📰 آخر الأخبار
قصائد هايكو للياباني ناتسومي سوسيكي/بنيامين يوخنا دانيالآراء وأستنتاجات عن المشاركة في الحوارات والمحاضرات/تحقيق / علي صحن عبد العزيزفي الصباح/ محمد العنيزي- ليبياWhat Makes Us Human By Menda VRETOالمرأة التي هدمت عشها/وداد نبي- المانياقميصٌ من الحلم / عارف عبد الرحمنمن يحرس سوق الأصوات؟ السياسة والمال والرقابة في الانتخابات المغربية/هشام فرجيبناء الحب وإمكان هدمه / محمد الجلايديالمنطقة العربية ؛ مرافئ غير آمنة للمعرفة! الدكتور بليغ حمدي إسماعيلThe Three Thunders -Poem By Salim Elias Madaloمن الأنساق الحِسِّيَّة في الخطاب التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيترنيمة المرايا المنكسرة ونشيد البحر الأزلي / أ.حسناوي سيلميدعاء في حِداد / أ. عبدالكريم مرادالأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي/إبراهيم أبو عواد / الأردنآخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زامل
قصائد هايكو للياباني ناتسومي سوسيكي/بنيامين يوخنا دانيالآراء وأستنتاجات عن المشاركة في الحوارات والمحاضرات/تحقيق / علي صحن عبد العزيزفي الصباح/ محمد العنيزي- ليبياWhat Makes Us Human By Menda VRETOالمرأة التي هدمت عشها/وداد نبي- المانياقميصٌ من الحلم / عارف عبد الرحمنمن يحرس سوق الأصوات؟ السياسة والمال والرقابة في الانتخابات المغربية/هشام فرجيبناء الحب وإمكان هدمه / محمد الجلايديالمنطقة العربية ؛ مرافئ غير آمنة للمعرفة! الدكتور بليغ حمدي إسماعيلThe Three Thunders -Poem By Salim Elias Madaloمن الأنساق الحِسِّيَّة في الخطاب التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيترنيمة المرايا المنكسرة ونشيد البحر الأزلي / أ.حسناوي سيلميدعاء في حِداد / أ. عبدالكريم مرادالأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي/إبراهيم أبو عواد / الأردنآخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زامل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

العسكري الأسود – يوسف أدريس

٦

وإن يكن شوقي قد لاذَ ساعةَ أنْ سألتُه، بالعملية الغريبة الدائرة في عقله، إلَّا أني في مرات أخرى بعد حادثة اللقاءِ ظفرتُ من بعض زملائه القدامى الذين الْتَقَيْتُ بهم صدفة عنده، ظفرتُ بأشياءَ، فيها الغموض أيضًا، ولكنها، رغم غموضها، استطاعتْ أن تحدِّد الملامح الرئيسية لدَوْر العسكري الأسود في حياة شوقي وزملائه، دَوْره الخطير الثاني الذي لا يَمُتُّ بصلةٍ إلى الإشاعات الجنسية التي أطلقَتْها بعضُ الصحف عليه حين انكشَفَ أمرُه، وبعد زوال حكم الإرهاب وبداية مُراجَعة الجرائم التي ارتُكبتْ في ظِلِّه، كان عملُ عباس محمود الزنفلي هذا أنْ يَضْرِبهم، يضرب بعضَهم لكي يعترف، وآخَرِين لمجرَّد الضرب وهدِّ الكيان، الضرب بمختلف أشكال الضرب، بالعِصِيِّ، بالكرابيج، بالحذاء، بالنَّبُّوت، باليد العارية المجرَّدة، ولم يكن أسودَ كما وصفَتْه الصحف وأفاضتْ، كان فقط غامِقَ السُّمْرة ومن الصعيد، وكان مجرد مَرْآه بالهالةِ المحيطة به من أبْشَع القِصص يُثِير الذُّعْر في القلوب، كان طويلًا أطولَ من قامة الكثيرين، ولكنَّه ليس فارع الطول، وكان يبدو دائمًا مزهوًّا بنفسِه وبقوَّته، حتى على زملائه، إذا سلَّم على الواحد منهم ظلَّ يضغط على يده — لمجرد الضغط — حتى يتأوَّه صارخًا ويجثو، وحين يضرب كان مَن يراه لا يظن أبدًا أنه يَمُتُّ إلى الإنسان أو الحيوان بصلةٍ، بل ولا حتى للآلة؛ فالآلة لا تبدو على وجهها المتعةُ المتوحِّشة وهي تضرب، ويا للحظات قدومه ودخوله العنبر ودوران مفتاحه في القفل! كانوا يعرفونها تمامًا وباستطاعتهم أن يُميِّزوها عن غيرها حتى في الحلم، ويستيقظون — رغم خفوتها — على وقْعها، ومع كلِّ دورة من دوراتها تدور دوَّامات سريعة في صدر كلٍّ منهم يسقط فيها قلبُه ويَهْوِي، تُرى مَن عليه الدَّوْر؟ صوت خطواته وهو يجتاز الفناء الأسفل! التسمُّع الرهيب لوقْعها! آذانُهم وكيف تعلَّمتْ، علمها الذعر الأعظم، أن تتركَّز فيها الحياة كلُّها ويتضخَّم دَوْرها ليصبح كل العقل، ولتستطيع أن تميِّز بين الخطوات الذاهبة إلى زنزانة ٧ في الدَّوْر الأول والأخرى المتجِهة عبر الفناء إلى السُّلَّم حيث الدَّوْر الثاني، ومِن أول وقْع لأول خطوة على أول سلمة عليها أن تعرف إلى أيِّ دَوْر في نيَّتِه أن يصعد، فإذا اختار الدَّوْر عليها أن تُدْرك في وَمْضةٍ خاطِفة أي الزنازن يَقْصِد، كي تُعِدَّ نفسَها إمَّا إلى الرعب الهائل الْمُقيم، أقصى درجات الرعب، وإمَّا إلى استرخاءةٍ مرعوبة هي الأخرى وتنهيدةٍ حمدًا لله.

