استقالة من الحياة رقم 2 – أيمن عبد الحميد الوريدات- الأردن

حدّثني صديقي فقال : ثلاثة أيام ولياليها وأعلن استقالتي المؤقتّة من حياتي المسمّاة ( حياة رقم 2 ) ، حياة العزوبيّة الّتي أجبرتني الظّروف على عقد قراني عليها ، حيث أعيش في علبة كبريت من الحجم الكبير ، أخرج منها صباحًا إلى عملي ، حيثُ أقضي جلّ نهاري مستمتعًا بما أؤدّيه من رسالة ، أناقش، وأحاور، وأفاكه، وأطلق التّعليقات السّاخنة والباردة ،المضحكة والمغضبة في وجه أعزّائي الطلاب ، وأخرج عتّالاً يحمل الكراسات ليخربّش عليها بالأحمر، خرابيش تسرّ وأخرى لا تسرّ ، ثمّ أتفنّن في وضع أسئلة الدّمار الشّامل في وجه بعض الطلاب ، وما أن يرنّ منقذي الجرس حتّى أسارع إلى المطعم لأتناول ما طبخه الفنّان التّركي (نشأت ) ، وأعود إلى علبتي لآخذ أقساطًا من الرّاحة من قيلولتي العزيزة ، وأفيق على رائحة تدغدغ حواسي كلّها؛ قهوة تنادي هيّا اصنعني فأفعل ، ثمّ ألجأ إلى حاسوبي أبثّه ما فيّ ولا يبثني اللئيم شيئًا ، ثمّ أزوروأزارأو أخرج لأنظر سيل السّيارات العارم في المدينة الّتي لا ترى فيها مترجّلا أو مترجّلة ، فالنّاس يخافون النّاس ، وأتأمّل أضواء المدينة وأسواقها الفارهة الخالية من وجوه نعرفها ومن بعض ملامح الحياة ، ثمّ يحكم عليَّ الليلُ بالنّوم حكمًا غيرقابل للطّعن .
إذن هي ثلاثة ,أستقيل من هذه الحياة مدّة شهرين لأعود إلى حياتي الأمّ حياة رقم 1 في أحضان أحبّائي؛ يحيطون بي ، يعيدون سردَ ما أوجزوه لي في شهرين ابتعدت فيهما عنهم ، سردًا بالتّفصيل المملل ، أو كما يطيب لحبيبة روحي أن تقول : استمع لنشرة الأخبار من كلّ منهم بالتّفصيل ،فهذا حصل في الاختبار على … وهذه حصلت على … وهذا ضربه أخوه الكبير و… أعود لأجدّ ما لذّ وطاب من أكلاتنا الّتي تطهوهها خبيرة في أسرار معدتي حبيبة إلى قلبي ، فهذه ملوخيّة وتلك بامية و… ،وما يجود به الصيف من فاكهة فهذا بطيخٌ أحمر عالسّكين ومشمش وصبر وتين و… ، وما تتفنّن فيه أنامل غاليتي من حلويات ما زال طعمها تحتّ أضراسي ، هذا الحياة الّتي اشتقتُ إلى كلّ تفاصيلها؛ إلى طرح السّلام على بقّال وخبّاز وصاحب مطعم أعرفهم ويعرفونني ،أرى فيها سيّارات تعرفني وأعرفها فهي تسير مزهوّة ، إلى حياة أصحوفيها مبكّرًا لأشتمّ رائحة النّشاط في الوجوه الّتي تألفني ، الحياة الّتي أجلس فيها مع والدي تحت تينة نعرفها وتعرفنا ، أسرارنا في كلّ ورقة منها ، ظلّها يألفنا ونألفه ، لنرتشف القهوة على أنغام قصص وحكايات لا تنتهي ، حقًّا إنّها حياة حياة حياة ! لا منغّص فيها إلاّ تذكّري لقول ابن زيدون في خالدته :
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلاّ وَأَزعَجَهُ رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتـحلٍ مُوَكَّلٍ بِفَـــضاءِ اللَهِ يَـذرَعُـهُ





