📰 آخر الأخبار
عندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي
عندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

العسكري الأسود – يوسف أدريس

صورة شخصية لرجل مسن يرتدي بزّة رسمية، يجلس أمام مكتبة تحتوي على مجموعة من الكتب. يبدو مبتسمًا وله تعبير هادئ.

١

حين أتحدَّث عن السِّر الذي كان يُحيِّرني في «شوقي»، ولا أعرف له سببًا أو تفسيرًا، لا أقصد ابتسامتَه المشهورةَ عنه، التي كان لا يبتسم ليُعبِّر بها عن شيء بقدْر ما يستعملها كقناع داخلي يخرجه من فمه حين يُريد؛ ليغطِّيَ به ملامِحَه، ويخفِيَ وجهَه الحقيقي عن الناس، ولا أقصد أيضًا نظرتَه.

النظرة التي كان يَطْلِيها بزيتٍ تعبيريٍّ مُعيَّنٍ دون أن يَجعَل بصرَك ينزلِق عن عينيه ولا يستقر لحظة، وكأنما لو استقرَّ لأدْرَكتَ سرَّه وعرَفتَ ما به، ولا أقصد أيضًا الطريقة الغريبة التي كان يتصرَّف بها، انبثاقة الانفعال المفاجئة التي يُدهِش بها الحاضرين كلَّما ضمَّه مجلس، وأفلتتْ من أحدِ الموجودين كلمةٌ ما أثارتْ تعليقًا ما، وإذا بك بعد ثوانٍ قليلة من ضيقِه المباغِت تجده على قدَمَيْه، وقد افتعل عذرًا لا يهمُّه إدراكُ الحاضرين لوجاهته، وغادر المكان إلى الخارج الطلق إلى أي مكان، هذه أيضًا لا أقصدها، ما أقصده شيء بالضبط لا أستطيع التعبير عنه، بل ولا حتى نجحتُ في اكتشافه بعد الحادث الهائل الذي قُدِّر لي أن أكون شاهدَ عيانه، الحادث الذي كثيرًا ما جلستُ وحدي أستَعِيد دقائقَه لعلِّي ألْمَح هذا الشيء الواهيَ المروِّع الذي كان «شوقي» يضمُّ عليه جوانِحَه، وأشهَد أني في أحيانٍ قليلة جدًّا استطعتُ، بالكاد، محاصرَتَه، وإنْ فشلتُ في تحديده ومعرفته، بل لكي أكونَ صادقًا مع نفسي أعتَرِف أني في جلوسي لكتابةِ ما حدث، ليس لي من هدف سوى أملٍ واحد، أن أوفَّق عن طريق الكتابة فيما فشلتُ فيه عن طريق الخيال، بصراحة أكثر: أُقامِر؛ إذْ مَن يدري، لعلِّي إذا انتهيتُ أكونُ قد فسَّرتُ كلَّ شيء، ووصلتُ إلى الحقيقة التي دوَّختْني محاولةُ الوصول إليها.

٢

بدايتُنا متواضِعة جدًّا، لم أكن أتصوَّر أبدًا أنَّ باستطاعتي أنْ أصِلَ منها إلى سرٍّ ما، خطيرٍ أو غير خطير. البداية مكتب حكيمباشي المحافظة في بناية المحافظة القديمة التي تهدَّمتِ الآن، كنتُ كلَّما وجدتُ نفسي في ميدان باب الخلق، بساعته المعهودة، وواجهة دار الكتب ومئذنة الجامع القائم في وسَطِه كالنافورة العالية التي جفَّ ماؤها، تذكَّرتُ «شوقي»، وكلَّما تذكَّرتُه وجدتُ نفسي مدفوعًا بشكل تلقائي للذهاب إليه، خاصةً إذا كان الوقت بعد الظهر؛ إذْ إنَّ «شوقي» كان يعمل في المكتب الطِّبِّي للمحافظة، وكان لأسبابٍ ليس هناك مجالُ تقصِّيها قد اختارَ فترةَ بعد الظهر ليكونَ النوبتجي فيها، أسباب لعلَّ أحدَها وأهمَّها أنَّ الطبيب حين يعمل في تلك الفترة كان ينفرد بالعمل في المكتب، ويصبح هو رئيسه؛ فالحكيمباشي لا يعمل إلَّا في الصباح، ورئاسة المكتب الطبي والجلوس على كرسي الحكيمباشي وتلقِّي تحيات المراسلة والمستخدمين متعةٌ لا بُدَّ أن تُرضِي غرورَ أيِّ طبيبٍ شابٍّ، أمَّا حين يعمل في الصباح فلا يصبح أكثر من مجرَّد مرءوسٍ واحدٍ بين أربعة أو خمسة زملاء.

ونفس هذا المكتب هو الذي كان يضمُّنا حين ألْقَى عبد الله التومرجي بتلك الجملة التي قلبتْ جلستنا، بل علاقتنا كلَّها رأسًا على عقب، قال: ده خلاص يا بيه، الراجل بقى يهبهب زي الكلاب ويعوي زي الدِّيابة.

حسبْتُها أولَ الأمر إحدى مبالَغاته، ومبالَغات عبد الله التومرجي كانتْ شيئًا مشهورًا في المكتب، خاصَّةً في تقدير أثْمان القهوة والشاي وحساب السندوتشات، وعبد الله لم يكن تومرجيًّا أصلًا، كان عسكريًّا في القسم الطبي بالجيش، وحين دخل البوليس جعلوه مراسلة للمكتب الطبي، ولكنهم وجدوه أكثر لحلحةً وذكاءً من التومرجي الأصلي فأعطَوْه دَوْرَه وأصبح بجلبابه «الدَّمُّور» الميري، وطاقيته ذات الحائط العالي، وجبهته العريضة اللامعة المائلة في خجل خبيث دائم، وبالذات حين يُخْفِضها ويقول بلهجة خضوع عسكري ظاهر: أفندم! كلمة ذات وقعٍ على آذان الأطباء المدنيِّين تُتِيح لهم بعضَ مُتَع العسكرية ودفء سطوتها، أصبح عبد الله بهذا وبقبقابه الذي كان لا يتناسَب أبدًا مع حركته الكثيرة علامةً من علامات المكتب الرئيسية، كما أصبحتْ وقفته أمام باب الحكيمباشي نصفِ المغلَق، وشخطه في الرُّوَّاد القادِمين متأخِّرين والتحايُل لإبعادهم علامةً رئيسية من علامات جلستي مع «شوقي».

ولولا رنة دخيلة صادقة في جملته، ما الْتفتَ «شوقي» أو الْتفتُّ إليها؛ كنتُ قد تعودتُ إذا بدأ «شوقي» يتحدَّث في العمل مع عبد الله أو غيره، أو يُزاوِله أن أنصَرِف كليةً لأفكاري وتأملاتي. الجملة استخرجتْني منها وجعلتْني أسأل عن هذا الذي يَعْوِي كالذئاب ويهبهب كالكلاب! وأجد أنه «دوسيه»، أو على وجهٍ أصح صاحب الدُّوسيه الضخم الذي كان موضوعًا فوق مكتب «شوقي». كانتِ الساعة تقترب من الرابعة والنصف، وكنَّا في الصيف، والحجرة قد خلتْ من رُوَّادها، ورُوَّاد الحجرة معظمهم من مجتمع القاهرة السُّفلَى؛ متسوِّلون، ومتشرِّدون، ومجاذيب، وذوو عاهات، ومُدَّعون، ومتشاجِرون، فرادى وجماعات، في سلاسل وكلابشات، وأحيانًا مربَّطو الجلابيب حتى لا يغافل أحدهم العساكر وينسلَّ هاربًا، روَّاد بمحاضِر وخطابات من الأقسام لتوقيع الكشف الطبي عليهم لتقدير أعمارهم وعاهاتهم، تمهيدًا لسلسلة الإجراءات الطويلة التي تُتَّخَذ معهم، ولا يخلو الأمر من متشاجرٍ أنيق، أو تهمةٍ بهَتْك عَرْض، أو بنت ذوات، هذا عدا العساكر طالبي الإجازات، وأحيانًا شاويشية وضباط، عدد ضخم كان طابوره يبدأ من باب المحافظة ويملأ فناءها الواسع، وينتهي عند ذراع عبد الله الممتدَّة تسدُّ باب المكتب الطبي المفتوح، وعند صوته المبحوح المطالِب عبثًا باحترام الدور. العجيب أنَّ «شوقي» كان ينتهي من طابور بعد الظهر كلِّه فيما لا يزيد على الساعة، ولكن أيُّ ساعة! حتى حين تخلو الحجرة بعدهم، ويُوصِد عبد الله الباب يبقَى الجوُّ مشبعًا بأشباحٍ تكاد تتدخل في الحديث الدائر بيني وبينه، أشباح أشخاصهم ومآسيهم، وأشباح روائحهم أيضًا روائح خاصة ليستْ مقزِّزة كما يتبادر إلى الذهن، ولكنَّها مختلفة بالتأكيد عن رائحة الأفندية مثلًا، أو جموع الفلَّاحين، رائحة لا تُصبح مقزِّزة إلَّا حين تختلط برائحة الفنيك الذي تُرش به الأرض، واﻟ «د. د. ت»، وعرق المبنى العتيق، والأثاث الذي بُقِرتْ مسانده … وتتجمَّع هذه كلها، ويأتي عليها ظُهْر يوم صيف كيوم الصيف ذاك وما بعده، فيحوِّلها إلى بواخٍ يملأ الحجرة، وينعقد حتى سقفها العالي، بواخ يخنقنا ويكاد يدفَعُنا لمغادرة المكان، ولكنا لم نكن نفعل، بالعكس كان إحساسنا بالاختناق الخارجي ذاك يوفِّر علينا الكثير من إحساسنا بالاختناق الداخلي.

كنتُ و«شوقي» شابَّيْن من شباب الجيل الذي اصطلحوا على تسميته بالجيل الحائر، صديقين بلا سببٍ يدعونا للصداقة أو حتى الانتساب إلى جيل واحد، تفتَّقتْ عنَّا الحرب العالمية الثانية لنجد أنفسَنا هكذا زملاء في كلية أو جامعة واحدة، بنزعاتٍ سياسية وآراءٍ في الناس والحياة لا يمكن أن يربط بينها رابط، ومع هذا فكنَّا أصدقاء؛ لا لأننا كنا هازلين في خلافاتنا؛ إذِ الحقيقة أننا كنا فيها أكثر من جادَّيْن، وتمسُّك كلٍّ منا برأْيِه ووجهة نظره كان يصل أحيانًا إلى حدِّ ارتكاب الجريمة، ربما السبب في الصداقة المهيمِنة الكبيرة التي جمعتْنا أننا كنَّا جميعًا نؤمن — رغم اختلاف طُرُقنا ووسائلنا — أنَّ لنا رسالةً واحدةً نحن مبعوثو العناية لتحقيقها؛ إنقاذ بلادنا وتغيير مصير شعبنا تغييرًا جذريًّا وإلى الأبد، وهكذا بدأتْ واستمرتْ علاقتي بشوقي.

كان تعارفنا في مؤتمرٍ للطلبة عقدناه في الكلية، ونتيجة تشاتم في الرأي، ولا أقول خلافًا، تشاتم كاد يصل إلى حدِّ التشابُك، ولكنا حين خرجنا من المؤتمر كنا قد نسينا الخلاف، وكنا نتعازم على الشاي، وصرَّح لي ونحن جلوس على المقهى أنَّه — بينه وبيني — كان يوافِقُني في الرأي، لولا الموقف الذي كان عليه فيه أن يُناصِر زملاءَه أعضاءَ الجماعة التي كان ينتمي إليها، ولكنها نقطة واحدة هي التي كنا متفقين فيها، فقد كان استنكارُه لما أومن به لا يقِلُّ عن استنكاري لآرائه ومعتقداته، ولم تفعلِ الأيام التي تَلَتْ أكثرَ من أن تَزِيد كلًّا منَّا استنكارًا لآراء الآخَر، ولا أعرف مع هذا لماذا كانتْ في نفس الوقت تزيد من علاقة كلٍّ منَّا بالآخَر؟ الجيل واحد صحيح، ولكنَّه شِيَعٌ واهتمامات، أناس منَّا كانوا يمرحون ويقضون الليالي حول موائد البوكر الذي يُلعَب بقروش ويسمُّونه قِمارًا، وشِلَل أخرى «تزوِّغ» من المحاضرات، وتُدْمِن حفلات السينما الصباحية، وفِرَق همُّها الرياضة والجري بالفانلات حول الملاعب، وجماعات للاغتيال والإرهاب، ونحن المهتمون بالسياسة والمؤتمرات والخُطَب … نحن الذين نُبادِل الآخَرين الرياضيين وأصحاب النَّزَوات الاحتقار، ونردُّ على اتهامهم لنا بأننا مهاويس باتهامنا لهم بأنهم منحلُّون، وفيما بيننا أيضًا نتبادل التُّهَم، التعصُّب يُرَدُّ عليه بالإلحاد، والفاشية يُرَدُّ عليها بالشيوعية، ومع ذلك — وربما من أجل ذلك — يظلُّ يجمَعُنا ذلك القوس العريض الذي كنا نُطْلِق عليه برهبة وتقديس: السياسة. «شوقي» بالذات كنتُ شديد الضيق منه قبلَ أن أعرِفَه، يذكِّرني إذا ما قام ليخطب بباعة «الشرب» وخالعي الأسنان في الأسواق! بل حتى شكله لم أكن أستَلْطِفه، كان شاحبَ الوَجْه لسببٍ غير معلوم وبطريقةٍ يبدو معها شاربه الغزير أكثر سوادًا من حقيقته، شاربه الذي ما هضمتُ أبدًا أسباب وجوده، ولا استطعتُ أن أفسِّر هذا التناقُض الواقع بينه وبين ذقنه؛ فهو غزير، وذقنه ملساء ناعمة نادرة الشعر كذقون المراهقين، كان نحيفًا، متوسط القامة، جادَّ الملامح إلى درجةٍ لا تملك معها إلَّا الاستخفاف بجدِّه، كان أحد زعماء الكلية وأحد زعماء مذهبه، ولكنه أبدًا لم يكن ذلك المتهوس الأحمق الذي لا يفلح معه تفاهم أو نقاش، كان دائمًا على استعداد لمناقشة أكثر الآراء بُعدًا عن رأيه، يرحِّب بالجدل بابتسامة واثقة، ولا يثور، وكثيرًا ما كنتُ أتحسَّر وأعتَبِر أنَّ عَيْبَه الأكبر أنه في المعسكر الآخَر، وأحلم بأني يومًا استطعتُ إقناعَه، وبأننا يومًا ما اتفقنا على رأيٍ، ولكنها أحلام، مجرد أحلام! فقد كان «شوقي» يتمتَّع بطاقة إرادة هائلة، وكأنه وُلد وهو يعرف بالضبط ما يريد، ومتأكِّد أنه واصلٌ إليه لا محالة، وكان يبدو وكأنَّ إرادته تلك ترسِّب إيمانَه في قلبه طبقة فوقها طبقة، وكلَّ يوم تزيده عمقًا وتشبُّعًا بطريقةٍ محالٌ معها من أن يتزلزل إيمانه ذلك بإيمانٍ جديد.

إلى أنْ حدثَ ذلك الحادثُ السياسي الذي هزَّ البلاد كلَّها، وقُبِض على «شوقي»، وأُدخِل السجن تمهيدًا لمحاكمته، وربما لفَرْط إيماني به كزعيم من زعماء جيلنا وتقديري له، عجبتُ للأسف القليل الذي أعقَبَ اختفاءَه من الكلية، حتى بين البقية الباقية من أفراد جماعته، وكنتُ كلَّما سألتُ عنه ظفرتُ بإجاباتٍ غامِضةٍ عن مَصِيره — بل، ولكي أسجِّل الحقيقة؛ تنصُّلًا من الإجابات الحقيقية — عن مصيره ومصير المقبوض عليهم من زملائه وغير زملائه.

ولا أعرف إذا كنتم ما زلتم تذكرون تلك الفترة من تاريخنا القريب، ولكني متأكِّد أنَّ جيلنا أبدًا لن ينساها، جيلنا الحائر وعامي ٤٧ و٤٨ والأحكام العرفية، وعهود الإرهاب البشع المخيف.

تلك الفترة كانتْ أولَ ضربة جدية تلقَّاها جيلُنا، خرجنا من الحرب لنَجِد جيوش الاحتلال ترتع في أرضنا، ثُرْنا فحاوَلوا الضحكَ علينا والجلاءَ الصُّوري إلى القنال وفايد، ثُرنا مرة أخرى مطالبين بالجلاء الكامل والكفاح المسلَّح، وهذه المرة ضربونا، جاءوا بدولة الباشا وضربنا علقة كوبري عباس، وحاول أن يضرب أكثر فقُتِل، فجاءوا بدولة باشا آخَر ليكمل العلقة، وأكملها، فتح السجون على آخِرها، سلَّط الإرهاب بكلِّ أشكالِه، كمَّم الأفواه، أخمد الأصوات، أطلَقَ العُمَلاء، وبعد أن كانتْ كلِّيَّتنا تموج بالمؤتمرات والخُطَب والثُّوَّار، أصبحتْ تموج بالبوليس السياسي، والإشاعات، والخوف، وحرب الأعصاب، وتشتَّتَ شمل الجيل، دخل السجنَ بعضُه، والبعضُ اختفَى وهرب في الأرياف والمدن البعيدة، وأحيانًا داخلَ نفسِه، حفرَ حفرةً عميقة في صدْرِه دفن فيها ثورتَه ومعتقداتِه وردَمَ عليها، وأصبح همُّه الوحيد أن يردمَ عليها أكثر وأكثر، ويدَّعي عكس ما يعتقد، في تلك الأثناء شاعتْ قصصُ التعذيب، وطار صِيتُ العسكري الأسود، وما يفعله بالمساجين المعتَقَلِين، وأصبح رمزًا لكلِّ ما يَنالُه جيلُنا من ضرباتٍ، وأصبح هو مبعث رُعْب الجيل، ذلك العسكري الذي كان يَرْقُد «دوسيهه» بعد سنوات كثيرة وسنوات على مكتب «شوقي»، والذي كان مُقدَّرًا لنا أن نَراه بعدَ هذه المدة الطويلة، وبطريقةٍ لم نحلم بها أبدًا.

٣

وليستْ هذه محاولةً لسرد تاريخ، إنْ هي إلَّا لمحةٌ نعود بعدَها لشوقي؛ إذْ بعد شهور طويلة من انقطاع الصِّلة بينَنا لم أرَهُ إلَّا يوم الامتحان، فوجئتُ به يدخل علينا الخيمة ومعه جمعٌ من زملائه مكبَّلين بالحديد، ومعهم جيش من الحُرَّاس ببنادق وكونستبلات، يومها عبْرَ اللجنة وأوراق الأسئلة تبادَلْنا ابتساماتٍ راعَيْنا أن تكون خَفِيَّة، وكأنَّ عيونًا غير مرئية ستلحظها وتسجِّلها، ألم أقلْ إننا كنا في فترة إرهاب؟! وماذا يفعل الإرهاب أكثر من أن ينجح في جعل كلٍّ منَّا يتولَّى إرهاب نفسِه بنفسِه، فيقوم هو بإسكاتها وإخضاعها للأمر الواقع الرهيب؟!

المفاجأة التي لم أكن أتوقَّعها، كانتْ أني عرَفتُ حين ظهرتِ النتيجة أنَّ «شوقي» قد نجح، كيف ذاكَرَ وعلوم الطب تحتاج إلى الخبرة العملية والمران؟! وكيف أجاب وكيف نجح؟! لا أعرف، المهم أنه نجح، ومع هذا ظلَّ مسجونًا لا يُفرَج عنه، ولا يُقدَّم للمحاكمة، ولا يُواجَه بتهمة، أشياء لا تحدث إلَّا في عصورٍ مُظلِمة، أو في بلادٍ، رغم العالم المضيء، لا تزال تحيا في تلك العصور، لم يُفرَج عنه إلَّا بعد انقضاء فترة طويلة، ولم أعرف بالخبر إلَّا حين كنتُ مارًّا بالقسم الذي أعمل به في المستشفى الكبير بعد تخرُّجي، فلمَحْتُه جالسًا في غرفة الحكيمة وعليه سِيماءُ التردُّد والحرج، وكأنَّه قادم لزيارة مريض، والمفاجأة الكبرى التي كانتْ تنتظرني أني عرَفتُ أنه قد عُيِّن في نفس المستشفى، بل أكثر من هذا في نفسِ القسم الذي أعمل فيه، ورغم انشغالي بضجَّة الترحيب به لم يفُتْني أنْ أُلاحِظَ أنَّ أشياء كثيرةً جدًّا تغيَّرتْ فيه إلى درجةٍ حسبتُه للوَهْلة الأولى إنسانًا آخَر، خاصةً وجسدُه نفسُه كان قد تغيَّر وأصابَه ما يُصاب به المسجونون من ترهُّل، وحتى ذَقْنُه نبتَ وغزر وأكسبَ لونَه سُمْرة، ولكنِّي على أيةِ حالٍ قابلتُه كما يُقابَل البطل العائد من معركة، والمكافح الخارج من سجن بعد اتهام خطير، وكذلك ظللتُ أُعامِله، ولم أكنْ وَحْدي، زملاؤنا الأطباء وممرضات القسم، وبعض مرضاه ممن عرَفوا قصة الطبيب الجديد، كلنا ظللنا نعامله ونتوقَّع منه دور البطل، ونتقبَّل تصرُّفاته خلال الأيام الأولى لالْتِحاقه بالعمل على أنها نوعٌ من التواضُع وإنكار الذات. كان التخرُّج قد عمل عمله في نظرتي للناس والأشياء، وخفَّف من حِدَّة اعتدادي برأْيِي وإيماني، وأصبحتُ أومن بالحسن أنَّى وُجد الحسن، وبالبطولة أنَّى وُجدتِ البطولة، وأصبحتُ أحتَفِل بكلِّ عملٍ مخلِصٍ، حتى لو صدَرَ عن مخالِفٍ في الرأي وعدوٍّ في العقيدة، وكانَ أقصى آمالي أن أتحيَّن اللحظة المناسبة لأجلس جلستي التاريخية مع «شوقي» ويقصَّ عليَّ فيها كلَّ ما دار له في رحلته التاريخية المليئة، لا بُدَّ، بالمواقف والبطولات. والحقيقة حانتْ أكثرُ من لحظة، وأكثر من مناسبة وألْقَيْتُ على «شوقي» أكثرَ من سؤال، وكانتِ النتيجة أني لم أظفر منه فقط بأيِّ جواب، بل كان يحدث «لشوقي» حالةٌ أُحِسُّ معها أنَّه يبدو عليه وكأنَّه يُنكِر أصلًا أنه سمع السؤال، اعتقدتُ أوَّلَ الأمر أنها مُغالاةٌ من «شوقي» لتجنُّب الحديث أمامَ المرضى، أو على مسمع من الزملاء، أو الحكيمات، إنه على أسوأ الفروض يؤجِّل الحديث إلى زمنٍ قادم قريب، ولكنَّ الزمن كان يمضي، والأيام تنقضي فلا تزيده إلَّا استمساكًا بمَوْقِفه، مشكلة أخذتُها أوَّلَ الأمر ببساطة، ولم أعتقد أبدًا أنها يمكن أن تقودني إلى اكتشاف، بساطة لم تَمْنَعْني من أن أبدأ بطريقةٍ لا شعوريةٍ أنتَبِه لشوقي، وهدفي طول الوقت أن أستَخْلِصَه من تلك التي اعتقدتُ أنها «حالة» انتابتْه بعدَ خروجِه من السجن، والتي كان من الطبيعي جدًّا أن تنتابه، أستَخْلِصه ليعودَ مرة أخرى ذلك البطلَ الوطنيَّ الذي عرَفتُه، ولو حتى سار في طريقٍ تختلف كلية عن طريقي. كنتُ متأكِّدًا أنَّ «شوقي» ليس من النوع الذي تكفي بضعة شهور من السجن لكي تغيِّره وتدفعه للتنازل عن رأْيِه، مع أنَّ أيامها كثيرًا ما كنا نُقابِل زملاء ومعارف دخلوا متحمِّسين وخرجوا وقد طلَّقوا السياسة والوطنية وكلَّ ما يَمُتُّ إليهما بصلة، وكأنما كان السجن هو الحجة التي ينتظرونها لينفضوا يدَهم من المعركة.

أقول بدأتُ أنتبه لشوقي، وكان أولُ ما لاحظْتُه أنَّ نظرته اكتسبتْ طابعًا آخَر لم يكن لها، كان في عينَيْه دائمًا بريقٌ يُشِعُّ ويُكسِب ملامِحَه جاذبيةً خاصة، جاذبية المؤمن بحقيقة تضيء نفسه، وتفضح ملامِحُه الضوءَ الداخليَّ وتُشِعُّه، ويتركَّز النور في عينيه، وينقل للعالَمِ صورةَ نفسِه المؤمِنة، ذلك البريق كان قد اختفى، وكأنما اجتُثَّ من جذوره، ولم يَبْقَ لعينيه حتى اللمعة التي تميِّز عيني كلِّ كائن حيٍّ! كنتُ كلَّما نظرتُ في عينيه أحسُّ بإحساسٍ غريبٍ خاصٍّ يُضايقني أني لا أستطيع إدراك كنهه، وأنَّى لي أن أعرف أني أستطيع أن أدرك كنه ذلك الإحساس إلَّا هناك بعد أعوام طويلة، وفي زمان ومكان كان مستحيلًا أن يخطرا على البال.