ويا لخسة ضربه! في الحياة العادية حين يتشابَك الناس ويتضارَبون ليس هذا بضرب، فإحساس المضروب أنَّ باستطاعته أن يردَّ الضربة يُخفِّف كثيرًا من وقِع ما يتلقَّاه، والألم الذي ينتج عنها يتبخَّر في الحال ويستحيل إلى حافِزٍ يدفع صاحبَه للهُجوم والانقضاض، بالاختصار أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرًّا أن تردَّه، أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقَّاه ولا حرية لك ولا حق ولا قدرة لديك على ردِّه، هناك تجرِّب الإحساس الحقيقيَّ بالضرب، بألَم الضرب، لا مجرد الألم الموضِعي للضربة أو الألَم العام الناتج عنها، إنما بألَم آخَر مصاحِب أبشَع، أقوى، ألَم الإهانة، حين تحسُّ أنَّ كلَّ ضربةٍ تُوجَّه إلى جزء من جسدك تُوجَّه معها ضربةٌ أخرى إلى كيانك كلِّه، إلى إحساسك وكرامتك كإنسان، ضربة ألَمُها مُبَرِّح؛ لأنَّها تُصِيب نفسَك من الداخل إصابةً مباشِرة لا يحجبها أو يخفِّف منها جلدٌ أو لحمٌ أو عظامٌ أو حريةٌ أو حقُّ الإنسان أن يتصرَّف كالإنسان ويردَّ، وهذه كلُّها دُروعٌ، لو تعلمون، عظيمة. إنَّ حرية الإنسان، حقُّه أن يرفض أو يقبل أو يردَّ الاعتداء، جزءٌ لا يتجزَّأ من جسده وكيانه ولحمه وجلده وأنسجته الواقية الحية، هي وليستْ ملابسه أو جدران بيته التي تحفظ عليه ماءَ حياته كإنسان، وتحمِيه، وهي التي إذا انتُزعتْ منه لا يموت، كما يحدث للسُّلَحْفاة إذا انتُزع غطاؤها، ليتَه كان يموت، ولكنَّه يبقَى إنسانًا منزوعَ الحق في حماية نفسه والدفاع عنها، فما بالُك إذا كان يُرغَم على أن يَنتَزِع هو بنفسِه هذا الغطاءَ، وتُجْبِره القوة الغاشِمة على السكوت، على تلقِّي الألَم والسكوت، على التنازل عن إنسانيته وحتى عن خصائص الحيوان فيه والسكوت؟ حين يستحيل إلى كومة عاريةٍ من لحمٍ خائفٍ مَذْعُورٍ لا تستطيع أن تعضَّ أو ترفس، عليها أن تتلقَّى الألَم وتسكت عليه، والسكوت على الألَم أشدُّ إيلامًا وإيذاءً من الألَم نفسِه، خاصةً إذا كنتَ أنت مَن تتولَّى إسكاتَ نفسِك، الضرب هذا النوع من الضرب، حين لا يَبْقَى أمامَك لكي تمنَعَ ألَمَه وعارَه إلَّا أن تحتَمِل وتصْبِرَ، أو تَقتُل نفسَك وتنتَحِر، عملٌ لا يستطيعه ويَقْدِر عليه معظمُ الناس، وحتى إذا قدروا فقانون الحياة نفسُه يرفُضه ويمنَعُهم من إتْيانه؛ إذْ كيف يُعقَل وأنت في موقف تُدافِع فيه عن نفسِك ووجودِك أنت تشرع في قتْل نفسِك ومحْوِ وجودِك؟ بالعكس، إنَّ أبشع ما في الأمر أنَّك لا تحتمل فقط وتصبر، ولكنَّك تزداد استمساكًا بالحياة، وتصِلُ بك حلاوةُ الرُّوح إلى درجةٍ مُخجِلةٍ في شدَّتِها وقوَّتِها، وهكذا في مقابل كلِّ ضربةٍ هائلةِ الألم عارمةِ القسوة مُهينةٍ تتلقَّاها من الخارج، تنهال عليك من داخِلِك وذاتِ نفْسِك ألفُ لعنةٍ، ألفُ طعنةٍ، ألفُ إحساسٍ مُخْجِل مُهِين تمزِّق أحشاءَك وتُذِيب كماء النار رُوحَك؛ لأنَّك لا تموت ولا تُريد الموت ولا تزال حيًّا تتمسَّك ذليلًا الحياة.

والأبشع هو مرْآه، مرأى الزنفلي عباس، العسكري الصعيدي الأسود وهو يضرب، ومنظره وهو يستمتع بتخريب كائن حيٍّ وإنسانٍ، والمضروب يتحوَّل أمامَه إلى كتلةِ اللحم المذعورة التي تصرخ في فزعٍ أعمَى فلا يفعَل مشهَدُها أكثرَ من أن يُغْرِيَه بالضرب أكثر، والتمتُّع بلذَّة الهَدْم أكثر، فيَمْضِي يضرب ويضرب سعيًا وراء الفرحة الكبرى، كمَن هدم جزءًا من بناء ويسعى بمتعةٍ وحشيةٍ كي يأتي عليه تمامًا، الضرب ذلك النوع من الضرب، حين يتحوَّل المضروبُ إلى أنقاضِ إنسان مذعورة، أنقاضٍ تتألَّم، وبوَعْيٍ تُحِسُّ بنفسِها وهي تتقوَّض إلى أسفل، وبإرادتها الخائفة تمنَعُ نفسَها من أن تردَّ، ويتحوَّل فيها الضارب إلى أنقاضِ إنسانٍ من نوعٍ آخَر، وكأنَّه إنسانٌ يتهدَّم إلى أعلى، يُسْعِده الألم الذي يُحدِثُه في ابن جنسه، ويستمتع بإرادة، وبإرادةٍ أيضًا يقتل الاستجابة البشرية للألَم في نفسِه فلا يكفُّ إلَّا ببلوغِ ضحيَّتِه أبشعَ درجات التهدُّم والتقوُّض، وبلوغه هو أخسَّ مراحل النَّشْوة المجرِمة التي لا يستَطِيعها مِن المخلوقات جميعِها ولا يستمتع بها غيرُ الإنسان المنحطِّ في الإنسان.

٧

كنا قد وصلنا في رحلتنا إلى حارةٍ لا تسمح بمرور العربة، رغم كل محاولات السائق لاستعراض براعته وإرغامها على المرور، فهبَطْنا، وبينما وقف السائق يذبُّ عن الاستيشن واجن جيوش الأطفال التي تجمَّعتْ عليها، سِرْنا نحن الثلاثة، عبد الله بنفس قبقابه يحمل الدوسيه وحقيبة الكشف ويُرِينا الطريق، وشوقي بجواري، ومع كلِّ خطوة يتضاعف شغفي وحبُّ استطلاعي لرؤية هذا المارد الأسود الذي أَرْعَب صفوةً بأكملها من أبناء جيلنا الموعود، تُراه كيف يبدو وقد دالتْ دولتُه من زمن وضاق عليه المصير؟ شغفٌ جعلني أسْهُو عن شوقي وأصمُتُ مثلَما صمَتَ، وأرحب بمحاولات عبد الله للتكاسل حتى يوازينا ويلقي في أسماعنا بجملة أو بذكرى يحملها لعباس محمود الزنفلي، كان واضحًا أنَّ تأفُّفَه من مهمة تشريك زميل له قد انتهى أو كاد، وكان واضحًا أيضًا أنه وقد ذهب الجرح عاد ليأخذ دَوْرَه المفضَّل، دَوْر العارف بكلِّ شيء، الحريص على أنْ يُرِيَنا أنه حتى في العسكري الأسود يعرف ما لا نعرف، ويتطوَّع أيضًا بالنصيحة وبتقديم المعلومات.

– دا شاف عز يا بيه! ولا العز اللي شافه فاروق! دا كان يدخل المحافظة ناقص يضربوا له نوبة سلام، كان يقدر ضابط من الضباط يكلمه وهو قاعد؟! كان ينقله على طول، حد منا كان يستجري يبص له ولا يهوِّب ناحيته؟! دا مرة، والله العظيم وشرفك انت يا سعادة البيه، وقع منه قدام عيني دي نص ريال ما رضي أبدًا يوطي ويجيبه! والله، لما كنت تشوفه راكب جنب سواق رئيس الوزراء، ولا دولة الباشا، وكان جبَّار، أعوذ بالله! والله بعيني دي مرة شفتُه قفلوا عليه الأوضة اللي في الدور الثاني بتاع المحافظة اللي قصاد المكتب الطبي على طول هو وواحد من السياسيين، وقعد يضرب فيه من صباحة ربنا، والجدع يقول: آي! ولا هو سائل فيه، ولغاية ما روَّحنا احنا الساعة خمسة، وشرفك سبناه بيضرب فيه.

– بطَّل كلام يا عبد الله، البيت فين؟

كان القائل شوقي، فوجئتُ وفوجئ عبد الله أيضًا بصوته يرتفع بالكلمات أعلى مما يجب بكثير، صوت لا أذكر أنَّ شوقي تحدَّث به أمامي أبدًا، كان كلامُه دائمًا يخرج وكأنَّه لا يُريدك أن تحسب أنَّه قائله، صوت جعل عبد الله يسكت في الحال وترتدُّ إلى وجهه تلك الصرامة النظامية التي كان كثيرًا ما يرفعها أمام الدكاترة الشبان، ونظرتُ إلى شوقي، لم يكن عابس الوجه أو مقطب الملامح، كان يبتسم بطريقة غريبة، وكأنَّه يبتسم بنصف وجهه الأسفل فقط، ابتسامةَ مَن يستمع إلى هاتف بعيد، قلت له هامسًا: إيه، افتكرت حاجة؟

بنفس الابتسامة قال: أبدًا، ح افتكر إيه؟

وهممتُ بالعودة لتأمُّل الدكاكين التي نمرُّ بها، والأطفال وهم يتجمَّعون حول موكبنا، لكنِّي بُهِتُّ حين وجدتُ شوقي يتخلَّى فجأة عن وقاره التقليدي ويُمْسِك بذراعِي ويَجْذِبني بعصبيةٍ قويةٍ ناحيتَه، ويهمس في أذني كطفلٍ قرَّر لأمرٍ ما أنْ يُفْضِيَ إليَّ بسرٍّ: إنت عارف مين اللي كان بيضربه العسكري الأسود في المحافظة ده م الصبح للمغرب؟ عارف مين؟

والْتَقَتْ أبصارُنا لومضةٍ كنتُ خمَّنتُ فيها الإجابة، وبينما أشعة ضاحكة سعيدة تخرج من عينيه خرجتْ كلمة لتؤكِّد: كنت أنا.

وآخِر ما كنتُ أتوقَّعه حدث؛ إذْ مرة أخرى وجدتُه يترك يدي وجانبي ويَمِيل ناحية عبد الله ويقول: هيه، وإيه كمان يا عبد الله سمعته عن عباس الزنفلي؟

ونظر عبد الله إلى رئيسِه نظرة تساؤل انقلب إلى قلقٍ وعدم ارتياح وسكت كأنَّما خوفًا.

وقال شوقي بلهفةٍ، وكأنما يستحثُّه: إيه سمعته كمان؟ قول.

وكأنما أيقن عبد الله أخيرًا أنها فرصة، فاندفع يتحدَّث ويُدلِّل على صِدْق أحاديثه بأنه أحيانًا رأى بنفسِه، وأحيانًا أخرى جاءتْه الأنباء من صاحب أو زميل، كيف رآه رئيس وزراء ذلك الحين في المحافَظة مرة وأعجبه فضمَّه لحرسه، وكيف أدْرَك مِن رؤيته له واحتكاكه به أنَّه ضالَّتُه المنشودة، وأنَّ له في القسوة وتحجُّر القلب باعًا، فأعطاه هديةً للبوليس السياسي، وكان عبَّاس نِعم الهدية، فمِن بين جميع الذين كان يُعهَد إليهم بضرب السياسيين كان هو أكثرهم توحُّشًا وتفانِيًا لا في تنفيذ الأوامر فقط، وإنما في اختراع وسائل أقسى وأنجَع للتنفيذ، وكانوا يقولون إنه حين يضرب يَفقِد وَعْيَه وصوابَه، ويصبح كالسكران أو المجنون، إلى درجة لم يكونوا يجرءون على تركه وحده مع الضحايا، فيلازمه في عملية الضرب رقيبان عملهما التدخُّل في الوقت المناسب لانتزاع المتهم حتى لا يفتك به عباس، وكانوا لا يستطيعون استخلاصَه إلَّا بصُعوبة وإلَّا رغمًا عن أنف عباس، وأحيانًا بالتكاثُر عليه وشلِّ حركته وتكتيفه؛ ولهذا كان الرقيبان يُختاران دائمًا من عساكر أقوياء أشداء، ورغم هذا ففي مرات كان يحدث أن يثور عباس عليهما ويأبى تسليم الضحية، وينهال عليهما ضربًا إنْ حاولا منْعَه، وكان يأتي في الصباح مع الباشا في عربته، وبعد انتهاء مهامه في سجن الاستئناف والمحافظة، وأحيانًا نادرة في نفس غرفة رئيس البوليس السياسي، كان يعود ليركب بجوار سائق عربة رئيس الوزراء في أثناء موكب العودة، وقد تمنطق بالمسدس الضخم ذي الكردون الأحمر، ويقولون إنه كان في بيت رئيس الوزراء كأحد أهْلِه، يأكل هناك، ويأخذ البقشيش من الهانم الكبيرة، ويجود عليه الباشا بالمِنَح السخية وعلب السجاير الفاخِرة، والعُهْدة على الرُّواة، ولكنهم كانوا يقولون إن الباشا بالذات كان معجبًا أشدَّ الإعجاب بقوامه الفارع المستقيم، وكان يعتبره نموذجًا للرجل الكامل، وكثيرًا ما كان يأمر بإحضاره أمامَ ضيوفه في الصالون، والأجانب منهم بصفة خاصة، ليُفرِّجَهم عليه، ويجعله يقف يستعرض قوامه وبناءه وعضلاته أمامَهم، فخورًا به باعتباره اكتشافَه الخاص، وكم من تأوُّهات كانتْ تصدُر عن السيدات الزائرات لمرْآه!

وإلى هنا لا أدري لماذا سكت عبد الله عن حديثه، ربما لإدْراكِه أنَّه تكلم أكثر مما يجب، أو فيما لا يجب، ربما لفراغ ما في جعبته، ربما للنظرة المختلسة التي ألْقاها على الدكتور شوقي ورأى منها أنَّ شغَفَه بالاستماع كان قد هبَطَ إلى درجة الانصراف عنه، وعنَّا كليةً، وعاد مرة أخرى يبتسم بنصف وجهه الأسفل ابتسامةَ مَن يحاول الإنصات إلى هاتف بعيد.

٨

كان الباب الذي أوقفنا عنده عبد الله التومرجي لا يمكن أبدًا أن يَمُتُّ لبيت، فهو لا يُشبِه بيوت المدينة الفقيرة، وكذلك لم يكن كوخًا أو دارًا من دُور القرى المبنية بالطين، لكأنَّه الحلقة المفقودة بين الكوخ والبيت ومنازل القرية والمدينة، ولم نكن قد وصلْنا إليه إلَّا بقَطْع عددٍ لا يُحصى من الأزِقَّة والحواري، بعضها تهبط إليه بسلالم، وبعضُها تصِلُه بعد أن تجتاز أكوامًا عالية من تراب، هي في الحقيقة أطلال بيوت تهدَّمتْ وسقطت ولم تَجِدْ أحدًا يُزيل أنقاضها وبقاياها، فتحوَّلتْ إلى تلالٍ تسدُّ حارةً أو تصنع هضبة بين شارعين.

دقَّ عبد الله الباب، وطال دقُّه دون أن نظفَر بجواب، حتى خُيِّل إلَيْنا أنْ لا أحد هناك، وبدأْنا نشكُّ أنْ يكون هو البيت المقصود، ولكنَّ عبد الله راح يؤكِّد لنا أنَّه لا يمكن أن يكون قد أخطأ، وزيادةً في التأكيد مضى يدقُّ بجماع يده، وخُيِّل إلينا أخيرًا أننا نسمع أصواتًا مختلطة في الداخِل، وارتفع دقُّ عبد الله حتى وجَدْنا الباب تحت تأثير الدقِّ ينهارُ وينفتح من تِلْقاء نفسه، ومن الباب المفتوح رأينا صالةً واسعةً كفِناء دوار عمدة أُقِيم في قلب القاهرة، صالة خالية من كلِّ شيءٍ إلَّا من كنبة بلدي «شلتة» أو مساند تحتل أحد الأركان، وفي وسط الصالة تقريبًا «طشت» غسيل مقلوب تقف عليه دجاجة تنقب بمنقارها في التراب والطين القليل اللاصق بقاعه علَّها تظفر بغذاء، فلا يفعل تنقيبها إلَّا أن يجعل منقارَها يرتَطِم بالطشت الرَّنَّان في دقاتٍ منتظمةٍ مُمِلَّة، تصاعد رفيعة مُلِحَّة رنَّانة، لا تفعل أكثر من أن تزيد الكآبة في الصالة الواسعة الخالية.

لم يَبْقَ الحال هكذا ولا بقِينا واقِفِين متردِّدين بين العودة والبقاء طويلًا؛ فقد فُتح بابٌ جانبي وخرجتْ منه امرأةٌ نحيفةٌ قصيرةٌ بيضاءُ ذات عيونٍ سُود غائرةٍ كعيونِ نساء شمال الدِّلتا ومنطقة البُحَيْرات، وإنْ كان الوَشْم المثلَّث تحت شفَتِها السُّفلى على ذَقْنها علامة صعيدية أكيدة، عيون فيها بريقٌ يَفْهَمُه الذَّكَر وحدَه، ولكنها هزيلةٌ شاحبةٌ، بالتأكيد لا تزيد نسبة الهيموجلوبين في دمها على الربع، وفي وجهها «قوبة» في حجم الريال، وكانتْ حافية، قدماها صغيرتان كأقدام الأطفال أو الصينيات، ترتدي في عزِّ الصيف جلبابًا كزيِّ الفلَّاحات من الكستور، جلبابًا مهرَّأً يُظهِر قميصَ نوم أصفر نظيفًا، خرجتْ من الحجرة مندفِعةً، وكأنما هاربة من شرٍّ، وحين لمحتِ الباب الخارجي مفتوحًا ورأتْنا، ثلاثة رجال طوال يسدُّون فتحتَه شَهِقَتْ، وفي الحال اختفتْ داخلَ حجرة أخرى، وتركتْنا واقِفِين نعجب ونقلِّب الأنظار في الصالة، بينما الدجاجة التي كان قد أفْزَعَها خروجُ المرأة ما لبثتْ أن عادتْ بعد اختفائها تعتلي الطشت، وعاد منقارها يصدر ذلك الدقَّ المنتظم الرنان الكئيب.

وبزهق رفع عبد الله كفَّه وأهوى بها على الباب المفتوح في ضربة قاصِمة، انزعجَتْ لها الدجاجة، وشتَّتَتْ شملَ السكون، وارتفع صوتُه فارغ الصبر مزعجًا هو الآخَر يقول: ياللي هنا.

وفُتِح الباب وخرجتِ المرأة الصغيرة، وقد ارتدتْ ثوبًا مُهَلْهَلًا أسودَ، بينما لفَّتْ رأسها بثوبها الكستور الذي كانتْ ترتديه، ومضَتْ ناحِيَتَنا تتعثَّر في مشيتها وتقول: اتفضلوا.

وباختصار، وقبلَ أن تصِلَنا أو تشرع في الدخول كان عبد الله قد شرح لها السبب في حضورنا، ولدهشتي وجدتُه قد ضمَّني إلى البعثة وأخذ يتحدَّث عنَّا باعتبارنا «قومسيون طبي المحافظة» وقد جاء «بكامل هيئته».

واستغربتُ أن تفهَم المرأةُ كلَّ شيء لأول وهلة، لا بُدَّ أننا لم نكن أول «قومسيون» ندخل البيت، وإن بدا واضحًا أننا آخِرُهم.

وحين انتهى مِن إخبارِها لم تفعل أكثر من أنَّها أطرَقَتْ مستسْلِمةً، ومرة أخرى قالت: اتفضلوا.

– إنتي مراته؟

– أيوه يا سيدي.

– وهوه فين؟

– نايم جوه.

وللمرة الثالثة قالت: اتفضلوا.

وبلهجة آمرة قال عبد الله: قدام البهوات، ورِّيهم السكة.

ولكنها بدلًا من هذا وقفتْ لا تعرف ماذا تقول، وأخيرًا قالتْ مُشِيرة إلى الكنبة في ركن الصالة: بس والنبي، تستريحوا هنا دقيقة، دقيقة واحدة.

ولم نعرف لطلبها هذا سببًا، ومع ذلك وجدنا أنفسَنا نأخذ طريقًا إلى ركن الكنبة، وبينما قررتُ أن أخضَعَ للأمر الواقع وأجلس آثَرَ شوقي أن يظلَّ واقفًا، وبالتالي أجبر عبد الله أن يظلَّ كذلك.

وكانتِ المرأة قد تركتْنا ودخلتِ الباب الأول، وسمِعْناها تتحدَّث دون أن يُجِيبها صوت، ثم رأَيْناها تخرج وتختَفِي في الحجرة الثانية وتحضر شيئًا تُوارِيه في ثوبها عنَّا وتدخل به نفس الباب الأول، وتظلُّ خارجةً داخلةً، ونحن صامتون نتابعها بأنظارنا، والسكون مخيِّم لا يقطَعُه سوى دقات الدجاجة المنتظمة على صفيح «الطشت» وقد أصبح لا يزعجها أو يوقفها عن الدق دخول أو خروج.

وأخيرًا بدا أنَّ المرأةَ قدِ انتهتْ من رحلاتها؛ إذْ جاءتْ ووقفتْ قريبًا منَّا، وقال عبد الله بتأنيب شديد: مش خلاص؟ الدكاترة مستعجلين، إحنا ورانا قومسيونات تانية كتير.

وأخفَتْ فمَها في جلبابها الطرحة وهي تقول: أيوه، حاضر، دقيقة واحدة بس.

وانفجر عبد الله: هي دقيقتكم إيه، ساعة؟ ولا باينها يوم!

وظلَّتِ المرأة واقفةً لا تتحرَّك ولا تجيب، ثم بدا وكأنَّ هذه الوقفة القصيرة قد أرهقَتْها؛ إذْ ما لبثتْ أنْ سحبتْ جسدَها إلى أسفل وجلستِ القرفصاء مُسنِدة ظهرَها إلى الحائط.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة