الحب بوصفه استجابة للذة والألم/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

١-من الإحساس إلى الانجذاب:
لا يبدأ الحب، بالضرورة، حبًّا؛ إذ تسبقه لحظة أولى من الإحساس بالمحبوب، حين يدخل الآخر مجال إدراكنا بوصفه شخصًا متميزًا عن سائر الأشخاص. نراه، نسمعه، نلتقيه، أو ننتبه إلى حضوره بطريقة تجعله ينتقل من مجرد وجود في محيطنا إلى موضوع لانتباهنا.
والانتباه هنا ليس مجرد عملية إدراكية محايدة؛ إذ قد يكتسب الآخر، منذ اللحظة الأولى، قيمة خاصة في وعينا. نبدأ في ملاحظته أكثر من غيره، وتستوقفنا ملامحه، وطريقته في الكلام، وحركاته، وحضوره، وما يصدر عنه من تعبيرات. وهكذا ينتقل الإحساس بالموجود إلى انتباه موجَّه إليه.
ومن هذا الانتباه يمكن أن يتولد الانجذاب. والانجذاب، في هذه المرحلة، ليس حبًّا مكتملًا، وإنما هو استجابة أولية تجاه الآخر؛ استجابة تجعل حضوره مختلفًا عن حضور الآخرين، وتجعل الذات أكثر استعدادًا للالتفات إليه والاقتراب منه.
وهنا تدخل اللذة بوصفها عنصرًا أساسيًا في هذه العملية. فقد يولد حضور الآخر في النفس إحساسًا بالارتياح أو البهجة أو الأنس أو الإثارة الوجدانية؛ أي إن وجوده يصبح باعثًا على حالة وجدانية مرغوبة. ومن ثم لا يعود الآخر مجرد موضوع للإحساس، بل يصبح مصدرًا محتمَلًا للذة.
٢-لماذا نريد المحبوب؟
من هنا يمكن الانتقال من اللذة إلى الرغبة. فإذا كان حضور الآخر يولد فينا لذة، فإن النفس قد تتجه إلى استبقاء هذا الحضور أو تكراره. وهنا تتحول الاستجابة الوجدانية إلى رغبة: نريد أن نرى الآخر، وأن نسمعه، وأن نكون قريبين منه، وأن نستعيد تلك الحالة التي يولدها حضوره فينا.
وبذلك يمكن أن تتخذ العملية مسارًا متدرجًا: إحساس- لذة- رغبة- استمالة- تقارب- حب. لكن هذا التسلسل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل نحب لأن الآخر يمنحنا اللذة، أم أن الحب، بعد أن يتشكل، يجعل مجرد حضور الآخر نفسه مصدرًا للذة؟
ففي البداية قد تكون اللذة مرتبطة بما ندركه في الآخر من صفات أو سلوك أو حضور؛ لكن مع استمرار التقارب وتراكم التجربة، يمكن أن تتحول العلاقة نفسها إلى مصدر للذة. عندئذ لا تعود الذات ترغب في الآخر فقط لما يمنحه لها من متعة محددة كالجنس مثلا، وإنما يصبح الآخر في ذاته مرغوبًا، ويصبح حضوره قيمة وجدانية قائمة بذاتها.
ومن هنا يبدأ الانتقال من الانجذاب إلى الحب. فالانجذاب قد يكون استجابة لحضور معين، أما الحب فينشئ علاقة تجعل وجود الآخر ذا قيمة خاصة في عالم الأنا كذات. ولذلك يمكن للحب أن يستمر حتى في غياب اللذة المباشرة، لأن الذات لم تعد متعلقة فقط بما تتلقاه من الآخر، بل أصبحت متعلقة بالآخر نفسه.
وهذا ما يجعل الحب مختلفًا عن مجرد الاستجابة للذة؛ إذ إن اللذة قد تكون مدخلًا إلى الرغبة، والرغبة قد تقود إلى التقارب، لكن التقارب المتكرر، والتجربة المشتركة، والتعلق، والتبادل الوجداني، يمكن أن تنقل العلاقة إلى مستوى يصبح فيه المحبوب جزءًا من البناء الوجداني للذات.
٣-الخوف من الألم:
غير أن الوجه الآخر لهذه العملية يظهر كلما ازدادت قيمة الآخر في وجداننا. فبقدر ما تنشأ الرغبة في الاقتراب، يمكن أن ينشأ معها الخوف من الألم.
فالآخر الذي أصبح مصدرًا للذة يصبح، في الوقت نفسه، قادرًا على إنتاج الألم؛ لأنه أصبح ذا قدرة على المنح والمنع، وعلى الحضور والغياب، وعلى القبول والرفض. ومن هنا يمكن أن تنشأ مخاوف متعددة: الخوف من الرفض، والخوف من الفقد، والخوف من التجاهل، والخوف من الخيانة، والخوف من أن لا يكون الحب متبادلًا. (والخوف شكل من أشكال الألم).
وهنا تظهر مفارقة الحب الأساسية: كلما ازدادت قيمة الآخر بالنسبة إلينا، ازدادت قدرتُه على إيلامنا. فالذات لا تتألم من فقدان شخص لا قيمة وجدانية له لديها؛ وإنما يصبح الفقد مؤلمًا بقدر ما كان الحضور عزيزًا. وكلما ازداد التعلق بالمحبوب، ازدادت حساسية الذات تجاه كل ما يمكن أن يهدد العلاقة به. ومن ثم فإن الحب لا ينتج اللذة وحدها، بل يحمل في بنيته الداخلية إمكان الألم. فاللذة تدفع نحو الاقتراب، والاقتراب يولد التعلق، والتعلق يجعل الذات أكثر تعرضًا للخوف من فقد من أصبحت تراه مصدرًا لقيمتها الوجدانية.
وهكذا يمكن النظر إلى الحب بوصفه حركة مزدوجة: حركة نحو اللذة من خلال الاقتراب من الآخر، وحركة دفاعية ضد الألم الذي يمكن أن ينشأ عن فقده أو رفضه أو خيانته.
ولذلك لا يكون الحب مجرد حالة وجدانية مريحة؛ إنه تجربة تجعل الإنسان في آن واحد أكثر قدرة على الفرح وأكثر قابلية للألم. وفي اللحظة التي يصبح فيها الآخر مهمًّا إلى هذا الحد، يتحول حضوره من مجرد حضور خارجي إلى حضور يمس بنية الذات نفسها؛ فيغدو الاقتراب منه طلبًا للذة، ويغدو احتمال فقده أو منعه منه مصدرًا للخوف والألم.
وإذا كان الحب يبدأ غالبا من تجربة تمنح الذات لذة الحضور والانجذاب والتقارب، فإنه يحمل في العمق إمكانية تحول هذه اللذة إلى ألم كلما اشتد التعلق بالآخر؛ وهي المفارقة التي تكشفها التجربة الشعرية بكثافة، وتجعل من اللذة والألم وجهين متداخلين في التجربة العاطفية. ومن أبلغ ما يصور هذا التحول قول الشاعر:
ألا في سبيل الله ما صنع الهوى
بليت بداء ليس يشفيه الدواء
رماني غزال أهيف بجماله
فجارت سهام القتل من جانب الدواء
فرحت لقاضي العشق أحكي قصتي
ليحكم بيني وبين أحبابي بالسوى
فأجابني قاضي الغرام وقال لي
يا فتى كم قتيلاً مات قهراً بالهوى
أنا قاضي العشق والعشق قاتلي
وقاضي قضاة العشق قاتله الهوى (١)
إن أهمية هذا المقطع، في سياق جدلية اللذة والألم، تكمن في نقله الألم من مجرد نتيجة لفقد الحب إلى كونه إمكانا كامنا في بنيته. فالعاشق لا يتألم لأن الحب انتهى بالضرورة، وإنما لأن التعلق يجعل الآخر جزءا من توازن الذات الوجداني، فيغدو ما يصدر عنه قادرا على تعديل هذا التوازن صعودا نحو اللذة أو هبوطا نحو الألم.
ومن هنا تكتسب العبارة الأخيرة «العشق قاتلي» دلالتها الأعمق؛ فهي لا تحيل إلى الموت بمعناه الحرفي، وإنما تختزل شدة الأثر الذي يمكن أن يتركه الحب حين يتجاوز حدود الانجذاب إلى عمق التعلق. فالعشق، في هذه الصورة الشعرية، لا يقف في الجهة المقابلة للألم، بل يكشف عن المنطقة التي يصبح فيها الحب واللذة والألم عناصر متداخلة في تجربة واحدة.
وبذلك يضيف المقطع إلى تيمة الألم في الحب بعدا أساسيا: الألم ليس مجرد حادثة تعترض مسار الحب، بل هو أحد الاحتمالات التي تفتحها كثافة العلاقة نفسها. وكلما أصبح الآخر أكثر حضورا في وجدان الذات، أصبحت التجربة أكثر قدرة على إنتاج اللذة، لكنها تصبح في الوقت نفسه أكثر حساسية تجاه ما يهدد هذا الحضور. وهنا تتكشف جدلية الحب في صورتها الأكثر تعقيدا: إن ما يمنح التجربة كثافتها هو ذاته ما يجعلها قابلة للإيلام.
——
(١) مقطع من موال عربي متداول، منسوب في بعض المصادر الحديثة إلى قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، واشتهر في الأداء الغنائي العربي. مع التنبيه إلى أن نسبة النص إلى قيس بن الملوح تحتاج إلى توثيق تراثي أدق.
——
يتبع



