من النفور إلى الكراهية / محمد الجلايدي- المغرب

لا تبدأ الكراهية دائما بكراهية مكتملة. فقد تسبقها حالة وجدانية اكثر غموضا وأقل استقرارا، تتمثل في النفور. والنفور، في بدايته، ليس بالضرورة موقفا واعيا من الآخر، ولا حكما نهائيا عليه، وإنما هو إحساس بعدم الارتياح تجاه حضوره، أو تجاه سلوك يصدر عنه، أو تجاه صورة تتكون عنه في وعي الذات. وقد ينتهي هذا الشعور بمجرد زوال الموقف الذي أحدثه، وقد يتحول، في شروط معينة، إلى موقف اكثر رسوخا هو الكراهية.
ومن هنا تكتسب المسافة بين النفور والكراهية أهميتها؛ فهي ليست مجرد انتقال من شعور ضعيف الى شعور قوي، بل هي انتقال من استجابة وجدانية عابرة الى موقف عاطفي اكثر استقرارا. ففي النفور تقول الذات، بصورة ضمنية: لا أشعر بالارتياح تجاه هذا الآخر أو هذا السلوك. أما في الكراهية فقد يصبح الموقف أكثر عمقا: لا أريد هذا الآخر في مجال حضوري، أو لا أريد استمرار العلاقة معه، أو أصبح وجوده نفسه مرتبطا في وعيي بشعور سلبي.
وقد ينشأ النفور من أسباب بسيطة ومباشرة: كلمة، أو حركة، أو أسلوب في التعامل، أو اختلاف في السلوك، أو حضور لا تنسجم معه الذات. لكن هذه الاستجابة الاولى لا تكفي وحدها لتكوين الكراهية. فلو انتهى الموقف وانتهى معه الشعور، ظل النفور مجرد حالة عابرة. أما إذا استمر الشعور، أو تكرر الموقف، أو أعادت الذات تفسيره واستحضاره، فإن النفور قد يجد طريقه الى التراكم.
وهنا يدخل الزمن بوصفه عاملا في تحول الشعور. فالتجربة التي تتكرر لا تبقى في الذاكرة بالطريقة نفسها التي بقيت بها في لحظتها الاولى. وكل تكرار يمكن أن يعزز الانطباع السابق، وكل استحضار يمكن أن يعيد تنشيط الشعور، حتى يصبح ما كان في البداية موقفا عابرا جزءا من صورة مستقرة عن الآخر. وعند هذه النقطة لا يعود الإنسان يتفاعل مع واقعة منفردة، وإنما مع تاريخ من الوقائع والانطباعات.
غير أن التكرار وحده لا يفسر الانتقال الى الكراهية. فما يهم ليس فقط ما حدث، بل المعنى الذي تمنحه الذات لما حدث. فقد يتعرض شخصان للموقف نفسه، فيستجيب أحدهما بالنفور المؤقت، بينما يتحول الأمر لدى الآخر الى موقف أكثر رسوخا. والاختلاف هنا قد يكون في طريقة إدراك التجربة وتأويلها وربطها بالقيم والتوقعات والذكريات السابقة.
وقد يحدث التحول حين تنتقل الذات من رفض الفعل الى رفض فاعله. ففي البداية قد تقول: أنا أكره ما فعله هذا الشخص. ثم، مع تراكم التجارب، قد يتحول الموقف الى: أنا أكره هذا الشخص كلا وأجزاء. وهذا الانتقال بالغ الأهمية، لأنه ينقل الكراهية من موضوع محدد يمكن رفضه أو مناقشته الى صورة كلية عن الآخر، يصبح فيها الشخص نفسه موضوعا للمشاعر السلبية.
وقد تتداخل في هذا المسار الذاكرة والانفعال والخيال. فالذات لا تستعيد دائما الواقعة كما حدثت، وإنما تستعيدها من خلال الطريقة التي فهمتها بها. وقد تضيف الذاكرة الى التجربة دلالات جديدة، وقد يعمل الخيال على توسيعها، وقد تجعل المقارنة بين الماضي والحاضر الشعور أكثر حدة. وهكذا يمكن للكراهية أن تتغذى ليس فقط من الحاضر، بل من الطريقة التي تعيد بها الذات بناء الماضي.
ومن هنا يمكن تصور الانتقال من النفور الى الكراهية في صورة مسار متدرج: عدم ارتياح، ثم نفور، ثم رفض، ثم تراكم، ثم تثبيت لصورة سلبية عن الآخر، ثم كراهية. وليس المقصود بهذا المسار أنه قانون حتمي ينطبق على كل التجارب، وإنما هو نموذج يساعد على فهم إحدى الطرق الممكنة التي تتشكل بها الكراهية.
وقد يتوقف هذا المسار في أي مرحلة من مراحله. فقد يبقى الإنسان عند حدود النفور دون أن يتحول إلى كراهية، وقد يرفض سلوكا معينا دون أن يرفض صاحبه، وقد يعيد تقييم تجربته فيتراجع عن موقفه. وهذا يعني أن التحول ليس آليا، وأن الكراهية ليست نتيجة حتمية لكل نفور.
وهنا تظهر أهمية الوعي: فالوعي لا يمنع ظهور النفور بالضرورة، لكنه يستطيع أن يسأل عن مصدره: هل أكره هذا الشخص، أم أكره سلوكا صدر عنه؟ هل أرفضه فعلا، أم أنني أرفض صورة كونتها عنه؟ هل الشعور ناتج عن تجربة مباشرة، أم عن حكم سابق، أم عن تأثير من الآخرين؟ مثل هذه الأسئلة تفتح مسافة بين الشعور والنتيجة التي يمكن أن يصل إليها.
كما تظهر أهمية الإرادة في هذه المنطقة الفاصلة بين النفور والكراهية. فالإنسان قد يشعر بالنفور، لكنه ليس ملزما بأن يحوله الى قطيعة أو عداء أو إقصاء. وقد يستطيع أن يضع حدودا لعلاقته بالآخر دون أن يحول الرفض الى كراهية. ومن هنا لا يكون التحكم في الكراهية معناه التحكم في الشعور نفسه بقدر ما يعني القدرة على عدم ترك الشعور يتحول بصورة آلية الى موقف أو سلوك.
لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا حين يرتبط النفور بالأذى المتكرر، أو بالخيانة، أو بالإهانة، أو بانهيار الثقة. ففي هذه الحالات قد لا يكون النفور مجرد استجابة لشيء لا يعجب الذات، وإنما يصبح استجابة لتجربة ترى الذات أنها تعرضت فيها للضرر. وعندما يتراكم الأذى دون معالجة، قد يتحول النفور من الآخر الى رفض للعلاقة معه، ثم الى رفض لشخصه، وقد ينتهي الأمر بالكراهية.
وهكذا فإن الفرق بين النفور والكراهية لا يكمن فقط في درجة الشعور، وإنما في طبيعة العلاقة التي يقيمها الشعور مع الزمن والذاكرة والصورة الذهنية والسلوك. النفور يمكن أن يظل لحظيا ومحدودا بموضوعه، أما الكراهية فتسعى الى الاستقرار، وتبني لنفسها ذاكرة، وصورة عن الآخر، وموقفا منه.
ومع ذلك، تظل الكراهية قابلة للمراجعة ما دامت ليست مجرد انفعال عابر، بل بناء يمكن للوعي أن يفككه. فإذا أمكن للذات أن تعيد قراءة التجربة، وأن تفصل بين الشخص والفعل، وبين الواقعة وتأويلها، وبين الرفض والكراهية، فقد يتوقف المسار قبل بلوغه مرحلته النهائية.
ومن هنا يمكن القول إن النفور هو إمكان من إمكانات الكراهية، وليس الكراهية ذاتها. فهو قد يكون بدايتها، لكنه قد يكون أيضا نهايتها: شعور يظهر، ثم يزول. وما يجعل منه طريقا الى الكراهية هو ما يحدث بعد ظهوره: هل يتكرر؟ هل يتراكم؟ هل يعاد تفسيره؟ هل يرتبط بصورة سلبية ثابتة عن الآخر؟ وهل ينتقل من رفض ما فعل الى رفض من فعل؟
بهذا المعنى، لا تكون الكراهية مجرد شعور أكثر قوة من النفور، وإنما تكون تحولا في علاقة الذات بموضوعها. فالنفور يقول: لا أشعر بالارتياح. أما الكراهية فتقول، في صورتها الاكثر رسوخا: لقد أصبح هذا الآخر جزءا من منظومة المشاعر التي أرفضها، وأصبح وجوده مرتبطا في وعيي بما أريد الابتعاد عنه.
ومن هنا نصل الى السؤال التالي: إذا كان النفور قد يمثل نقطة البداية، فما الذي يجعل بعض حالات النفور تتحول الى كراهية، بينما تتوقف حالات أخرى عند حدود الرفض أو اللامبالاة أو الابتعاد؟ ذلك هو السؤال الذي سينقلنا الى المحور الثالث: كيف تتشكل الكراهية؟
يتبع



