطع الوصول إلى أطراف شفتيه. جلست جواره بوضعية استعداد كامل للهروب.
“قل لي ما بك؟”
أجاب بوضوح شديد أربكني تماماً: “من الخطأ أن تسألني هذا السؤال. فإجابته أضحت معروفة لدى أهل الأرض كلهم.”
“ولكني أريد سماعها منك!”
“سأجيب عليك وإن كنت تعرف ما سأقوله أكثر مني. بي ما بك يا عزيزي.”
“أنا وأنت علامات متقزمة لضياعنا الكبير. أنا وأنت أهداف الحرب اللعينة التي ينصبها المتحاربون أمام فوهات بنادقهم في كل المعارك.”
طمأنت طمأنينتي الواقفة جواري كجندي فطن، والتصقت به وهو يسرد إجابته.
“أنا وأنت أزهار الربيع التي اجتثتها فؤوس الشتاء الحادة. أنا وأنت حلم الكرامة المخنوق بأيدي العبودية الغليظة. أنا وأنت صرخة الضمير المسجونة في بئر الكبت السحيقة.”
“نحن كل شيء بلا شيء. نحن العدد الذي لا قيمة له. نحن من يسكن الصفر شقوق أيدينا. وجوهنا معارض مفتوحة للتعاسة، يرسم بها الشقاء خربشات قسوته ويبيعها في مزاد النخاسة. نحن الجذر العقيم الذي لم ينجب ساقاً وأوراقاً.”
قاطعته: “هون عليك يا صديقي. يجب علينا ألا ننكمش بتتشاؤمنا. علينا أن نحلق بتفاؤلنا في فضاء الأمنيات.”
قال لي: “لنكن واقعيين يا صديقي. حتى التفاؤل لم يعد بحوزتنا، وأنت تعلم أين هو. بمَ نتفاءل؟ لقد قدمنا كل شيء في سبيل الحياة الكريمة: أولادنا، أموالنا، أعمارنا، أحلامنا، دماءنا. لكنهم باقون فوق رؤوسنا. أليس هيناً ما قدمناه يا صديقي؟”
“لا، بل عظيماً وضخماً ونادراً.”
“ولمَ لم تغرب هذه الوجوه عن وجوهنا؟ لمَ، بعد كل ذلك؟”
“يا صاحبي، هذه البلاد مثلما ترى، سمادها بصق الطغاة. لا تعطي خيراً إلا حين تدوسها أقدامهم التي تبارك محصولها منذ القدم. لسنا هناك حيث يرحل المفسدون برميهم بحبة بيض ‘فاسدة’. أما هنا فلا خيار ثالث، غير قتلنا جميعاً، أو قتلهم جميعاً!”
عانقني بحرارة ودموعه سيل جارف.
“لا أظنك ستسألني مرة أخرى.. ما بك؟”





