من يحرس سوق الأصوات؟ السياسة والمال والرقابة في الانتخابات المغربية/هشام فرجي

في المقال السابق، حاولت الاقتراب من الانتخابات من الجهة التي غالبا ما يبدأ منها النقاش وينتهي عندها: الناخب والمرشح. كيف يتحول الصوت إلى مورد؟ و كيف يتحول الرأسمال الاجتماعي إلى قوة انتخابية؟ وكيف يمكن لعلاقات القرابة والوساطة والمنفعة أن تدخل إلى صندوق الاقتراع من دون أن تظهر بالضرورة في البرامج واللوائح؟
لكن قراءة أخرى للمسألة، أكثر إزعاجا وربما أكثر ضرورة، تفرض سؤالا لم يكن ممكنًا تأجيله:
إذا كان الناخب والمرشح طرفين في هذه المعادلة، فمن يصنع البيئة التي تجعل اللعبة ممكنة؟ ومن يراقبها؟ ومن يملك الموارد التي تموّلها؟
هنا تبدأ الطبقة الثانية من الظاهرة. فالانتخابات لا تختزل في شخص يشتري وشخص يبيع، كما أن السوق السياسية لا تقوم فقط على إرادة طرفين متقابلين. فوراء المرشح هناك شبكات، ووراء المال هناك مصالح، ووراء الحملة قواعد ومؤسسات رقابة، وفوق الجميع فضاء إعلامي يفترض أن يجعل ما يجري قابلا للرؤية والمساءلة. من هنا يصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقًا بأخلاق الأفراد وأكثر اتصالًا بالبنية التي تجعل بعض السلوكيات قابلة للاستمرار.
من يدفع ثمن الحملة؟
عندما تحدثنا في المقال السابق عن الرأسمال الاقتصادي للمرشح، تعاملنا معه باعتباره أحد موارد القوة الانتخابية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن بسيط ومحرج:
من أين يأتي هذا المال؟
فالمال الانتخابي لا يظهر فجأة مع انطلاق الحملة، ولا ينزل من السماء في صورة ملصقات ولافتات وسيارات واجتماعات وولائم وخدمات. إنه يحتاج إلى مصدر، والمصدر يحتاج إلى شبكة، والشبكة قد تكون لها مصالح تتجاوز يوم الاقتراع. وهنا يجب التمييز بين أمرين: التمويل الانتخابي المشروع الذي تنظمه القوانين، وبين الموارد غير المشروعة أو غير المعلنة التي قد تدخل، في بعض السياقات، في حسابات المنافسة السياسية.
وفي المغرب توجد بالفعل آليات رسمية لضبط تمويل الحملات. فالمجلس الأعلى للحسابات يتولى، بموجب الإطار الدستوري والقانوني، فحص حسابات الحملات الانتخابية والتحقق من انتظام نفقاتها، كما يُلزم المترشحون بتقديم بيانات عن مصادر التمويل والمصاريف. لكن وجود قواعد التمويل لا يلغي السؤال السوسيولوجي:
هل كل ما يؤثر في المنافسة الانتخابية يظهر بالضرورة في الحسابات الانتخابية؟
هنا يجب التمييز جيدا بين المال الذي يمكن توثيقه والنفوذ الذي يمكن أن ينتجه المال.
المال لا يشتري الصوت فقط
الاختزال الأخطر هو الاعتقاد بأن المال السياسي لا يظهر إلا في صورة مبلغ يُدفع لناخب مقابل صوته. فالمال يستطيع أن يعمل بطريقة أكثر تعقيدًا. قد يمول شبكة علاقات، أو يوسع حضور مرشح، أو يتيح له الوصول إلى جمهور أوسع، أو يعزز قدرته على تقديم خدمات، أو يبني له صورة اجتماعية تجعل حضوره الانتخابي أكثر رسوخًا. وبذلك لا يصبح المال مجرد وسيلة لشراء صوت؛ وإنما يصبح وسيلة لبناء قدرة سياسية. وهنا تظهر المسألة التي كثيرًا ما تختفي خلف النقاش الأخلاقي حول شراء الأصوات:
ليست القضية فقط: كم صوتًا يستطيع المال أن يشتري؟ بل: كم مقدار النفوذ الذي يستطيع المال أن يبنيه قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع؟
إنها نقلة من اقتصاد «الصوت» إلى اقتصاد «النفوذ».
وهذه النقلة ضرورية لفهم الانتخابات باعتبارها جزءًا من بنية أوسع لإنتاج القوة الاجتماعية والسياسية.
من المرشح إلى شبكة المصالح
إن المرشح لا يعيش في فراغ. حيث نجد خلفه، في حالات مختلفة وبدرجات متفاوتة، عائلة، أصدقاء، مهنيون، فاعلون جمعويون، أعيان محليون، رجال أعمال، شبكات مهنية، علاقات حزبية، ومصالح اقتصادية قد تتقاطع أو تتعارض. ولا يعني وجود هذه الشبكات تلقائيًا وجود فساد أو مخالفة؛ فكل منافسة سياسية تحتاج بطبيعتها إلى شبكات دعم وتواصل. لكن السؤال السوسيولوجي يبدأ عندما تتحول الشبكة من وسيلة للتعبئة إلى بنية لتبادل المنافع. عندها يمكن أن تتحول الانتخابات من منافسة بين مشاريع سياسية إلى منافسة بين شبكات قادرة على تعبئة الموارد. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل المرشح هو الذي يستعمل الشبكة، أم أن الشبكة هي التي تحتاج إلى المرشح؟
في الحالة الأولى يكون المرشح مركز القوة. أما في الحالة الثانية، فيصبح المرشح واجهة سياسية لشبكة مصالح أوسع منه. والفارق بين الحالتين ليس تفصيلًا؛ لأنه يحدد ما الذي يحدث بعد انتهاء الانتخابات.
الاستثمار الانتخابي
كل استثمار يبحث، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن عائد. وهذا لا يعني أن كل من ينفق على حملة انتخابية ينتظر منفعة شخصية؛ فهناك من يدخل الانتخابات بدافع سياسي حقيقي، ومن ينفق من ماله لأنه يؤمن بمشروع أو حزب أو قضية. لكن الاقتصاد السياسي للانتخابات يطرح سؤالًا مختلفًا:
ماذا يحدث عندما تتحول السياسة إلى مجال لاستثمار الموارد بهدف إنتاج النفوذ؟
هنا يمكن أن يصبح المقعد الانتخابي جزءًا من دورة أوسع:
رأسمال اقتصادي → تعبئة انتخابية → نفوذ سياسي → قدرة أكبر على الوصول إلى الموارد والقرار → إعادة إنتاج النفوذ.
ولا ينبغي التعامل مع هذه السلسلة بوصفها قانونًا يحكم كل حالة، وإنما باعتبارها نموذجًا تحليليًا لفهم كيف يمكن للمال والنفوذ أن يعملا داخل المجال السياسي.
والخطر، من منظور ديمقراطي، لا يكمن فقط في وجود المال، وإنما في أن يصبح المال أقوى من الفكرة، والشبكة أقوى من البرنامج، والقدرة على الإنفاق أقوى من القدرة على الإقناع.
من يراقب اللعبة؟
هنا نصل إلى الطرف الذي غاب عن المقال السابق: المؤسسات. والدقة ضرورية.فليس صحيحًا أن الرقابة غائبة مؤسساتيًا. فهناك إطار دستوري وقانوني، وهناك مجلس أعلى للحسابات، وهناك قواعد تتعلق بتمويل الحملات وتقديم الحسابات. وقد نشر المجلس الأعلى للحسابات تقاريره المتعلقة بفحص حسابات الحملات الانتخابية للهيئات السياسية والنقابية والمترشحين برسم اقتراعات 2021. لكن وجود مؤسسة للرقابة شيء، وفعالية الرقابة في كشف كل أشكال النفوذ شيء آخر. فالحساب المالي يستطيع أن يجيب عن السؤال: كم أنفقت؟ ومن أين جاء المال؟ لكن السوسيولوجيا تسأل سؤالًا إضافيًا:
كيف تحوّل المال إلى نفوذ؟ ومن استفاد من هذا النفوذ؟ وما الذي حدث للعلاقات التي نشأت حوله بعد انتهاء الانتخابات؟
هنا تظهر الحدود الطبيعية لأي نظام رقابي يعتمد أساسًا على الوثائق والحسابات؛ لأن بعض الموارد السياسية لا تكون مالية مباشرة، وبعض العلاقات لا تترك أثرًا محاسبيًا واضحًا. لذلك فإن نزاهة الانتخابات لا تتوقف على وجود قواعد للتمويل فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى قدرة المجتمع والمؤسسات والإعلام على رؤية ما يحدث في المنطقة الواقعة بين المال الرسمي والنفوذ غير الرسمي.
الإعلام: عين المجتمع على الانتخابات
وهنا يأتي دور الإعلام. فالانتخابات ليست شأنًا إداريًا فقط؛ إنها حدث اجتماعي وسياسي يحتاج إلى عين تراقبه. فالإعلام المهني لا يفترض أن يكون خصمًا لمرشح ما ولا حليفًا لآخر. إذ وظيفته الأساسية أن يجعل المجال السياسي قابلًا للرؤية: أن يسأل عن مصادر التمويل، ويتتبع الوعود، ويفحص تضارب المصالح، ويمنح المواطن المعلومات التي يحتاجها للحكم على البرامج والأداء.
وعندما يغيب الإعلام المهني أو تضعف قدرته على التحقيق، يصبح جزء من العملية السياسية خارج مجال الرؤية العامة. وهنا لا يعود الخطر مقتصرًا على شراء الأصوات. حيث يصبح الخطر الأكبر هو شراء القدرة على الظهور. فالذي يمتلك المال يستطيع أن يشتري حضورًا أكبر، وصورة أكثر انتشارًا، ووصولًا أوسع إلى الجمهور. وإذا لم توجد صحافة قادرة على تفكيك هذا الحضور وإخضاعه للمساءلة، فقد تختلط في وعي الناخب قوة الصورة بقوة المشروع.
وهكذا يصبح الإعلام جزءًا من المعركة على توزيع الانتباه العام.
لماذا لا يكفي تفسير الفقر؟
هذه النقطة تعيدنا إلى المقال الأول. فقد تكون الهشاشة الاقتصادية عاملًا يفسر قابلية بعض المواطنين لقبول منفعة انتخابية، لكنها لا تفسر وحدها السلوك. فهناك مواطنون يعيشون ظروفًا اجتماعية صعبة ويرفضون الدخول في هذا النوع من المقايضة. وهذا التفاوت مهم جدًا. لأنه يعني أن البنية الاجتماعية لا تنتج السلوك بصورة آلية. فهناك شيء آخر يتدخل بين الظروف الاجتماعية والفعل السياسي: الثقة، والقيم، والتنشئة السياسية، والانتماء، والخبرة السابقة، والإحساس بفاعلية المشاركة، والصورة التي يحملها المواطن عن الدولة والمؤسسات. وهنا يحق لنا دفع السؤال خطوة أخرى إلى الأمام:
إذا كانت الظروف متشابهة نسبيًا، فلماذا يستجيب شخص ولا يستجيب آخر؟
والجواب لا يمكن أن يكون في الفقر وحده، ولا في «فساد المواطن» وحده. إنه يوجد في المسافة بين البنية الاجتماعية والبنية السياسية.
المؤسسة التي لا نراها في الصورة
لهذا ربما ينبغي أن نعيد رسم المشهد الانتخابي. في الصورة البسيطة لدينا: ناخب ← صوت ← مرشح.
أما الصورة الأكثر تعقيدًا فهي:
المجتمع ← شبكات اجتماعية ← موارد اقتصادية ← مرشحون وأحزاب ← حملات انتخابية ← ناخبون ← مؤسسات رقابة ← إعلام ← رأي عام.
إذ كل عنصر من هذه العناصر يؤثر في العناصر الأخرى. وعندما نختزل المشهد في «ناخب يبيع ومرشح يشتري»، فإننا نضع كامل المسؤولية في أسفل السلسلة، بينما قد تكون بعض الشروط التي تجعل هذه العلاقة ممكنة موجودة في أعلى السلسلة. وهنا لا يتعلق الأمر بالبحث عن «مذنب أكبر». فالمطلوب هو فهم منظومة إنتاج السلوك السياسي.
من يحرس السوق؟
فالسؤال إذن ليس فقط: هل توجد سوق للأصوات؟ لأن السؤال الأهمهو : من يضع شروط عمل هذه السوق؟ ومن يملك القدرة على تمويلها؟ ومن يستطيع كشفها؟ ومن يملك سلطة الردع؟ ومن يملك المنبر الذي يجعل المخالفة مرئية؟ ومن يستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من استمرار شبكات النفوذ؟
هذه الأسئلة تجعل الانتخابات تتجاوز يوم الاقتراع. فالانتخابات تعد منظومة متكاملة من المال والمعلومات والشبكات والمؤسسات والثقة. وكلما اختل توازن أحد هذه العناصر، اختل معنى المنافسة نفسها.
من شراء الصوت إلى إعادة إنتاج السلطة
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نخرج به. إن شراء الصوت ــ حيثما ثبت ــ ليس نهاية العملية السياسية، وإنما قد يكون حلقة داخل دورة أوسع. فالمال ينتج قدرة على التعبئة. والتعبئة تنتج نفوذًا. والنفوذ يفتح أبوابًا جديدة للتأثير. والتأثير قد يعيد إنتاج الشبكات التي صنعت النفوذ أصلًا. وهكذا لا تعود الانتخابات مجرد آلية لاختيار ممثلين؛ تصبح، في بعض السياقات، إحدى اللحظات التي يعاد فيها ترتيب علاقات القوة داخل المجتمع. ومن هنا يصبح التساؤل عن الانتخابات تساؤلا عن إعادة إنتاج السلطة. وهذا هو الجزء الذي لم يكن ممكنًا أن يظهر كاملًا في مقالنا الأول. فهناك، كان السؤال:لماذا يصبح الصوت قابلًا للتسعير؟ أما هنا، فإن السؤال أصبح: من يملك القدرة على تحديد سعر السياسة نفسها؟ وربما تكون الإجابة الأصعب أن السوق الانتخابية لا يعيش فيها الناخب والمرشح وحدهما.هناك المال. وهناك الشبكات. وهناك المؤسسات. وهناك الإعلام. وهناك، في النهاية، مجتمع كامل يحدد ــ بدرجات متفاوتة ــ ما يستطيع أن يراه وما يستطيع أن يغيره. لذلك فإن نزاهة الانتخابات لا تبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، ولا تنتهي بإعلان النتائج. لأنها تبدأ قبل ذلك بكثير: من مصادر المال، ومن شفافية العلاقات، ومن قوة المؤسسات، ومن استقلال الإعلام، ومن قدرة المواطن على الوصول إلى المعلومة، ومن وجود مسافة حقيقية بين النفوذ الخاص والقرار العام. خيث يصبح السؤال الديمقراطي الأكبر ليس : من حصل على الأصوات؟ وإنما : من استطاع أن يحوّل موارده إلى أصوات، وأصواته إلى نفوذ، ونفوذه إلى قدرة على التأثير في القرار العام؟. عند هذه النقطة، تصبح الانتخابات مرآةً لطريقة توزيع القوة داخل المجتمع.