ثم بدأتُ أعِي أن صوت «شوقي» نفسه قد تغيَّر فأصبح لا يتحدَّث إلَّا همسًا، همسَ مؤدَّبٍ خافِتٍ كمَن يتوقَّع دائمًا أن تَرفُض طلَبَه، ثم هاتان النظارتان — لا أقصد النظارات الطبية، أقصد تلك التي تُركَّب للخيل لكي لا ترى إلَّا في اتجاه واحد — هاتان النظارتان الخفِيَّتان اللتان لا تجعلانه يرى إلَّا ما أمامه، وما أمامه فقط، أين هذا من «شوقي» المتلفِّت دائمًا حوله، الباحث المنقِّب في كلِّ شيء من أمور الدنيا والناس، الغاضب الثائر إذا وقعتْ عينُه على الخطأ، المهدِّد بالويل والتغيير وإخضاعِها لِمَا يريد؟!

شيئًا فشيئًا طوالَ شهرين أو ثلاثة عمِلْنا فيها معًا، أيْقَنْتُ أنَّ محاولاتي لاستثارة «شوقي» البطل داخل هذا «الشوقي» الجديد محاولاتٌ لا فائدة منها، بل حتى أملي في أن يخرج عن صمته مرة ويحدِّثني عمَّا لاقاه خلْفَ القضبان تضاءَلَ وانعدَمَ تحت تأثير الموقف الواحد الغريب الذي كان يَلْتَزِمه، وكان لا بُدَّ أن يأتي اليوم الذي أبدأ أومن أنَّ «شوقي» لم يتغيَّر فقط، ولكنَّه أصبح بالتأكيد إنسانًا آخَر غير شوقي الذي عرَفتُه، كم من مرةٍ ضبطْتُه يتآمَر مؤامراتٍ صغيرةً في القسم ليُتاحَ له مثلًا أن يَحظَى بعملية «فتق» أكثرَ منِّي ومن زملائه! كثيرًا ما سمعْتُه يُنافِق «النائب» الذي لا يَكْبُرنا في العمر أو في الوظيفة إلَّا بعامٍ واحدٍ من أجل أن يُقْرِضَه كتابًا، أو يَدَعه يُلْقِي نظرةً في «المنظار»، ويَكْذِب، يَكْذِب باستمرارٍ وبلا سببٍ وبطريقةٍ ساذجة مكشوفة تدفع للاشمئزاز، ولم أصدِّق الإشاعةَ التي أطلَقَتْها الحكيمةُ عليه إلَّا بعد أن رأَيْتُ بعيني، رأيتُ كيف يُحضِر المرضى في «كشك» الغِيار ويُساوِمهم مساوَماتٍ رخيصةً على أن «يتوصَّى» بهم في العلاج، ويأخذ في مقابل هذا بضعةَ قروشٍ هي كلُّ ما يَمْتَلِكه المريضُ الرَّاقِد في عنبر المستشفى.

أكثر من هذا لاحظَ عليه زملاؤنا في «بيت الامتياز» الذي نُقِيم فيه، أنَّه ما من مرةٍ دخلَ فيها حجرةَ أحدِهم إلَّا واختفى بعدَ خُروجِه شيءٌ من محتوياتها — أي شيء — ولو كان فرشاة أسنان قديمة، حتى أُطْلِقَتْ في البيت حكمةٌ تقول: «إذا حيَّاك شوقي باليمين فتحسَّس محفظتَك باليسار.» وعلى عادة الأطباء حديثي التخرُّج كثيرًا ما عُقدتْ مؤتمرات لمُناقشة حالة شوقي، وكثيرًا ما أجْمَع الكلُّ على أنَّه مُصابٌ بالكليبتومانيا، أو جنون السرقة، وكان عسيرًا عليَّ أنْ أشهَدَ مؤتمراتٍ كتلك، وأنْ أرى شوقي الذي طالَمَا قدَّره هؤلاء الأطباء أنفسُهم وهم طلبةٌ باعتبارِه الزعيمَ والمكافح، يصبح ليس محطَّ سخريتهم فقط، وإنما محطَّ اشمِئْزازهم واحتقارِهم أيضًا، من بين مائة طبيب أو يزيد يصبح هو، الزعيم، أحقَرَهم وأصغَرَهم شأْنًا.

لا أريد أن أسْرُد كلَّ ما كان يفعله شوقي في سنة الامتياز أو بعدها، العيادات التي افتتحها، والنَّصْب والابتزاز، والنظرة الأفعوانية الغريبة التي كان ينظر بها إلى المرضى والناس، وكيف قاطَعَ عائلتَه بعد التخرُّج، وأبى أن يُساعِدَهم بمليم، وكيف، ومَن، والطريقة البالغة الشذوذ التي تزوَّج بها، والتي حصل بها على الدبلوم، و«سعى» حتى عُيِّن في هذه الوظيفة في مكتب حكيمباشي المحافظة، لا، ولا، بأي أسلوب وحشيٍّ كان يُعامِل رُوَّاد المكتب، وخاصةً رُوَّاده من العساكر طالبي الإجازات، شاهدتُ مرةً عسكريًّا يَبْكِي أمامَه بدموع حقيقية، يستحْلِفه ويرجوه ألَّا يكتب أنَّه مُتمارِض؛ حتى لا يُحاكَم ويُخصَم من مرتَّبه أيام، ولا يفعل الرجاءُ والإلحاحُ، ولا تفعل الذلةُ والدموع أكثرَ من أن تجعل شوقي يَبْتَسِم وتُومِض ملامِحُه في غِبْطةٍ، خطورتُها أنَّها كانتْ حقيقيةً أيضًا.

السؤال الذي لا بُدَّ أن يلحَّ على القارئ هنا: لماذا بعدَ كلِّ ما ذكرتُ ظللتُ مُبْقِيًا على علاقتي بشوقي؟

