القصة القصيرة

أحافير ذئبٍ يموء – د. وجدان الخشاب / العراق

wejdan alkashab

   ارتمى محترقًـا ..

الدخان والالام سحائب تتبادل اعتصار هذا الجسد ، وترمي به إلى قاع أجوف / اسقـطي وتناثري واخفيها هذه الأنفاس المضببة …

دائمًـا تبدو مضببة …

   أيّتها الالام اوقـفي مـدَّ لهب يدفع بإشارته إلى شمس تشعل قمم الأجساد وامتداداتها / تتقدم ببطء وثقل لاكتساح أدمغة مضغوطة متدغلة / ترمي – هي الشمس – بنداء أولي ، ولكن … هاتين العينين لم تتعودا الرنـوَّ إليه  ، بل يبدو أنَّهما لم تعودا محشوتين بذاك الفضول للنفاذ إليها أو الاصطدام بإشعاعها / قاسية تلك الهرة وهي تسحل لصغارها فـأرًا يختلج / تسفحه لتلك الأعين الملوَّنة بصعـقة من مخالبها / تعوث الأنياب بعدها تفتيتًا وتدميرًا / لم تعُد صراخاته تعني – فقط هي التي تعني – افتراسات مصطفة ضدي ! هل أبدو مثل مذعورًا مثل الفأر في قصة العراك ؟

ها أنتَ مضغوطًـا مرّة أُخرى … تدفّـقْ ….

تدفَّـق إذن أو انقرضْ !!

   الأجساد حشد مسفوح على أرضيات تصطبغ بأدران الأقدام التي تعلن حفاءها ، فيشعلها الحفاء دافعًـا ضجيج تعبها وعرقها إلى صمت مُقفل تمامًـا / لكنَّ نبراتي أبـدًا لم تلتصق بما يصدر عن هذه الأجساد ، وما انتمتْ إليها / نبراتي دائمًـا مُجنّحة …

تدور ، تداور … لكنَّها تعود إلى ما يشبه جسدًا لي لتعلن انتماءً مؤكـدًا … له !

أين الإضاءة التي تمنح العين صلابة أُخرى ؟

أين الإضاءة التي تحرق الظلال والأصوات الساكنة والمغادرة معًـا ؟

   الإضاءة الهاربة تنزاح بعيـدًا عن أجساد خاوية تنكمش في غياهب حزن يتحرك ما بين ألسنتها ودمعها / الدمع يهبط في عتمة سنوات ظـلّـت تتراكم / السنوات … هل كانت مفتوحة لاقتناص أثرٍ ما ؟ الآثار بلهاء … تزحف صوب الرماد / الرماد بلسم لعيونٍ محمومة ، أرّخَ لها نومها وصحوتها / وأرَّخ له احتراقًـا يغلفه الدخان / أنفاس الذبابة تفترس الهواء .. لا .. بل تعـبُّه لتدفع إلى النور ملايين الأفراد الذين يعلنون انتهاء صيف آخر / يرسل الشتاء رائحةً تبشِّر بانطلاق مُـجلَّدٍ جارفًـا بافتراس أبله كل ذي حرارة …

صيف أم شتاء ؟

قمر أم شمس تتشتى ؟

متى يكتمل القمر ؟

   نداء أولي آخر / أصوات بحّاء ترتفع إلى فراغ ممتد / أصوات تشبه عواءً ما يرتدي الآن ثوب مواء ..

يموء …

يموء …

عند اكتمال القمر … يموء … وتموء أيام أُرِّخـتْ له في سجل افتراسات تُـمـزِّق وتـفـتتُ / أين هي تلك الأيام ؟

أكداس ، أكداس من مكاسب ومخاسر ، تحضر ثمَّ تنطفئ أضواء ذاكرته .. بل هي صخرة ذاكرته التي عشعش الهرم في ثناياها ، وصبغها بزرقة انطواءٍ هرول عبر الشرايين والألياف ليتموضع داخل عينيه ، فيحوِّل  وهج تحديقها الليلي إلى بلاهة / بلاهة عاشبةٍ حلوب .

ذئب أم حلوب ؟

   والبلاهة ذاتها والسنوات عتمة تتراكم كما يتراكم عشب الربيع ، فيخفي ملامح الأرض الجرداء ، أمّا القمر فهو سطح مضاء آخر / يتوسّع / يتكامل ببياض شاحب تمـنّاه سوادًا يلـفُّ ويعيد تشكيل افتراسات له تتأرجح في ما يشبه ذاكرته / وحين أحسَّ أنَّ القمر يدفع بضيائه إلى وجوده بدا منخولا تمامًـا / أصابعه تناثرت مخالبها / الضباب يقبع في الفراغ الممتد بين عينيه والكون / كل ما يمر عبر ذاكرته هو نتوءات تبسط سطوتها الصارمة وتـثـقّـِب جسده بالملح والوحشة معًـا …

 ذاكرة مجنونة …

   وخزة أُخرى ويهبُّ من غـفـوة تنساب على ما يسمى جسده / أريج دماء تخفق في مكان قريب ، تُعلن عنها شهوة قضمٍ لعشب طري … فرائس ، فرائس ولا إقدام .. بل لا أقدام تحمل الأنياب إلى وليمة الدماء التي تهتف …

الغبار ورائحة الزحام /

الأجساد النابضة /

الدماء المتراكضة داخل جلود ليس لها فطور تمرُّ الأنياب عبرها لتغرق في عبير طراوة تقطر وتدفع لمهزلة تُسمَّى لذة الافـتـراس .

ذئب أم كومة ذئب ؟

   عيناه تتلصصان دامعة خافرة / تقبع في زاوية مظلمة لعالم مضيء / تنتظر بقايا تعافها أنياب ما / وحين لا تجد ترفع عـيـنًـا خاملة لسماءٍ بدت أمامه مشطورة للحظة لتمرَّ عبرها توسلاته المتهالكة … تذكَّـر الأحكام التي تساقـطت والتقـطها متورطًـا… ذلك الحصان التائه في الملكوت / حصان يشبهه تمامًـا / التقطها متورطًـا في لحظة غفلة لتجعله يركض ساعات مضاعـفة / يحتضن لسعة سياطٍ تُـظلِـم عينيه ، حتى إذا اشتعل العـطش أطفأه بماءٍ عـكّرته قدماه ، لسعة سياط تبدو أقرب لأهواء تجور … وتجور حتى تخوض في عـكرة طـغيان مُعلن .

   هل تنفتح الأيام فتشرق من جديد ؟

هل تلتقـط التوسلات مثلما تلتقـط الأجسام الخضراء اشعاعات الشمس ؟ فـتنبسط على جذع ينتصب ويظـلُّ يتطاول ناشرها – سطوحه الخضراء – تحت سماء تدفع بشمسها وأمطارها إلى المطابخ الورقية التي تزفر بخارها حارًا يدفِّئ الأدعية ويدفعها صوب السماء!!

   توسُّلٌ آخر يمدُّ أنامله الخريفية لذاكرته التي أضحت الآن خرافة / ولا تنوي منحه مطـرًا ولا رعـدًا يبلل الجسد ويدفع إلى الأنياب يقـظة لارتشاف دماء حلوب أو غزال ، دماء مُـعـكّـرة بخوف وفزع .

   هواجس كل ما بقي هواجس !

هواجس ممسوخة تتصاعد نحو رياحٍ حين هاجت تقاذف الضرام المُـتقـد ليحرقها / هواجسه / افتراساته وتحديقاتها الليلية / روائح ما بعد المطر / الضرائح الصارمة السكون / الدود الأعمى / البراقع البيضاء لأيدٍ مُـتثعـبنة ماكرة / الدماء الخافقة الزرقاء . . .

ارتجاف

ارتجاف

خافت تمامًـا يخترقه ليتزامن مع عراءٍ – كان الصوت يحتجزه – لكنَّه الآن ينفلت من مكامنه زاحفًا بجنون نحو ذئبٍ يرتجف ويتأرجح …

الذئب … الآن

يموء

يموء

مواء قـطـط جرباء تنفق عند حافة عالمها الأخرس ….

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading