بناء الحب وإمكان هدمه / محمد الجلايدي

الحب الذي بُني داخل الزمن يمكن أن ينهار داخل الزمن نفسه؛ فبناء الحب لا يمنحه حصانة دائمة، لأن العلاقة التي تستمر تحتاج إلى أن يتجدد ما أقامها من احترام وتقدير وثقة واهتمام وتبادل. ولذلك لا يحدث الانهيار عادةً لأن الحب اختفى فجأة، وإنما لأن العناصر التي كانت تحفظه أخذت تتآكل، أو لأن اختلالًا طرأ على العلاقة ولم يُعالَج.
وقد يبدأ الانهيار من انقطاع التبادل: حين يصبح العطاء من طرف واحد، أو حين تتكرر اللامبالاة، أو يشعر أحد الطرفين بأن اهتمامه لا يجد استجابة. ثم يتسع الشرخ حين يتراجع الاحترام والتقدير، أو تتراكم خيبات صغيرة لم تجد طريقها إلى المعالجة. ومع تراكمها تتحول العلاقة من مجال للطمأنينة والقرب إلى مجال للعتاب والحذر والدفاع عن الذات.
ويكون الاختلاف في الرغبات والحاجات عاملًا آخر في الانهيار؛ فحين لا يجد أحد الطرفين استجابة كافية لحاجاته الوجدانية أو الجسدية، أو حين يعجز الطرفان عن التوفيق بين رغباتهما، قد ينشأ شعور بالحرمان أو الجفاء. ولا تكمن المشكلة في اختلاف الرغبات ذاته، وإنما في العجز عن تدبير هذا الاختلاف داخل العلاقة.
وقد يحدث الانهيار أيضًا عندما يتغير تأويل العلامات. فالنظرة التي كانت تُقرأ بوصفها اهتمامًا قد تُقرأ لاحقًا بوصفها برودًا، والصمت الذي كان مفهومًا بين المحبين قد يصبح غموضًا، والقرب الذي كان مصدر أمان قد يتحول إلى مصدر توتر. وهنا لا تتغير الأفعال وحدها، بل يتغير معناها داخل وعي الطرفين، فيبدأ التواصل في فقدان قاموسه المشترك.
ومع استمرار هذا التآكل، تتراجع مساحة المشاركة ويزداد الانفصال: يقل الفرح المشترك، وتضعف المؤازرة في الحزن، ويصبح التسامح مع الأخطاء الصغرى أصعب، وتتحول الأخطاء العابرة إلى أدلة تُستحضر ضد الآخر. عندها قد لا يكون الانهيار نتيجة حادث واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الشروخ الصغيرة التي لم تجد ما يصلحها.
إن طرفي علاقة الحب لا يمكن أن يكونا متطابقين تمامًا؛ فلكل شخصية خصائصها الجسدية والوجدانية والعقلية التي تتبلور في الطباع وأسلوب الحياة. لذلك فإن رابط الحب يجمع الطرفين داخل حيز يشكل قاسمًا مشتركًا بينهما. وهذا القاسم المشترك لا يظل ثابتًا، بل يخضع، بدوره، لحركة دائمة من المد والجزر: فالمد يوسّع مجال التقارب ويوهّج العلاقة، والجزر يضيّق هذا المجال ويخلخل تماسكها. وكلما اتسع حيز القاسم المشترك نما التواصل وتعزز الشعور بالقرب، وكلما ضاق الحيز وجد الاغتراب منفذًا إلى العلاقة. ومع اتساع الاغتراب وضعف التواصل، تكثر اللغة الحجاجية والاحتجاجية، ويختلط الفهم بالتأويل، فتتحول الكلمات نفسها من جسور للتقارب إلى أدوات للدفاع والمواجهة.
ومن هنا يصبح انهيار الحب، في عمقه، مسارًا تدريجيًا لا قرارًا مفاجئًا. فكما يُبنى الحب بالتبادل، يمكن أن ينهار باختلال التبادل؛ وكما يقوى بالاحترام والتقدير والتواصل، يمكن أن يتآكل بفقدانها؛ وكما يمنحه الزمن عمقًا، يمكن للزمن نفسه أن يكشف تراكم ما لم يُعالج. وليس الانهيار دائمًا انطفاءً كاملًا للحب؛ فقد يبقى شيء من العاطفة بعد انهيار العلاقة، لكن ما ينهار هو قدرتها على أن تكون علاقة حية قابلة للاستمرار في الوهج.
وحين يبلغ التآكل مداه، ويجتاح اليأسُ ما كان يحمله الطرفان من أمل في استمرار العلاقة، ينتقل الأمر من مجرد المعاناة إلى التفكير في القرار. وهنا تبدأ الذات في مواجهة مفارقة مؤلمة: أن يتولى العقل مهمة اتخاذ قرار ترفضه، أو تتردد في قبوله، المشاعرُ والوجدان. فيُحمل الإنسان نفسه على ترجمة القرار في السلوك، حتى وإن ظل الوجدان مشدودًا إلى ما يريد العقل وضع حدّ له.
لذلك تبدو كثير من حالات إيقاف علاقة الحب مخضبة بمشاعر متداخلة، من قبيل الحزن والندم والحنين والأسى؛ إذ لا يعني اتخاذ قرار الانفصال بالضرورة أن الوجدان قد تحرر في اللحظة نفسها من آثار العلاقة. وقد يمتد أثر القرار إلى الذات العضوية التي تدخل بدورها في موجة من الألم، وكأن العقل، حين يحسم أمر العلاقة، لا يستطيع أن يلغي دفعة واحدة ما راكمه الوجدان داخل الزمن.
وهذه المفارقة بين حسم العقل واستمرار الوجدان تجد تكثيفًا فنيًا بالغًا في أغنية أم كلثوم «قصة الأمس» للشاعر أحمد فتحي، من تلحين رياض السنباطي. (١)
فالأغنية لا تقدم الانفصال بوصفه مجرد قرار بارد، وإنما تصوره بوصفه قرارًا يُتخذ في مواجهة قلب لم يتوقف بالضرورة عن الشعور. ومن هنا تأتي قوة التعبير فيها: فرفض العودة ليس دليلًا على غياب العاطفة، بل قد يكون، على العكس، نتيجة لما بلغته المعاناة من حدّ جعل العقل يتدخل لحماية الذات من استئناف علاقة فقدت شروط استمرارها.
تقول أم كلثوم بالغناء وبصوتها الطروب:-«أنا لن أعود إليك مهما استرحمت دقات قلبي.. أنت الذي بدأ الملالة وخان حبي.. فإذا دعوت اليوم، قلبي للتصافي لا لا لن يلبي..»
وتكمن المفارقة الدلالية في الأغنية أنها لا تنفي أثر الحب، وإنما تعلن قدرتها على مقاومة استجابتها له. فثمة قلب يدعو إلى الاستمرار، وعقل يفرض التوقف؛ وثمة ماضٍ عاطفي لم يُمحَ، وحاضرٌ يتطلب قرارًا؛ وثمة حب قد تبقى آثاره.
وهكذا تتحول الأغنية إلى صورة مكثفة للحظة التي يصبح فيها قرار الانفصال انتصارًا للعقل على استمرار الوجدان في علاقة استنفدت شروط وجودها.
——
(١) أغنية قصة الأمس، للشاعر أحمد فتحي من تلحين رياض السنباطي، غنتها أم كلثوم سنة 1958 في أول مرة، ثم من بعد في العديد من حفلاتها الطربية.
يتبع