والإجابة صعبة؛ فصحيحٌ كان شوقي قد تحوَّل من زعيم طلبة إلى كائن مُزْعِج مُؤْذٍ أصابَنِي شخصيًّا بمثل ما أصاب غيري من إزعاج وإيذاء، ولكنِّي لم أكن أرَى المسألة هكذا، ولا أعتَبِرها حالة «كليبتومانيا»، ولا تغييرًا في شخصية شوقي تسبَّب عن فترة سجْنِه، كنتُ وكأنَّما أرفض أن أصدِّق أنَّ بضعة شهور من السجن تُحِيل إنسانًا — مهما كان — من النَّقِيض إلى النَّقِيض، وكأنَّما أرفض أنْ أعتَقِد أنَّ شوقي القديم قد مات وانتهى ولم يَبْقَ منه إلَّا ابتسامة واسعة تدرَّب على استعمالها، ابتسامة مهما بالَغ فيها تبدو دائمًا فاترةً صادرةً عن الشفتين فقط، يقول بها للمريض في عيادته الخاصة: أهلًا وسهلًا، ولزوجته: صباح الخير، ويردُّ بها على تحية عبد الله التومرجي، ويُخفِي بها ملامِحَه إذا أحرجتَه بسؤال، ابتسامة في جملتها تحمل ملخَّصًا وافيًا لحياةٍ ناجِحةٍ بالمعنى الفاتِر الواسِع السَّطْحي للنجاح. لم أكن أرى المسألة هكذا! كنتُ لا أزال أومن أنَّ شوقي لم يَضِعْ ضياعًا نهائيًّا، وأنَّ كلَّ ما يبدو من تصرُّفاته إنْ هو إلَّا انعكاسات قِشْرِية محضة صادرة عن قشرة صدأ ألمَّ بشخصيته، وأنَّها آجِلًا أم عاجِلًا ستزول، والمسألة تتوقَّف عليَّ وعلى مَجْهُودي معَه، باستطاعتي أنْ أترُكَه وشأنَه يَغرَق ويتلاشَى، وباستطاعتي أنْ أظلَّ محتفِظًا بعلاقتنا أحاوِلُ بلا يأْسٍ أنْ أعودَ به مرةً أخرى ذلك الكائنَ الثائرَ النافعَ لشَعْبِه وبلده، كان الواقِع يؤكِّد لي أنَّ شيئًا خطيرًا قد حدث، أنظر إلى شوقي وأدقِّق فيه شخصيته فأحسُّ وكأنَّه مجروحٌ، لا ليس جرحًا صغيرًا في الصدر أو الرأس، وإنما جُرِح جرحًا شاملًا من قمةِ رأسِه إلى أظافر قدَمَيْ شخصيته، وأنَّ ما أمامي ليس شوقي، ولكنه الندبة الضخمة التي تخلَّفتْ عن الجرح، أنظر إليه وأزداد عنادًا وإيمانًا بأنَّ كلَّ خطأ ممكن إصلاحُه، وكلَّ جرح ممكن أن يُشْفَى ويندمل، ولم يكن مبعثُ تفاؤلي هو أملي الخاص فقط، هناك في الغلاف الخامس أو السادس لنفس شوقي من الداخل كانتْ منطقة لا أستطيع أن أحدِّد أبعادَها أو كنهها بسهولة، كلُّ ما أستطيع قوله عنها إنها كانتْ منطقة استماع، ربما، أو رغبة عارمة مخنوقة للاستماع لا تَجِد لها متنفَّسًا إلَّا مِن خلالي، أو على وجْهٍ أصح، إلَّا من خلال تلك الزيارات المتباعِدة التي كنتُ ألْقاه فيها، في عيادته أحيانًا، وفي مكتبه بالمحافظة أحيانًا، هناك حيث نجلس طويلًا نتبادَل أتْفَه الأحاديث عن مصير الزملاء والكادر الجديد، ولكنْ كان يحدث دائمًا أن يلتفت شوقي مرةً إلى الناحية الأخرى وكأنما يُخفِي عليَّ بهذه الحركة انفعاله، ويسألني عن الحالة سؤالًا أحسُّ معه بتلك المنطقة جَوْعَى تكادُ تتشقَّق ظمأً ولهفةً، وما كنتُ في إجابتي آتي بالنادر أو الجديد، كنتُ أتحدَّث ذلك الحديث الذي نُجِيده جميعًا في السياسة بأنواعها وأشكالها، وأحلِّل ما يجري منها في الداخل والخارج، ومن الصعيد الشخصي المحض إلى صعيد القوى العالمية الرحبة المتصارِعة في عالَمِنا، ورغم أنَّ شوقي كان يرفض دائمًا أن يتحدَّث هو أو يعلن، بل ويتعمَّد أن يبدو حين أتحدَّث أنا وكأنْ لا صلة له بالموضوع أو الحديث، أو ليس له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بكلِّ ما يَمُتُّ إلى كائن أو قوة خارجة عنه، رغم هذا إلَّا أني كنتُ ألْحَظُ دائمًا أنه رغم كلِّ تمْثِيلِه يستمع، ويستمع بلذَّةٍ ملهوفةٍ ينجح في إخفائها معظم الأحيان، حتى إذا سكتُّ استَثَار سكوتي بسؤالٍ جانبي، أو بجذبةِ نَفَسٍ من سيجارةٍ أخرى يُشعِلها ويبتلع دخانها بطريقةِ مَن يَوَدُّ أن يُطْفِئ بدخانها ظمأً بلغ درجة الحريق — هو الذي طالَما ألْقَى عليَّ، ونحن طلبةٌ، المحاضراتِ في مضارِّ التدخين ودلالته الخُلُقية المُشِينة، هو الذي أصبحتْ أظافِرُ يُمْناه ويُسْراه والعُقَد الأخيرة من أصابِعِه بُنِّيَّة محتَرِقة من لون التبغ، وتطول الجلسة وأنا أُفَضْفِض عن نفسي بالحديث، وشوقي يُفَضْفِض عن نفسه في حذَرٍ عظيم بالاستماع، وكثيرًا جدًّا ما كنتُ أتأمَّل المشهَدَ برُوحٍ منفصلة مُحايِدة فأرانا فردَين من أفراد جيلنا الحائر الذي حمل الرسالة فوقَ كتِفَيْه حتى كادَ أن يَسحَقَه الحمل، فردان جالسان في حجرة كشفٍ مغلقة، أو في مكتبٍ حافِلٍ بالروائح، ندخِّن بكثرة، وكأنما ننوي الانتحار مدخِّنين، ونشحن المكانَ بسحُبٍ متكاثِفة لا نعرف إنْ كانتْ من احتراق السجائر أم من احتراق الصدور، ولكنَّا مع هذا لا نكفُّ، بل نمضي نحرِقُ اللفائف وتَحْرِقنا، ونملأ الجوَّ بدُخانٍ يضغط على صدورنا لتُخرِج دخانًا أكثر، وأمَلُنا أن ينجَحَ الضغطُ المتكاثفُ المتزايدُ في إفراغها ممَّا تحفِل به، مِن كُتَل الحديد والرَّصاص والمآسِي المترسِّبة في أعماقِنا تَجْذِب أرواحَنا إلى أسفل وتَحْنِي ظهورَنا قبلَ الأوان، ونحن اثنان أبعَدَتْنا المقاديرُ عن جيلِنا، كما أبعدَتْ جيلَنا عن بعضِه، وقذفتْ بنا داخلَ هذِهِ القماقم المتداخِلة من الجدران والأدخِنة والمخاوِف، وبينَنا مُطارَدة لا تَنْتَهِي، أنا — الغريق — أحاول انتشالَ شوقي وجذْبَه، وشوقي يَرفُض مَذْعُورًا أنْ ينجو، وأنا أواصِلُ محاوَلاتي، وكأنَّما تبلورتْ أهدافي ومعتقداتي في محاولة إنقاذِه، وهو كأنَّما تبلورت رسالتُه في محاولة إغراقِ نفسِه أكثر، وإذا استطاع إغراقِي أيضًا، ويا للسخرية! لقد كنَّا بالأمس نعمل، وأملنا مؤكَّد أننا سنُنقِذ الشعبَ كلَّه، فإذا كلٌّ منَّا اليومَ غيرُ قادرٍ أن يُنقِذَ نفسَه، بالساعات كنا نجلس هكذا لا ننتبه إلى الوقت إلَّا بمؤثِّر من الخارج، بليلٍ يَهبِط أو تليفون مُلِحٍّ يدقُّ، أو حدث غير عاديٍّ يقع، كتلك الجملةِ التي نَطَقَ بها عبد الله التومرجي وهو يُشِير إلى الدُّوسيه، جملة لم أكن أعرف أنها ستقودني وستقود شوقي إلى هذا الذي كان ينتظرنا بعد ظهر يوم الصيف ذاك.

٤

لم يقُلْ عبد الله أول الأمر إنه العسكري الأسود، كلُّ ما قاله ردًّا على استفسار شوقي: ده يا بيه مشكلته معقدة، وحالته حال، ما لنا احنا بيه؟! ما تسيبه للحكيمباشي لَمَّا ييجي الصبح يعرف شغله معاه.

كان شوقي في ذلك الوقت مشغولًا بإحدى عملياته الصغيرة، كان يبحث في دفتر الإشارات التليفونية التي تُرسَل للمكتب لتطلُبَ توقيعَ الكشف على العساكر أو الضُّبَّاط المرضى، وكان يفعل هذا لحكمة ومصلحة؛ فقد جرتْ عادتُه أن يجرد الإشارات ليَخْتار منها واحدةً يكون العنوان المذكور فيها قريبًا من عيادته إذا كان يريد الذهاب للعيادة، أو من بيته، ويختارها هكذا لكي يوفِّر على نفسِه ركوبَ الترام أو الأتوبيس أو استعمال عربته الخاصة؛ إذْ في هذه الحالة تقوم عربة المكتب الحكومية «الاستيشن واجن» بتوصيله خلسة بعد الانتهاء من المهمة، في محاولة بَحْثِه عن الإشارات عثر على الدوسيه، وبسؤال عبد الله عنه تطوَّع الرجل بذِكْر حكاية العُوَاء والهَبْهَبة، وما لبِثَ أنْ أعْقَبَها بتلك النصيحة، ونصائح عبد الله لم تكن مجرد نصائح، كانتْ في معظم الأحيان أوامر واجبة النَّفاذ؛ إذ رغم أنَّه تومرجي المكتب الذي بالكاد يُجِيد القراءة والكتابة إلَّا أنَّه لطول عهده بالعمل كان هو الحافظ الوحيد تقريبًا لكلِّ لوائح وقوانين القسم الطبي؛ وبالتالي المرجع الأساسي لحلِّ المعضِلات إذا نشبتْ معضِلات، وفتواه هي النافِذة؛ إذْ كان يثبت في النهاية ومهما ثار الحكيمباشي والأطباء عليه أنَّ رأيَه هو الصحيح، وهو الذي ينطبق تمامًا مع كلِّ ما جرتْ به اللوائح والقوانين، وشوقي بالذات كان لا يُناقِشه؛ إذْ كان أخوفَ ما يخافه أن تحلَّ الكارثة مرةً فيُخْطِئ في حقِّ لائحة من اللوائح أو قانون من القوانين، هو الذي بدا عدوًّا لكل قانون، أصبحتِ المسئولية هي عدوَّه الوحيد اللَّدود يفعل المستحيل ليتجنَّبها، ومستعدٌّ أن يَسِير أميالًا إذا كان في السَّيْر ما يُجنِّبه فقرة واحدة يتحمَّل فيها درهم مسئولية، إلى درجةٍ كان يُخيَّل إليَّ فيها أحيانًا أنه يودُّ لو يشِفُّ جسدُه ويشفُّ حتى يُصبِح كائنًا أثيريًّا لا يتحمَّل مسئولية إيجاد مكان له فوق سطح الأرض، أو نظرة يُلْقِيها عليه إنسان، ومع هذا تعجب لتمسُّكه بالحياة ونهمه إلى الدنيا بطريقةٍ يكادُ معها أن يَبْتَلِعها — لو استطاع — داخل جوفه.

