مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

تَكالُبُ التَّكالُب… حين يَستعير الإنسانُ طباعَ ما كان يأنفُ أن يُشبَّهَ به – هشام فرجي

رجل يرتدي بدلة رسمية مع قميص بنفسجي ونظارات، يقف أمام خلفية خشبية.

في هذا العالم العجيب، لا تتشابه الكائنات في صورها فحسب، وإنما تتشابه أحيانًا في طباعها وطبائعها؛ غير أن الله ميّز الإنسان بالعقل ليترفع عمّا جُبلت عليه بعض المخلوقات من غرائز الصراع والافتراس. فإذا به في بعض الأحوال ينحدر بإرادته إلى ما كان خُلق ليتجاوزه، ويستبدل سموَّ الأخلاق بضيق الغرائز، وحكمةَ البصيرة بعجلة الهوى.

ومن أعجب ما يُبتلى به الناس أن ترى أفرادًا لا يجمعهم حقٌّ ولا مبدأ، ولا توحدهم فضيلةٌ ولا رسالة، لكنهم يلتقون عند مائدة الأذى، ويتقاربون على جسر الحسد، ويتآلفون على مطاردة من لم يضرّهم إلا بتميزه، أو نجاحه، أو استقامته، أو مجرد وجوده المختلف عنهم. فإذا اجتمعوا على ذلك، لم يعد الأمر خلافًا عابرًا أو نقدًا مشروعًا، إذ يتحول إلى حالةٍ من “التكالب”؛ ذلك الداء الذي إذا استوطن النفوس أفسد المروءة، وأعشى البصيرة، وجعل صاحبه يظن أن كثرة المهاجمين دليلُ حق، وأن اختلاق وكيل اتهامات باطلة برهانُ صدق.

وهذه صفحاتٌ في تأمل ذلك الخُلُق، لا انتصارًا لأحد، ولا تشهيرًا بأحد، وإنما تذكيرٌ بأن الإنسان خُلق ليكون سيد غرائزه لا أسيرها، وأن من أعظم الانتصارات أن ينتصر المرء على دوافع التكالب في نفسه قبل أن ينشغل بتتبع عيوب غيره.

ليس كلُّ اجتماعٍ قوّة، وليس كلُّ تكتّلٍ فضيلة، فهناك فرقٌ شاسع بين أن تتعاون الأيدي على البناء، وأن تتكالب الأنياب على الهدم.

والتكالبُ في جوهره هو حالةٌ أخلاقيةٌ تُصيب النفوس حين تفقد توازنها، فتستبدل قيم العدل والإنصاف بغريزة المطاردة، وتستبدل الحوار بالرجم، والحقيقة بالشائعة، والاختلاف بالعداوة.

ولعلّ من غرائب هذا العصر أنّ بعض الناس لم يعودوا يكتفون بخطئهم الفردي، لقد صاروا يبحثون عن شركاء في الخطأ، وعن جموعٍ تصفّق للظلم، وعن قوافلَ تسير خلف الوهم. فإذا أخطأ واحدٌ منهم، سارع آخرون إلى الاصطفاف حول الخطأ حتى يبدو وكأنه حقيقة، وكأن كثرة الأقدام تستطيع أن تغيّر اتجاه الشمس، أو أن تُقنع الماء بالصعود إلى أعلى الجبل.

فالتكالبُ ليس قوّةً كما يظنّ أصحابه،  وإنما هو في كثيرٍ من الأحيان دليلُ ضعفٍ جماعي. فالأسد لا يحتاج إلى قطيعٍ من النباح ليُثبت وجوده، والنخلة لا تحتاج إلى التصفيق كي تعلو، والشمس لا تستأذن العيون المريضة لتشرق.

وحين يتكالب بعض الناس على إنسانٍ بعينه، أو على فكرةٍ نبيلة، أو على نجاحٍ لم يستطيعوا بلوغه، فإنهم يظنون أنهم يضيّقون الخناق على هدفهم، بينما هم في الحقيقة يكشفون ما يختبئ في دواخلهم من عجزٍ وحسدٍ وضيق أفق. فالأشجار المثمرة وحدها هي التي تُرمى بالحجارة، أما اليابسة فلا يلتفت إليها أحد.

ومن عجائب التكالب أنّ المتكالبين كثيرًا ما يختلفون في كل شيء، لكنهم يتفقون على الأذى. حيث تتباعد مصالحهم، وتتعارض نياتهم، وتتباين مقاصدهم، غير أنّهم يلتقون عند نقطةٍ واحدة: محاولة النيل من غيرهم. وكأنّ الشرَّ أصبح اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.

وإنّ الذين يجعلون من أذية الخلق مشروعًا يوميًا لا يدركون أنهم يزرعون في طرقاتهم الأشواك التي سيُجبرون يومًا على السير فوقها. فالدنيا لا تنسى، والأيام لا تُهمل، والسنن الإلهية لا تتعطل. وما يخرج من الإنسان يعود إليه في صورةٍ أو أخرى؛ كلمةً بكلمة، وموقفًا بموقف، وألمًا بألم، ورحمةً برحمة.

وما أكثر الذين ظنّوا أن كثرتهم حصنٌ لهم، فإذا بها تتحوّل إلى شاهدٍ عليهم. وما أكثر الذين حسبوا أن أصواتهم العالية ستحجب الحقيقة، فإذا بالحقيقة تبقى واقفةً في مكانها، بينما تتعب الحناجر وتخفت الضوضاء.

كما أنّ التكالب ينهش أصحابه أولًا. فهو يُفسد القلوب قبل أن يُفسد العلاقات، ويُطفئ نور البصيرة قبل أن يُعتم طريق الآخرين. ومن اعتاد مطاردة الناس بالظنون والأذى، سيكتشف متأخرًا أنه كان يطارد نفسه نحو هاويةٍ لا يراها.

ولذلك فإنّ أرقى انتصارٍ على التكالب ليس الانتقام، وإنا هو الثبات. وليس الردَّ بالمثل،بل الارتفاع فوق مستوى الإساءة. فكلّ معركةٍ يدخلها الإنسان لا تستحق أن يخسر فيها أخلاقه، وكلُّ خصومةٍ تدفعه إلى التخلي عن مبادئه هي خسارةٌ مهما بدا فيها منتصرًا.

أما أولئك الذين جعلوا من التكالب عادةً ومن أذية الناس هواية، فإننا لا نحمل لهم إلا دعاءً صادقًا: أن يهديهم الله إلى أنفسهم قبل أن يهديهم إلى الآخرين، وأن يريهم عيوبهم قبل انشغالهم بعيوب الخلق، وأن يمنحهم شجاعة المراجعة قبل أن يأتي يومٌ لا تنفع فيه المراجعات.

فالإنسان خُلق ليكون أكرم من أنياب الحقد، وأسمى من مطاردات الحسد، وأرفع من أن يقيس قيمته بمقدار ما يُلحقه بالآخرين من أذى.

ويبقى التكالبُ، مهما لبس من أثوابٍ أنيقة، ومهما اختبأ خلف شعاراتٍ براقة، مجردَ تكالبٍ؛ لا يغيّر حقيقته اسمٌ جديد، ولا تُجمّله كثرةُ المشاركين فيه.

وحين يسقط غبار الأيام، وتنكشف الوجوه أمام مرآة الزمن، لن يُسأل الناس كم تكاثروا على خصومهم، وإنما كم انتصروا على أنفسهم.

وتلك هي المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading