حربُ الرّضّع..محمد جلايدي

عمر..
وجهٌ تغمر ملامحه السكينةُ والثقةُ بالنفس، مع يقظة السؤال. عينان نافذتان بعزمٍ يتطلّع إلى طبقاتٍ خفية من واقعٍ متضاد، في مدِّه العدواني وجزره الجبان. وبريقٌ خافتٌ فيهما، أشبه بضوء سراجٍ وهّاج يسهر فوق الوثائق المخفية تحت إشارة: «سرّيٌّ جدًّا». حاجبان كثيفان كهلالين مشدودين نحو تفاصيل لا تُرى بسهولة، بل تُحدَس بالبصيرة اليقظة. وأنفٌ مستقيم كفاصلٍ دقيق بين الشكّ واليقين. ولحيةٌ خفيفة تجعل باقي عناصر الوجه وضّاءة كصبحٍ يشرق على أرض العزّة.
ورغم تعب الرحلات الطويلة داخل دهاليز الوقائع وعناء مسالكها، ترتسم ابتسامة وعدٍ بالحقيقة، أكثر ممّا هي تعبير عن الطمأنينة. الشعر المجعّد علامة روحٍ متمرّدة على السرديات الجاهزة. واستناد الرأس إلى راحة اليد أثناء الجلوس إلى مكتب العمل هيئةُ تأمّلٍ تنحاز إلى كشف المستور أمام جبلٍ مشكَّل من عبارة: «ما خفي أعظم». عمر حضورٌ يتجسّد في سلوكه ومسلكه المهني معنى أن يكون المرء صحفيًا استقصائيًا، يجوب البيداء مطاردًا الأسئلة المرتجفة.
عمر.. الطفل.. عمر الشاب..
عمر الطفل ذاكرةٌ تشكّلت على قسوة النشأة داخل فضاء وطنٍ مثقلٍ بظلال الاحتلال، حيث كانت الأزقّة تضيق بالأحلام، وتكبر الأسئلة قبل أوانها، ويتفتّح الوعي على مشاهد متناقضة بين براءة الطفولة وصلابتها ضد الظلم والتمييز. طفولةٌ تعلّمت مبكّرًا أن المعرفة ملاذٌ، وأنها نافذةٌ أوسع من جدران العزل العنصري.
التحق عمر بمدرسة الصحافة بجامعة كارديف في بريطانيا، وواصل هناك مسارَ تكوينٍ مهني غذّى شغفه القديم بمطاردة الأسئلة وكشف العتمة. تلقّى في مرحلته الأولى تأهيلًا معرفيًا صارمًا؛ درس أخلاقيات المهنة، وتاريخ الصحافة العالمية، وقواعد التحرير وصياغة الخبر، واطّلع على القوانين المنظمة للعمل الإعلامي وحدود المسؤولية المهنية.
ولمّا انتقل إلى مرحلة التخصص، خاض في تقنيات الصحافة الاستقصائية، وتدرّب على منهجيات جمع المعلومات من المصادر المفتوحة والسرّية، وتعلّم تحليل الوثائق والبيانات المعقّدة، وأجرى مقابلات معمّقة، وتثبّت من مصداقية الأخبار عبر أدوات التحقيق الرقمي الحديثة. وخاض تمرينًا يوميًا لصقل حدسه المهني، وتعلّم أن الحقيقة لا تُلتقط مصادفة، بل تُبنى بالصبر والدقة والانضباط المعرفي والخطط المنهجية المحكمة.
وشارك في المرحلة التطبيقية في تدريبات ميدانية داخل مؤسسات إعلامية بريطانية، وأسهم في إعداد مواد تحقيق واقعية في قضايا متعددة، تحت إشراف أساتذة صحفيين محترفين اختبروا قدرته على التعامل مع الملفات الحساسة، وعلى تحويل الوقائع المتناثرة إلى سردٍ موثّق يستند إلى الأدلة. وأنجز مشروع تخرّجه تحقيقًا استقصائيًا متكاملًا، لا كشهادة نجاح فحسب، بل كإعلان رمزي عن تشكّل هويته الكفاحية والمهنية.
عمر بأرض العزّة..
عاد عمر محمّلًا بمنهج التحقيق وروح التنقيب. وفي أرضٍ يواصل فيها الاحتلال استنبات بنياتٍ اكتساحية لقضم المزيد من أراضي السكان الأصليين، أخذ عمر يستنبت بنيته الصحفية الخاصة: شبكةَ عملٍ نسج خيوطها بتؤدة، مشكلةً توليفًا إنسانيًا بديعًا؛ عسسٌ من الأهالي موزّعون في الأمكنة والزوايا، عيونهم ساهرة تحرس العلامات المثيرة للارتياب، وذاكرتهم تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي تمر غالبًا خارج عدسة الأخبار.
وكان كلّ من يلمح من أعضاء الشبكة ما يبعث على الشك أو يستدعي السؤال يتولّى إبلاغه مباشرة في لقاءاتٍ حذرة يحرسها الصمت أكثر ممّا يظلّلها الكلام. واعتمد عمر، بحسّه الاستقصائي الذي صقله التكوين والتجربة، على تقليص وسائط الاتصال الحديثة إلى أدنى حدّ، مفضّلًا التواصل الحيّ المباشر، ومحيطًا عمله بجملةٍ من احتياطات التخفي التي تحمي مصادره قبل أن تحمي مادته الصحفية.
وهكذا أخذت شبكته تنمو ببطء يشبه نموّ جذور الزيتون في أرض الأجداد، تتغذّى من ثقة الأهل وإيمانهم بأن كشف الحقيقة فعلُ مقاومةٍ لا يقلّ أثرًا عن حماية الأرض، وأن الحكايات الصغيرة التي يلتقطها العابرون قد تتحوّل، في يد صحفيٍ صبور، إلى شهادةٍ تربك سرديات التضليل التي يدبجها الاحتلال ليوجهها إلى شعوب العالم.
عمر يقود أول عمل..
في لقاءٍ حذر، تقدّم أحد عناصر الشبكة نحو عمر. شاب يعمل في مطار أكبر مدينة أنشأها الاحتلال واتخذها عاصمةً له. همس له بخبرٍ لم يعتد المطار ولا الذاكرة الجماعية أن تشهده: عشر طائراتٍ حطّت تباعًا، قادمةً من البرازيل، وعلى متنها جحافل من الرُّضَّع.
لم يكتفِ الشاب بالكلام، بل أخرج صورة التقطها خلسة وناولها لعمر. كانت الصورة توثّق لحظة إنزال الرضّع بواسطة حشدٍ يحملهم إلى سيارات إسعاف ترحل بهم في صمت نحو وجهةٍ مجهولة، بلا استقبالٍ علني ولا إشرافٍ ظاهر لهيئاتٍ إنسانية أو طبية معلنة.
تأمّل عمر الصورة طويلًا، كأنه يصغي إلى ما تخفيه تفاصيلها، ثم قال بصوتٍ هادئ تختبئ في طبقاته ارتجافات الأسئلة:
-هذا أمر غير عادي.
ثم أضاف:
-باسم الله مرساها ومجراها.
عمر يفحص الصورة..
جلس عمر أمام برنامج «بصيرة»، يراقب مؤشر الدقة وهو يتقدّم ببطءٍ محسوب على شاشة حاسوبه. كانت الخوارزميات تمسح طبقاتٍ متداخلة من الأرشيفات الرقمية، تقارن الملامح، وتعيد تركيب التفاصيل الباهتة. فجأة توقّف المؤشر عند مستوى مرتفع، وظهرت على الشاشة سلسلة صورٍ متقاربة لوجهٍ واحد.
كبّر عمر الصورة وثبّت الملامح، فانفتحت نافذة تعريفية تحمل ملفًا حساسًا مصنّفًا ضمن الشخصيات ذات الحماية العالية. قرأ الاسم، فتصلّب نظره للحظة؛ كان الوجه يعود إلى قائد أركان جيش الاحتلال.
أعاد التحديق في تفاصيل الصورة، محدّدًا موقع الرجل داخل الحشد وزاوية وقوفه وهو يراقب عملية إنزال الرضّع. كانت الدلائل تشير إلى إشرافٍ مباشر على عمليةٍ محاطة بسريةٍ قصوى؛ لذلك فهم أن المنفّذين لم يكونوا مدنيين، بل عسكريين بزيٍّ مدني.
عمر يكتب وينشر..
«الكيان الغاصب يستقبل رضّع الأرجنتين سرًّا.. نقلٌ محميٌّ بأمنٍ استثنائي!»
نسج مقاله بخيطٍ رفيع يجمع بين الوقائع والقرائن، مستندًا إلى ما توفّر لديه من أدلة بصرية ومعطيات أولية، دون أن يكشف مصادره أو يعرّضها للخطر. وترك مساحة للأسئلة المفتوحة، مدركًا أن التحقيقات الكبرى تبدأ بسؤالٍ يهزّ الصمت أكثر مما يقدّم الأجوبة.
اختار أن ينشر المقال باسمٍ مستعار: «أبو ذر». وأرفق مقاله بالصورة التي وثّقت لحظة إنزال الرضّع وصفوف سيارات الإسعاف وهي تنقلهم نحو مصيرٍ مجهول. وبحذرٍ محسوب، دفع بالمقال إلى منصّات إعلامية دولية، وقذفه في فضاءات النشر عبر وسائل التواصل المختلفة.
إعلام الاحتلال يدخل على الخط..
انفجر ضجيج الإعلام كبركانٍ فجّر الشارع، فانقسم الرأي العام إلى كتلتين؛ كتلةٌ رافضة بدوافع دينية متشددة ترفع شعار «نقاء العِرق»، وكتلةٌ أخرى رافضة كذلك، لكن بدافع تموضعها داخل صفوف المعارضة الساعية إلى استثمار الحدث انتخابيًا.
أمّا حكومة الاحتلال فلزمت الصمت في العلن، واكتفت في الخفاء بتحريك أجهزتها الاستخباراتية لتعقّب صاحب الاسم المستعار «أبو ذر».
ولامتصاص حرائق الإعلام، سرّب رئيس وزرائها خبرًا مفاده أنّ لقاءً مرتقبًا سيُعقد بين رئيس الأركان والزعيم الروحي للتيار الديني المتشدّد.
اجتماع تحت الأرض..
في الطابق السفلي لوزارة الدفاع، حيث تُغلَق النوافذ على الضوء كما تُغلَق الملفات على أسرارها، انعقد اللقاء في مكتب تحت أرضي.
في مكانٍ آخر، كان عمر يتابع المشهد عبر شاشة حاسوبه، بعد أن نجح في اختراق بثّ كاميرا المراقبة.
قال الزعيم الديني:
-ما يُتداول في الإعلام يثير قلق قواعدنا.
أجاب رئيس الأركان:
-المسألة استراتيجية ديموغرافية.
قال الزعيم:
-أنتم تحوّلون الأطفال إلى أدوات حساب.
أجاب العسكري:
-الشعوب التي لا تحسب مستقبلها تفقد وجودها.
ساد الصمت. وكان عمر يسجّل ويتابع ويفكر.
قال يحدث نفسه:
-المشروع أكبر من عملية سرية.
ثم أضاف:
-إنه مشروع إعادة تشكيل بشرية.
الاختراق يهز أروقة القرار..
سرّب عمر التسجيل كاملًا باسم مستعار جديد: «أبو عزة». وانتشر التسجيل عالميًا، مثيرًا موجة غضب داخل أجهزة الاحتلال، وسباقًا محمومًا للبحث عن مصدر الاختراق.
(…)
بداية نقيض الصورة..
في لقاءٍ حذر، تقدّم أحد عناصر الشبكة نحو عمر ليخبره أن والد معتقل في سجون الاحتلال يطلب لقاءً معه.
-لماذا يريدني؟
-لديه حكاية مرتبطة بالحدث.. ولا يريد أن يسمعها أحد غيرك.
قال عمر للمتصل:
باسم الله مرساها ومجراها. رتِّب اللقاء.
لقاء أبو أيوب..
في مساءٍ متوتر، جلس عمر في مكان اللقاء. تقدّم نحوه رجل خمسيني بملامح أنهكها الانتظار.
-أنا أبو أيوب. والد الأسير أيوب، معتقل منذ عشرين عامًا.
قال بصوت خافت ثم أردف:
-جئت أحكي لك قصة لا تشبه قصص الأسرى.
روى كيف رفض ابنه أن تتحول سنوات الاعتقال إلى حكم بموت حلم الأبوة. وكيف تحوّلت العائلة إلى خلية صامتة تعمل بدقة. وكيف تولّى الأب نقل الأمانة البيولوجية خارج السجن، حتى وصلت إلى طبيب من أطباء أرض العزة، فأُنجزت العملية.
قال:
-لم تكن عملية طبية. كانت معركة صمود.
سأل عمر عن الوثائق. فأخرج الأب ملفًا طبيًا كاملًا موقعًا من الطبيب أبو إبراهيم. وقبل أن يفترقا، سأله مرة أخرى:
-وماذا لو احتجتك لشهادة مصوّرة؟
ابتسم الأب وقال:
-رقبتي سدادة.
ثم عانقه، كعناق ابنه خلف القضبان.
ظلّ عمر واقفًا بعد مغادرة الأب. وقد بات يحمل حكاية لا تقل قوة عن أي مواجهة في الميدان. حكاية تؤكد أن السجن قد يقيّد الجسد.. لكنه لا يسجن المستقبل..
(…)
المشهد الأول: قاعة الاستقبال
( الزيارة الأول)
قاعة الاستقبال بالسجن. جدارٌ باهتٌ بلونٍ رماديٍّ مُنهك. طاولاتٌ معدنيةٌ تفصل بين المقاعد. حارسٌ يراقب الزمن أكثر مما يراقب الوجوه.
تدخل سلمى بخطواتٍ مترددة، تحمل علبةً صغيرة مزخرفة بخيطٍ ذهبي. يتقدّم أيوب من الجهة المقابلة، بثياب السجن، لكن بابتسامةٍ تُقاوم ثقل القيود.
الحارس:
-دقيقتان لتبادل الأغراض.
تمدّ سلمى العلبة عبر الحاجز.
سلمى:
كعك العيد. صنعته أمي. قالت لي إن رائحته ستُخفّف عنك الغربة.
يتناول أيوب العلبة ببطء، يقرّبها من أنفه، يبتسم.
أيوب:
-رائحة البيت، لا تخطئ الطريق أبدًا.
يخرج من حقيبةٍ صغيرة علبتين ملفوفتين بعناية، ويدفعهما نحوها عبر الحارس.
أيوب:
-هذه الشوكولا لأختي رانية، تقول دائمًا إنها تسرق حصتي. وهذه الحلوى لأخي باسِم، أخبريه أن يكبر بسرعة، فقد وعدته بمباراة كرة قدم مؤجلة.
تأخذ سلمى العلبتين، تلامسهما كما لو كانتا تحملان حرارة يديه.
يصمتان لحظة. ساعة الحائط تُصدر صوتًا جافًا كنبضٍ معدني.
أيوب (بنبرة هادئة):
-كيف حالكِ؟ هل ما زلتِ قوية كما أعرفك؟
سلمى:
-أتعلّم؟ الصمود صار عادة.. لكن القلب يحنّ أحيانًا لما هو أبسط من الصمود.
ينظر إليها أيوب مطولًا. ثم يقول:
-ستعبر هذه الأيام، لا شيء يبقى كما هو.
تتنفس سلمى ببطء، ثم تقول وكأنها تُلقي جملة كانت تؤجلها طويلًا:
-كنت سأكون أسعد امرأة في العالم، لو تركتَ لي طفلًا أو طفلة.
تعرف أن ما بقي لي على خصوبتي سوى أربع سنوات.
يصمت أيوب. تتحرك أصابعه فوق سطح الطاولة المعدنية. يرفع رأسه بثباتٍ يشبه اليقين.
-ستنجبين بإذن الله تعالى.
يراقب الحارس الساعة.
لم يبق من الزيارة إلا دقائق قليلة. يميل أيوب قليلًا نحو سلمى.
-قولي لأبي أن يأتي في الزيارة المقبلة. ويتصل بأبي إبراهيم صديقي القديم. أرغب في معرفة أخباره.
تهز سلمى رأسها موافقة، وشيء من الضوء يعود إلى عينيها.
الحارس:
-انتهى الوقت.
تقف سلمى ببطء. ينظران إلى بعضهما نظرة طويلة تختصر المسافات التي لا تختصرها الكلمات.
تغادر. ويبقى أيوب واقفًا، ممسكًا بعلبة كعك العيد.. كأنه يمسك قطعة صغيرة من الحرية.
المشهد الثاني: قاعة الاستقبال
( الزيارة الثانية)
قاعة الاستقبال نفسها. اللون الرمادي يزداد ثِقَلًا. الوجوه تتبدل. والانتظار يظلّ الوجه الثابت الوحيد.
يدخل أبو أيوب بخطوات راسخة، يحمل على كتفيه مزيجًا من تعب السنين وصلابة الآباء الذين يتعلمون الصبر مع المد والجزر. يتقدّم أيوب نحوه، وعيناه تلتقطان ملامح القرية في وجه أبيه. يجلسان متقابلين. تبدأ المسافة بينهما بالكلام.
أيوب:
-كيف الحال في القرية؟
أبو أيوب:
-القرية كما تركتها.. الزيتون ما زال واقفًا.. وأمكِ ما زالت تفتح النافذة كل صباح كأنها تنتظر صوت خطواتك.
يهز أيوب رأسه بصمت، ثم يسأل بنبرة متزنة:
-وأبو إبراهيم.. كيف حاله؟
أبو أيوب:
بخير.. يسأل عنك دائمًا.. ويذكر أيامكما في المدرسة.. يقول إنك كنت تسبق الجميع في الركض.. وفي الأحلام أيضًا.
يتقدم أيوب قليلًا، ويخفض صوته.
-وعيادته؟ هل ما زالت تعمل؟
أبو أيوب:
نعم. عيادته ازدادت شهرة، والناس تقصده من القرى البعيدة.
يصمت الأب لحظة، ثم يضيف، وكأنه ينقل رسالة لا تخصه وحده:
-يقول لك أبو إبراهيم إنه ينتظر اللقاء بك بشوق. وعندما يتم اللقاء، يعدك بإقامة حفل عقيقة لك، لأنك ستولد من جديد.
تتوقف ملامح أيوب عند العبارة. يمرّ ظلّ فهمٍ سريع في عينيه. لا يسأل. لا يعلّق. يكتفي بابتسامةٍ صغيرة تشبه توقيعًا على اتفاقٍ غير مكتوب. يمدّ يده داخل حقيبته الصغيرة، ويُخرج ثلاث علب شوكولا، مختلفة الألوان، ويسلمها للحارس. ويقول:
-الحمراء، لأختي رانية. والبنية، لأخي باسم. أما الزرقاء، فهي لابن صديقي أبي إبراهيم.
يتناول أبو أيوب العلب بعناية، وكأنه يتلقى رسائل مغلّفة أكثر من كونها هدايا. ويؤكد:
-سأفعل يا ولدي.
ينظر أيوب إلى وجه أبيه طويلًا، ثم يقول بهدوءٍ يحمل استعجالًا خفيًا:
-استعجل العودة، فقد تكون أمي مشتاقة منك لأخباري.
يهز الأب رأسه بثبات.
-سأفعل.
يعلن الحارس نهاية الزيارة. يقف الأب. تتلاقى الأعين لحظة طويلة، صامتة، لكنها مشبعة بما لا يُقال. يغادر أبو أيوب. ويبقى أيوب جالسًا، يراقب الباب يُغلق. كأن بابًا آخر بدأ يُفتح في مكانٍ لا تصل إليه القضبان.
المشهد الثالث: قاعة الاستقبال
( بعد شهرين)
القاعة نفسها. لكن الزمن يترك بصماته الدقيقة على الوجوه.. وعلى طريقة الجلوس.. وعلى عمق النظرات التي تعلّمت أن تقرأ الأخبار قبل أن تُقال.
يدخل أبو أيوب هذه المرة بخطواتٍ أسرع من عادته. في عينيه بريقٌ يحاول أن يظلّ هادئًا.. لكنه يتسرّب رغم الحذر، يجلس قبالة ابنه. يتبادلان نظرةً طويلة.. كأن كليهما ينتظر أن يبدأ الآخر الحديث.
أيوب:
-تأخرت الزيارة هذه المرة؟! هل كل شيء بخير؟
يبتسم أبو أيوب ابتسامة صغيرة، تشبه فجرًا يتردد قبل الشروق. ثم يجيب:
-الخير، يحتاج أحيانًا إلى صبرٍ أطول.
يصمت لحظة، ثم يقترب قليلًا، ويخفض صوته:
-التقيتُ أبا إبراهيم.
تتجه عينا أيوب مباشرة نحو وجه أبيه. تشتدّ يقظته، دون أن ينطق. يسأل:
-وكيف وجدته؟
أبو أيوب:
-مطمئن، ويعمل بدقة وبقلبٍ كبير.
يصمت الأب ثانية، وكأنه يرتّب الكلمات كما تُرتّب الأشياء الثمينة قبل تسليمها. فيزف:
-سلّم أمانتك.. حيث يجب أن تصل.
تتسع عينا أيوب قليلًا. يميل بجسده إلى الأمام. أيوب:
-وسلمى؟
يتنفس الأب ببطء، ثم يقول بصوتٍ ثابت:
-نجحت العملية. أبو إبراهيم زرع الأمانة في رحم سلمى. وهو يقول لك: إن الأمور تسير بخير حتى الآن. تحتاج فقط إلى الدعاء. والصبر.
تتجمّد ملامح أيوب لحظة. تمرّ على وجهه موجة مشاعر متلاحقة.. دهشة.. امتنان.. خشوع.. وفرحٌ خافت يخشى أن يعلو صوته داخل الجدران. يخفض رأسه قليلًا، ويتمتم:
-الحمد لله..
يمسح وجهه بكفّه، ثم يرفع رأسه نحو أبيه:
-وكيف حالها؟
أبو أيوب:
-قوية.. أكثر مما تتصور.. قالت لي: أخبر أيوب أن الأمل صار يسكنني.. ولن أتركه يضيع.
تلمع عينا أيوب.. لكنه يبتسم ابتسامة متماسكة، تشبه انتصارًا صامتًا:
-قل لها.. إن الصبر الذي حملته.. صار له قلب ينبض الآن.