أي كائن بالِغ التعقيد كان قد أصبحه شوقي!

المُهِمُّ، انتهزتُ فرصة النقاش الدائر بين عبد الله وشوقي ومددتُ يدي وتناولتُ الدوسيه؛ ملف خدمة ذلك العسكري، تناولتُه وقد انبثَقَ في نفسي حبُّ الاستطلاع الكامن تجاه هذا النوع من الدوسيهات، كثيرًا ما رأيتُها في أقسام المستخدمين، وقد دُمِغَتْ بكلمة: «سري جدًّا»، وكثيرًا ما أردتُ تقْلِيبَها، ووقف النظام الذي يقضي بألَّا يَطَّلِع عليها إلَّا الرُّؤساء — وفي حالات الضرورة القصوى — حائلًا بيني وبين ما أُرِيد، رحتُ أقلِّب صفحات الدوسيه الكثيرة أكثر من مائتي صفحة، في أوَّلِها شهادة ميلاد، وتوافُقٌ مُضْحِك أنْ أجِدَ أنَّ عباس محمود الزنفلي صاحبها وصاحب الدوسيه قد وُلِد في نفس العام الذي وُلدتُ فيه، والذي يسبق مولد شوقي بأشهر، كنتُ أتصوَّر صاحب الملف عجوزًا، أو على الأقلِّ في الأربعين، فإذا به، لدَهْشَتي، مِن نفس جيلِنا الحائر التعس، مضيتُ أقلِّب الصفحات، ما كان أشْبَهَ الملفَّ بكتاب ضخم، عن حياة إنسان! كان واضِحًا أنَّها من أولها مضطربة غير مستقرة لم تمشِ أبدًا على الصراط المستقيم، خدمتُه نصفُها الأول كلُّه جزاءات، تتراوَح بين الخصم والتكدير، وتقارير تمسُّ السلوك (رغم الشهادة المرفقة بالمسوِّغات، والتي يُقِرُّ فيها اثنان من الموظفين أنه حَسَن السير والسلوك)، ثم فصول أخرى تتعدَّد فيها حركته وتكثر التنقلات والانتدابات، وينتهي بذلك الخطاب المتوَّج بشعار مجلس الوزراء الذي يَطْلُب نقْلَه إلى حَرَس الوُزراء، ومن تلك الصفحة لا خصوم ولا إنذار، وإنما تُفاجَأ بقرارات بعلاوات، ثم أمر بتَرْقِيته إلى رُتْبة أومباشي، بعدَها قرار آخَر بتَرْقِيته استثنائيًّا إلى شاويش، ثم صورة من خطاب شُكْر وتقدير من وزير الداخلية، ثم صورة قرار آخَر بمنْحِه نَوْطَ الواجب من الدرجة الثانية «تقديرًا للجهد المشكور الذي بذَلَه في أداء واجِبِه والتفاني في خدمة مصالح الدولة العُليا.»

ولكن هذا كلَّه لم يستغرقْ من الدوسيه إلَّا أقلَّه؛ إذْ أغلب الصفحات كانتْ ما تلَتْ، وكلُّها طلبات بإجازات مَرَضية، وخطابات متبادَلة بين الحكمدارية ووزارة الداخلية، وقومسيون طبي المحافظة مؤرَّخ أوَّلها في نوفمبر ٤٩ وآخِرها بعد سنوات، وبالتحديد في اليوم السابق لذلك اليوم الذي كنتُ فيه مع شوقي في مكتبه، وَرَدَ خطابٌ أرسلتْه المحافظة إلى الحكيمباشي تطلُبُ فيه توقيعَ الكشف الطبي على نفس عباس محمود الزنفلي لإثبات عجْزِه الكاملِ تمْهِيدًا لفَصْله من الخدمة.

وما كدتُ أنتهي من إغلاق الصفحة الأخيرة حتى كانتْ أذني تلْتَقِط أُخْرَيات الحوار الدائر بين شوقي والتومرجي، والأخير يقول وكأنَّه يُهِمُّ بإطْلاعِه على سِرٍّ: عارفشي حضرتك عباس محمود الزنفلي يبقى مين؟

وقبل أنْ ينطق شوقي أو يسأل، وجدتُ عبد الله يقول: ما هو ده اللي كانوا بيسمُّوه العسكري الأسود يا بيه، حضرتك ما سمعتش عليه ولا إيه؟!

ولم يُجِبْ شوقي، كلُّ ما حدث أنَّه ثبتَ على وضْعِه وثبتَتْ ملامِحُه على تعبيرها السابق، لم يقُلْ شيئًا، ولم يُدهَش أو يستَنْكِر، ظلَّ هكذا وقتًا، ثم دون أن يُغيِّر من وضْعه أو يتحرَّك شيء في ملامِحِه مدَّ يده وتناوَل مني الدوسيه، ومضى يقلِّب صفحاته صفحةً صفحةً، وبإمعانٍ تقرأ عيناه كلَّ سطر، وأيضًا دون أن يَخْتَلِج وجهُه أو لسانُه أو وضْعُه بانفعال، كم من الوقت مضى على شوقي وهو يقرأ؟ الله وحده يعلم! إذْ كنتُ في الحقيقة مَشْغُولًا عن الوقت بما هو أعظم، بالاهتمام البالِغ الذي لفرط خطورته غيرُ بادٍ على شوقي، ولكنَّك تُحِسُّ وجودَه، تكاد تلمسه، تعتَقِد لا بُدَّ أنَّ شوقي تحوَّل إلى كتلة اهتمامٍ رابِضةٍ تقرأ وتقلِّب الصفحات، أوَّلَ مرةٍ في علاقتنا طوالَ سنين أراه يُكرِّس نفسه كليةً لشيء، فنفسه دائمًا كانتْ كالأشعة المارَّة من خلال عدسة مقعَّرة لا تسقط على شيء بذاته أو لذاته، ولا تتركَّز في نقطة، وكلَّما حاولتْ تبدَّدتْ وتفرَّقتْ، وكأنما هناك تنافُر مشحون بين أجزائها يمنعها أن تلْتَقِي أو تتوحَّد، كان دائمًا معك ومع نفسه ومع أشياء أخرى لا تَمُتُّ بصلةٍ إلى الزمان أو المكان.

٥

الحقيقة كنتُ أشعر بسرورٍ صِبْياني الطَّعْم وأنا جالسٌ بجوار شوقي في المقعد الخلفي للعربة الحكومية، وسائقها يستغلُّ سُتْرَتَه الرسمية في ارتكاب ما شاء من مُخالَفات، وفي المضي بسرعة مجنونة غير حافلٍ بشتائم المارَّة والسائقين، أو مُجِيبًا عليها في سِرِّه — تأدُّبًا — بأقبح منها، وبجواره عبد الله التومرجي لا يكفُّ عن الحديث، ولا يكفُّ عن إلْحاحِه المَقِيت بأنْ نتْرُك الموضوع للغَدِ وللحكيمباشي، والضيق بالمهمة بادٍ عليه، وكأنَّ الكشْفَ على زميلٍ له «لتَشْريكه» وفصْله مسألة تُزْعِجه، ويأبَى أن يَشهَدها أو يكونَ طَرَفًا فيها، والصامت الوحيد تمامًا فينا كان شوقي، كان قد نحَّى الابتسامة التي كان يُعقِّم بها ملامِحَه كي لا تنمَّ عن انفعالٍ أو حماسٍ، ومضى — ربما للمرة الأولى وأنا معه — يفكِّر، ولا أظنُّ أنَّه كان يفكِّر، ولكنَّ عقْله بالتأكيد كان يقوم بعملٍ ما في تلك الدقائق التي استغرقَتْها الرِّحلة إلى «قلعة الكبش» حيث كنا ذاهبين، عمل جادٌّ خطير، ما في ذلك شك، تُحِسُّ إذا نظرتَ إليه أنَّه يُحرِّك أعماقَه ويَرُجُّها بطريقةٍ تئِنُّ معها أنينًا صامتًا وتتلوَّى، تلك التي قد ظننتُ أنها مثل قلب الشجرة أو النخلة حين يجفُّ قد يبستْ من زمن وماتتْ.

ولم يكن سروري بغير مبرِّر، كنتُ رغم كلِّ ما كتبَتْه الجرائد عن العسكري الأسود لا أكادُ أصدِّق احتمالَ وجودِه الحقيقي، بل حتى لم أكن قد صدَّقتُ عبد الله وهو يؤكِّد لنا أنَّ «عباس» هذا هو العسكري الأسود، لأمرٍ ما كنتُ أوقف إيماني بوجودِه وحقيقته إلى أنْ أراه رأْيَ العين وأُحادِثَه؛ ولهذا ارتضيتُ، بل طلبتُ من شوقي أنْ أصحَبَه، ولم تكن المرة الأولى التي أصحبه، ولكنها المرة الأولى التي أطلب فيها أنْ أصحَبَه، ولم يكن الأمرُ مجرَّدَ حبِّ استطلاع، كان أكثره أن العسكري الأسود، مثله مثل السجون والإرهاب والأمجاد والكفاح المسلَّح، علامة رئيسية من علامات جيلنا، كيف تفوتُني رؤْيتُها؟!

أردتُ أن أسأل شوقي عن حقيقة دَوْر العسكري الأسود؛ هو الذي سُجن، ولا بدَّ أنَّ لدَيْه الحقيقة. أردتُ رغم كلِّ تجاربي السابِقة الفاشِلة معَه؛ إذْ في كلِّ مرة كان يَرَى السؤالَ يتراقَص على لساني، أو يتخذ شكل الكلمات، كنتُ أُفاجأ بنظارة الخيل التي تهبط في الحال، ومن مكان خفي وتجعله يشغل نفسَه مشغوليةً عُظْمى بما في يَدِه أو بالمريض الذي يَسْحَب له السائل من بطْنِه، وبتلك الطريقة يبدو وكأنَّه يُنكِر، ليس عليَّ وإنَّما على نفسِه، أنَّه سمع مجرد السؤال، هذه المرة ورغم الظرف الحادِّ تنكَّر أيضًا للسؤال ولاذَ بالعملية الغريبة الدائرة في عقله، ولكنِّي لم أيْأَس أعدتُ السؤال وألحَحْتُ، وظللتُ أبسِّط ما أُرِيد وأسهِّله إلى الحدِّ الذي أصبح مجرَّد أن أعرف إنْ كان قد قُدِّر لشوقي في أثناء سجْنه أن يَرَى العسكري أو يمرَّ به، وراحة عميقة ممزوجة بالدهشة والوَجَل والاستنكار، وأوَّله استنكار نجاحي، هو ما أحسسْتُه وشوقي أخيرًا ينطق ويُجِيب: أيوة، حصل.

راحة كراحة وكيل النيابة حين يظفر، لا بعد ليلة، وإنما بعد مئات الليالي، بعد سنين، ببارِقةِ كلمة يَنْطِقها شاهدٌ، أو يَلْمَح شبحَ اعتراف. وفي الحال سألتُه: يعني كلام الجرائد كان صحيح؟

قال شوقي بعد وقْفة تردُّد: جايز، إنما العسكري الأسود كان بالنسبة لنا شيء تاني، شيء غير الحاجات الجنسية والكلام الفارغ اللي سمعت عليه، شيء تاني خالص.

وهذا الشيء الثاني هو ما رحتُ مستعمِلًا كلَّ مقْدِرَتي على الاستدراج أسأَلُ شوقي عنه، وأزْدادُ إلحاحًا، ساعَتَها لم أظفر منه إلَّا بكلمات قليلة ومعظم الأحيان أصوات مدغومة صادرة عن إنسان مشغول بما هو أخطر مما تنقله له أذناه، أو كلُّ حواسِّه، ولم يُقدَّر لي أن أعرِفَ إلَّا فيما تلا ذلك من أيام، وإلَّا من النُّتَف المتفرِّقة التي استطعتُ أن أختَلِس النظرَ إليها في البحث السِّرِّي الذي انشغَل شوقي بكتابته وتعمَّد أن يُخْفِيَه عنِّي، ولا أُريد أن أصوِّر الأمرَ على أنَّ ما عرَفتُه كان التفسيرَ الكاملَ لسلوك شوقي الغريب بعدَ خُروجِه من السجن، فالحكاية حينئذٍ تبدو ساذجة كحكايات الأفلام وتمثيليات الإذاعة، إنسان يدخل سجنًا بشخصية ويخرج بشخصية أخرى مختلفة، ويظلُّ سِرُّ هذا التغيُّر يؤرِّق صديقًا له إلى أن يَبْدَأ شيءٌ يحدُثُ وتنفكُّ العُقْدة، ويتكلَّم البطلُ ويفسِّر اللغزَ، وتنتهي المشكلة.

ليتَ الإنسانَ كان كذلك، ليتَه كان كمسائل الحساب أو تمارين الهندسة يخضع لقانون واحدٍ أو تفسِّره بضع نظريات، ليته لم يكن ذلك الكائن الذي لا تزيدنا معرفتُنا به إلَّا تصْعيبًا لمهمة فهْمِه، وأيُّ حقيقة نكتَشِفها عنه ويُخيَّل إلينا أننا بها وصَلْنا إلى سِرِّه لا تفعلُ أكثرَ من أن تُضِيء الطريقَ إلى مناطق كنا نجْهَلُها، مناطق في حاجة إلى اكتشافات أخرى لا يفعل اكتشافُها إلَّا أن يَزِيد من حاجتِنا لكشْف حقائقَ أكثر، التغيُّر الذي حدث لشوقي لم يكن من ذلك النوع الذي يرجع لسببٍ معيَّن أو وراءَه سِرٌّ، ولم يكن سكوت شوقي وعزوفه عن الحديث في السياسة أو مزاولتها مثلًا بسبب عُقْدة نفسية تكوَّنتْ له أو خوف، كان ما حدث لشوقي شيئًا آخَر، شيئًا يشبه خروج الفراشة من دودة الشرنقة، أو تحوُّل الخشب بفعل النار إلى رماد، وليس معنى هذا أيضًا أنه كان قد تحلَّل وفسد، بالاختصار كنتُ قد بدأتُ — خاصةً في الفترات الأخيرة — أتبيَّن أني كنتُ على خطأ، وأن محاولاتي «لإنقاذ» شوقي كان لا يمكن أن تأتي بنتيجة؛ إذْ كنتُ أقوم بها باعتبار أنَّ ما حدث لشوقي كان مجرد تغيير أصابه، من الممكن جدًّا أن يُشفَى منه. الحقيقة بدأتُ أُدْرِك أنها غير ما كنتُ أتصوَّر تمامًا؛ فشوقي الذي دخل السجن لم يخرج منه، وإنما الذي خرج شخص آخَر له مزايا ومضار أخرى، وأقول «شخص» كنوع من التبسيط لا أكثر؛ فالذي خرج علينا كان كائنًا غريبًا أخطر ما فيه أنه لا يختلف كثيرًا عن شوقي الذي دخل، ولا عن ملايين البشر الذين كان يحفل بهم سطح الأرض حين انضمَّ إليهم شوقي بعد خروجه؛ فهو يتكلَّم مثلَهم، ويغضب، ويدبِّر أمور المستقبل، ويحب، وحتى حين يتحاشى الخوض في مواضيعَ بعينِها لا يختلف عنهم، الفرق لا يتَّضِح إلَّا هناك، وبعد طول دراسة ومعاشرة واهتمام غير عادي بالموضوع، هناك حيث تدرك، مثلما أدركتُ، أنَّ الخلاف بين شوقي الجديد وبقية الناس يكمن عميقًا، أعمق من طبقات التصوُّف، في الدافع ربما، هناك تدرك أنَّ شوقي وإنْ ظلَّ في ظواهره بشرًا، فهو في حقيقته لم يَعُدْ يَمُتُّ إلى البشر ولا إلى أنواع الآدميين المتعارَف عليها من عقلاء أو مجانين أو مرضى أو شواذ، باستطاعتك أن تقول إنه خرج ليكون نوعًا جديدًا قائمًا بذاته؛ إذ قد خرج ليَحْيَا بدافعٍ جديد تمامًا على الجنس البشري؛ فهو لا يحيا ليتكاثَر أو يتطوَّر، وإنما دافعه للحياة كان أن يهرب ويفر، وكأنه لم يَعُدْ يرى في الجنس البشري كله سوى جنٍّ وعفاريت، همُّها أن تنقَضَّ عليه وتعقره وتفتك به، هم جميعًا شياطين، وهو وحدَه الإنسان، أو هم جميعًا بشر وهو وحده الشيطان الذي يُعادونه ويتربَّصون به، ولن يهدءوا حتى يقضوا عليه، ومأساته كانتْ أنَّ عليه أن يظلَّ يَحْيَا على ظهر الأرض مع هؤلاء الذين يخاف منهم ويرهبهم، عليه أن يعاملهم ويتصرَّفوا في أمره ويتصرَّف في أمورهم ويُصادِقهم ويُزامِلهم، هو الذي ينتفض رعبًا منهم، لم يَعُد لحياته خطة أو إرادة أو هدف بعيد يسعى لتحقيقه ويدفعه للبقاء حيًّا، دافعه للبقاء أصبح أن يهرب، ليس مجرد هرب بسيط يمكنه معه أن يتنصَّل من تَبِعات الإنسان العادي فيطرحها جميعًا ويَسِير كالمجاذيب بلاد الله لخلق الله، أبدًا! عليه أن يهرب وهو موجود بينهم، الفرار حينئذٍ يصبح عمليةً معقَّدة بالِغة التعقيد، قد تستغرق العمرَ بأكْمَلِه، ما أغربه من كائن فقَدَ أمْنَه البشري! وكأنَّما عقَرَه كلبٌ من نفس الجنس، وخُيِّل إليه أنه نفَذَ بجِلْدِه من العَقْرة الأولى، فجنَّد نفسَه وحياتَه ليتحاشَى العَقْرة الثانية، وأصبح لا يرى في البشر غير قطيع من ذئاب أو كلاب أو شياطين لا يستطيع أن يهرب من أرضها إلى كوكب آخَر، أو يعتزلها في جزيرة نائية، قطيع يتربَّص به في كلِّ مكان، عليه أن يَلْقَى أفرادَه في كل وقت، ويحادِثَهم ويربط مصيره بمصيرهم، وعليه أن يفعل هذا دون أن يبدو عليه الذُّعْر، عليه أن يَسِير بينهم كما تمرُّ بالمكان الذي يعجُّ بالوحوش الخطرة ترتَجِف من الذُّعْر، آذانُك منتصبةٌ تتلقَّى أوْهَى الأصوات، وكيانك كلُّه مُهَيَّأ للجَرْي في أيةِ لحظة، ومع هذا فعلَيْك أن تُخْفِيَ كلَّ ما بك، عليك أن تَسِير وتَحْيا دونَ أن يبدو منك أقلُّ الخوف، تسير طبيعيًّا جدًّا، مطمئِنًّا جدًّا، تؤكِّد بنظراتِك وتعبيراتِك أنَّك غيرُ خائف أو مهتمٍّ، وأنَّك مبتسمٌ، وأنك فرحان أحيانًا، وغاضب أحيانًا أخرى، وأنك مثلهم بشر، أو مثل الكلاب كلب، بل حبَّذا لو بدوتَ أقوى وأقدرَ وأكثرَ ثقةً بنفسك وقواك، حياتُه لا هدفَ لها ولا خطةَ، ولا إرادة له فيها، ولا يريد من خلالها أن يصِلَ إلى أيِّ مأربٍ بعيدٍ أو قريب؛ إذْ مأربُه الوحيد أنْ يتجنَّبَ الخطرَ المتربِّص به كلَّ لحظة، فيَحْيَا اللحظةَ بلَحَظَاتها، ويبني حياته لا عن طريق أعمال يَضَعها فوقَ بعضِها ليكوِّن هرمًا شخصيًّا، ولكنَّه يَبْنِيها إلى أسفل، يحفرها تحت الأرض كجُحور متشعِّبة ملتوية معقَّدة كلَّما أحسَّ في جُحْر منها بالخطر فرَّ وانطلق يكوِّن جُحرًا آخَر، وغايةٌ وقتيةٌ سفليةٌ هروبيةٌ أخرى، إنه يعرفك ويُقِيم معك الصداقة أو الزمالة إمْعانًا في الهرب منك، ويُجاذِبك أطراف الحديث ليُلْهِيَك عن نفسِه، وينافِقك أو يصنع معك المعروف؛ لكي يَرْشُوَك، ويتزوَّج كي يهرب من مسئولية عدم الزواج، ويعمل في قومسيون طبي المحافظة لكي يفرَّ من البوليس والمباحث، حتى ولو كان الفرار إلى قلب البوليس، وهو لإدراكه أنه مُحاصَر بالجنس الخطر في كلِّ زمان ومكان يواجهه وحيدًا، إذا صرخ أو استغاث فلن يخفَّ أحدٌ لنَجْدتِه، بالعكس سيدركون جميعًا أنه وقع ويلتهمونه حيًّا؛ لهذا فاعتماده الكامل على نفسه هو أصدق أصدقائه، وصدره أنسب مكان لأسراره، وعليه أن يعمل جاهدًا لكي يبقى أكبرَ جزء من نفسه، بل كلُّ نفسه ورغباته وحَذَره وخوفه بعيدًا جدًّا عن الأنظار، داخل نفسه، وعليه أيضًا ألَّا يبدو وكأنَّه يُخْفِي شيئًا، حبَّذا لو بدا كثيفًا لا يَظهَر منه شيء على الإطلاق! حبَّذا لو احتوى كلَّ دنياه داخلَه، واختفى بكل ما يحتويه عن الدنيا! كائن غريب ليس له نفسية المجرم مثلًا، فهو لا يكره الناس أو يحقد عليهم، ولا يريد أن يؤذِيَ أحدًا، أو حتى كالمعقور المصاب بداء الكلب البشري همُّه أن يعقر الآخَرين، أبدًا، همُّه فقط أن ينجو، وإذا اضطُرَّ لإيذاء أحدٍ فهو يفْعَلُها بخبثٍ شديدٍ ويختار بعنايةٍ تامةٍ ضحيَّتَه، ولا يَفْعَلها انتقامًا أو ليُخِيف بها أحدًا ممن يُحِيطونه من المردة والجن، ولا حتى يقوم بالإيذاء دفاعًا عن نفسه كما يفعل أي مجرم، إنه يؤذي فقط لكي يموِّه على مَن حولَه من جانٍّ وكلابٍ، ويُثبت لهم أنه جِنِّيٌّ هو الآخَر، ليتنكَّر في زي الشياطين عسى أن ينجح في إخفاء حقيقة نفسِه عن الأنظار، تلك الحقيقة التي لا يَعْرِفها سواه، آهٍ لو عرفوها! آهٍ لو أدركوا رغبتَه العارِمة في البقاء حيًّا! رغبة أكبر من رغباتهم مجتمعين، رغبة عارمة في الحياة يؤرِّقها دائمًا الخوف الهائل المجنون من الأحياء.

ذلك هو الكائن الذي خرج من السجن وله نفس الاسم «شوقي»، الكائن الذي له كلُّ مظاهر البشر، وفي قرارةِ نفْسِه لا يَمُتُّ بصِلةٍ إلى البشر، بل يستعْمِل عقْلَه البشريَّ وكل ما منحَتْه الحياة للإنسان من مزايا ليفرَّ من البشر، ليبعد، ليختلف جذريًّا عنهم، ليبذل طاقات خارقةً كي يعمِّق هذا الاختلاف بمثل ما يبذل من طاقات خارقةٍ أخرى كي يُخفِيَه، وكي يبدوَ في الظاهر أكثر شبهًا بغيره من الناس، وأقرب إلى البشر من البشر نفسهم.

من حقِّكم أن تسألوني كيف عرَفتُ، وكيف وصَلتُ إلى حقيقة شوقي واكتشفتْها هكذا؟ ولن أبالِغَ وأدَّعي أني أدركتُ كلَّ هذا بنفسي ومجهودي؛ فصحيح أنني بذلتُ جهدًا خلال معرفتي الطويلة به كي أخمِّن أشياء وأبحث وراء المعاني المختفية لكلماته، وأدقِّق في تصرُّفاته التي كانت — مهما أجاد في إضفاء الأقنعة الطبيعية عليها — تتناقَضُ أحيانًا وتتضارب وينتج عن تضاربها شرارات تضيء وتدفع المهتمَّ إلى الاستقطاب والتنقيب وجمع الدلالات والخروج بنتائج.

صحيح كان شيء كثير من هذا قد حدث، ولكنَّ الصورةَ لم تكتَمِل في خاطري، ولم أبدأ أُدْرك وأعِي أني كنتُ في ظنوني وتخميناتي على حقٍّ، إلَّا عن طريق لم يحدث أنْ خطر ببالي أبدًا، من مصدر لم يكن بينه وبين شوقي أدنى صلة، فهل يمكن أن يتصوَّر أحدٌ أن تُوجَد صلةٌ بين الدكتور شوقي وبين «نور» زوجة عباس محمود الزنفلي، أو على وجْهٍ أصحَّ ما رَوَتْه نور عن عباس؟ أيمكن أن يتصوَّر أحد أنه خلال قصةٍ تحكيها عن زوجها تبدأ الخيوط المهملة في ذهني والناقِصة والمنسية تتكامل وتنتظم وتتضح، بحيث ما إنْ تنتهي حتى أكونَ قد وصلتُ إلى التصوُّر الكامل لذلك الكائن غير البشري الذي أصبحه شوقي؟!

ولكنها الحقيقة، ولنَعُدْ إلى ما حدث.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة