عيـسـى ابـنُ مَـريـمَ – محمد إبراهيم الفلاح – مصر
كانت دوما تستمع إلى صوت حجرتها وهي تناجيها من بعيد وهي بين جدرانها السوداء من فرط ما كانت انعكاسا لظلال وأشباح آثروا الحياة الدنيا وزينتها وأعجبهم زخرف جدران القصر المهيب الذي كان يطل على نهر جار كأنه الفرات ماءً والرياض عطرًا بما كان ينبعث منه من روائح زكية لأجساد من أُلقِيَ فيه من فتياتهن الثائرات. كان القصر غريب الأطوار؛ يشعُّ بياضًا في الليل وسوادًا في النهار لكل من يمرُّ به من أهل القرية الكادحين ولا يجدون إلا بالكاد قوت يومهم وما تمنى أحدهم يومًا أن يمتلك ولو حتى كوخًا داخل حديقة القصر الغنَّاء مثلما فعل هؤلاء الذين كانوا يسكنون فيه.
كان الجميع يحبون الانزواء في تلك الغرفة بعدما انقطع كل رجاء لهم في أن يُرزَقوا بالأبناء ليذرفوا دموعًا سوداء من شرفتها أعلى مياه النهر التي كانت تَسكنُ وتصير كحائط مبكى لهم في تلك اللحظة وتحدثُ فيه دواماتٌ سوداء بِعددِ مَن كانوا يبكون في القصر إلا كبيرَهم وَهم ثمانية رجالٍ وَأربعُ نساء ثلثهم لواطيون وَثُلثٌ سحاقيات وَثلثٌ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء… كانت مريم تَمرُّ بينهم دومًا وَكأنها كانت تريد أن تقول:” اخرجوا من غرفتي التي دنستموها ! ألمْ يكفِكمْ ما فعلتموه بي أنتم وَآباؤكم بأن ألقيتموني في غياهب النهر…!”، لكنهم كانوا لا يسمعون وإذا قرأت عليهم قرآنًا كانوا لا ينصرفون ولا يفقهون … كانت تتطلع لمعرفة أين ابنها الذي ألقوها في النهر بعد أن وضعت إياه بجوار جذع النخلة التي جاءها المخاض عندها. كانت وهي بينهم ترى ضوءًا طفيفًا يدخل ليلًا من ثقب الباب وكانت لا تستطيع لا أن تحدد من أي شيء ينبعث هذا الضوء ولا أن تفتح باب الحجرة بعدما كانت نسمات الفجر على وشك أن تذيع في الحجرة وكان عليها أن تلبي نداء حجرتها التي كانت لها في عالم البرزخ هي وزوجها عيسى يغترفان من الجنة غُرفًا…
وفي ليلة من الليالي، جاء هؤلاء وتركوا في عقبهم الباب مفتوحًا وجلست هي تراقب ما كان سيحدث وإذا بهذا النور ابنها سَمِيِّ أبيه وصورته وهو في عمر الثامنة يقف عن كثب باكيًا حال أمهِ وخالاته وأعمامه وأخواله، أو ما شُبِّهَ له أنهم كانوا كذلك…
وما إن بلغَ أشُدَّهُ وصَلُبَ عودُهُ حتى طلب منه عمُّهُ الأكبر _الذي قتل أبويه بدَمٍ باردٍ وكذا تَخلصَ من أخواتهِ لِيَخلوَ له وَجهُ عيسى الذي كان النظر إليه متعة تفوق غيرها من المتع التي حُرِمَ منها_ أن يذهب وينفذ رغبة الحاخام الأكبر، كما فعل هو من قبل، وهي أن يقتل كل أهل القرية من الرجال ويأتي بنسائها سبايا وجاريات له يَلِدنَ أبناءً من صُلبِهِ ليحملوا مِن بَعدِه راية أبناء يعقوب وبعدها يَقتلُ منهن من يشاء ويُبقي من يشاء.
حدثَ كل هذا وأمه وَأبوهُ يصرخان: “وَيلَكَ! وَيلَنا جميعًا إن فعلتَ”، وظلا يدعوان الله إلى أن سقط من على صهوة جوادِه وهو أعلى القنطرة خارجًا من القصر فالتقمه الحوتُ وهو مُليمٌ وَظَلَّ في بطنه يدعو ربَّه لَئنْ أخرجه من بطنه ليكونن من المؤمنين الشاكرين، فلفظه الحوت مغشيًا عليه في عرض النهر، فألقاه النهر بالساحل ورأى في غشيته وجهين يألفهما يحملانه ويهدهدانه وعرف وجهه في وجه ذلكم الرجل الذي ناداه هو وزوجه بابني الحبيب، فأدرك أنه ابنٌ لهما وَأفاق من غشيته فوجد جدارًا يريدُ أن ينقَضَّ فأقامه، فلمَّا استطعم صاحبَ البيتِ أبى أن يفعلَ إلا بعد أن ينكحه إحدى ابنتيه وَأن يأجرهُ ثماني حِججٍ، فَرَضِيَ وَعَلِمَ من الغراب الذي وارى سوءَةَ أبيه كيف مات شهيدًا بعدما قتلوه صلبًا وها هو الآن الذي قتله بالأمس يريد ان يقتل ابنه اليومَ بعدما علم أنه وجد أهلهُ وَصار على دينهم وتزوج بإحدى بناتهم، فلما أحسَّ عيسى منه الصدق أخذ أهله وانصرفَ تلقاء البحرِ وكان جنود شمعون في أعقابهم وحين أدرك البحر انفلق إلى طودين مرَّ عيسى بينهما هو وأهله آمنين وما إن وصلوا إلى الضفة الأخرى من البحر وأتبعهُ شمعون بجنوده إلى أن وصلوا إلى المنتصف من البحر حتى ادركه الغرق هو وجنوده وهو يصرخ ويقول:” آمنتُ بالله ربِّ العالمين. “






