حوار مع غدير حميدان الزبون في برنامج لقاء مع الإبداع والمبدعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلامٌ يليق بمقام الكلمة، ويعبق بعبير المحبة، ويعبر من فلسطين إلى مصر، ومن القلب إلى القلب حاملاً أصدق الدعوات، وأجمل الأمنيات، وأوفى معاني الأخوة التي لا تحدّها حدود، ولا تفرقها مسافات.
سلامٌ على مصر، كنانة الله في أرضه، ومنارة الفكر، وموئل الحضارة، وملتقى الأدباء والمفكرين.
وسلامٌ على فلسطين، الأرض التي علّمت العالم أنّ الحرف قد يصبح وطنًا، وأنّ القصيدة قد تكون شجرة زيتون لا تنحني للريح.
وسلامٌ موصول إلى كلّ أحرار الكلمة، وحراس اللغة، وسَدَنة الثقافة والأدب، الذين ما زالوا يؤمنون أنّ الأمم تُبنى بالفكر كما تُبنى بالسواعد، وأنّ الحروف الصادقة تبقى أطول عمرًا من الضجيج.
يشرفني أنْ أكون ضيفةً في برنامج “لقاء مع الإبداع والمبدعين”، وأنْ ألتقي بهذا الجمع الثقافي الكريم، لأتحدث عن رحلةٍ آمنت فيها أنّ الأدب رسالة، وأنّ البحث مسؤولية، وأنّ فلسطين تسكن اللغة، والذاكرة، والضمير الإنساني.
من فلسطين العروبة أصافحكم بأبجدياتي التي تنحني تواضعا في حرم الثقافة، وتهمس في آذانكم مترنّمة: يا أرباب الحرف، ويا أسياد ناصية الإبداع، أتعلمون أنّه لا تزال أشجار الزيتون تحفظ أسماء أصحابها، ولا تزال الحروف تتعلم منذ ولادتها أنْ تكون شاهدة على التاريخ.
من الأرض التي تُنبت الشّعر كما تُنبت القمح، وتصنع من الوجع قصيدة، ومن الصمود حكاية لا تنتهي أطلُّ عليكم اليوم حاملة في قلبي وطنًا لا يُختصر في الجغرافيا، فهو عظيم ممتدٌّ في الذاكرة واللغة والإنسان.
أنا غدير حميدان الزبون ابنة البئر الأولى بعد المالحة، باحثة وأكاديمية وناقدة وأديبة فلسطينية، آمنت منذ خطواتي الأولى أنّ المعرفة رسالة، وأنّ الكلمة الصادقة قادرة على أنْ تبني وعيًا، وتصون هُوية، وتفتح نافذة للأمل مهما اشتدت العواصف؛ لذلك ظل الأدب بالنسبة إليَّ أكثر من كتابة، وظل البحث العلمي أكثر من منهج، فكلاهما رحلة متواصلة للبحث عن الحقيقة والجمال والإنسان.
لقد علّمتني فلسطين أمّ البدايات، وأمّ النهايات أنّ الحرف موقف، وأنّ الثقافة فعل مقاومة حضارية، وأنّ الكاتب الحقيقي يسهم في إعادة تشكيل العالم بقيم الحق والخير والجمال.
ومن هنا جاءت تجربتي الأكاديمية والإبداعية محاولةً أنْ أجعل من الكلمة جسرًا يصل بين المعرفة والهُوية، وبين الماضي الذي نفخر به، والمستقبل الذي نستحقه.
ومن هذا اللقاء أبعث أصدق التحايا وأطيبها من فلسطين أرض الرسالات والحضارة والصمود، إلى جمهورية مصر العربية الشقيقة الكبرى مهد الحضارات، وواحة الفكر، وموطن الأزهر الشريف، ومنارة الأدب العربي التي أنجبت قامات خالدة أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العربي عبر الأجيال.
كما أحيّي كلّ أحرار الكلمة، وحراس الحرف، وسَدَنة الثقافة والأدب، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الكلمة الحرة قادرة على أنْ تهزم النسيان، وأنّ المعرفة هي الطريق الأصدق نحو نهضة الإنسان.
ولا يفوتني أنْ أتقدم بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى الدكتور إيهاب البعبولي رئيس الاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب على كريم ثقته وترشيحه لي للمشاركة في هذا البرنامج الثقافي المتميز، وإلى الإعلامي والناقد القدير الدكتور سعد الدسوقي، والذي أدار هذا الحوار برؤية ثقافية راقية مؤمنًا بأنّ اللقاءات الفكرية مساحات رحبة لتبادل الرؤى، وإثراء الوعي، والاحتفاء بالإبداع.
وأسأل الله أنْ يكون هذا اللقاء إضافةً صادقة إلى المشهد الثقافي العربي، وأنْ تبقى الكلمة الحرة منارةً تهدي العقول، وجسرًا يعمّق أواصر المحبة والتواصل بين أبناء أمتنا العربية.
- كيف تعرفين المثقف الحقيقي؟
أؤمن أنّ المثقف الحقيقي يُقاس بقدرته على تحويل المعرفة إلى موقف، والفكر إلى أثر، والكلمة إلى مسؤولية.
فمنذ سنواتي الأولى كنت أراقب الأشخاص الذين يملكون مكتبات عامرة، وأقارنهم بآخرين ربما لم يحظوا بالتعليم نفسه، لكنهم امتلكوا حكمة الحياة ونبل الموقف.
عندها أدركت أنّ الثقافة هي طريقة في رؤية العالم والتعامل معه.
في وطني فلسطين لا يملك المثقف ترف الحياد، فهو يحمل ذاكرة شعب، ويحرس رواية وطن، ويؤمن بأنّ الكلمة قد تكون جداراً يحمي الهُوية من النسيان؛ لذلك أرى أنّ المثقف الحقيقي هو الذي ينحاز للحقيقة، ويقاوم الجهل، ويمنح الناس أملاً دون أنْ يخدعهم، ويزرع الأسئلة التي تفتح أبواب التفكير بدلاً من أنْ يغلقها بالإجابات الجاهزة. - كيف نحافظ على الهوية الوطنية في العصر الرقمي؟
كلما ازداد العالم انفتاحاً ازدادت حاجتنا إلى جذور أكثر رسوخاً، فالعصر الرقمي ليس عدواً للهُوية إنْ أُحسِن استخدامه، فهو مساحة جديدة للدفاع عنها وإعادة تقديمها بلغة يفهمها الجيل الجديد. وأرى أنّ الهوية لا تُحفظ بالشعارات، وإنما تُبنى بالمعرفة، وتُروى بالتعليم، وتُصان بالإبداع.
لقد دفعتني تجربتي البحثية إلى الإيمان بأنّ مصادر التعلم المفتوحة، والتعليم الرقمي، وإنتاج المحتوى الفلسطيني الرصين أصبحت اليوم خطوط الدفاع الأولى عن الرواية الوطنية.
فإذا لم نكتب نحن قصتنا سيكتبها الآخرون عنا.
لذلك فإنّ مسؤوليتنا أنْ نحوّل المنصات الرقمية إلى فضاءات للوعي، تُعرّف بتاريخنا وثقافتنا وأدبنا، وتُرسّخ في نفوس أبنائنا أنّ الهوية مشروع حياة نبنيه كلّ يوم. - هل مهمة الكاتب طرح الأسئلة أم تقديم الإجابات؟
أميل إلى الاعتقاد بأنّ الكاتب العظيم لا يوزع الحقائق بقدر ما يوقظ الأسئلة. فالإجابات قد تنتمي إلى زمنها، أما السؤال الصادق فيبقى قادراً على عبور الأزمنة وإثارة التفكير في كلّ جيل.
عندما أقرأ الأدب الذي بقي حيّاً عبر القرون أكتشف أنّ خلوده لم يكن لأنه قدّم حلولاً نهائية، إنما لأنه جعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه والعالم من حوله. لذلك أرى أنّ الكاتب الحقيقي يضيء الطريق ولا يفرض الاتجاه، ويقود القارئ إلى التفكير الحرّ، ويترك له شرف الوصول إلى قناعاته الخاصة. - كيف توازنين بين التراث والتجديد؟
أتعامل مع التراث كما أتعامل مع الجذور، فالشجرة التي تنسى جذورها لا تستطيع أنْ تمنح العالم ثمراً؛ لكنني في الوقت نفسه أؤمن أنّ التراث لا يعيش إذا بقي حبيس الماضي، وإنما يحيا حين نعيد قراءته بعين الحاضر.
التجديد في نظري لا يعني قطيعة مع الماضي، فهو حوار متجدّد معه وبعث له من رقاده.
إنه القدرة على أنْ نحمل قيمنا الثقافية إلى المستقبل بلغة جديدة، وأدوات جديدة، ورؤية أكثر اتساعاً.
فالأمم التي تعرف كيف تحترم تراثها دون أنْ تتوقف عنده هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها. - كيف أثرت طفولتك في مسيرتك الأدبية؟
أعتقد أنّ الطفولة هي الكتاب الأول الذي يظل الإنسان يقرأه طوال حياته.
أما طفولتي الفلسطينية، فقد كانت مليئة بحكايات المكان، ودفء العائلة، وصوت الأرض، والأسئلة التي كانت تكبر داخلي قبل أنْ أجد لها الكلمات.
كبرت وأنا أؤمن أنّ القراءة نافذة واسعة على العالم، وأنّ الكتاب يستطيع أنْ يمنح الإنسان أكثر من حياة.
ومع مرور السنوات تحولت تلك الدهشة الأولى إلى شغف بالبحث، ثمّ إلى عشق للأدب والنقد حتى أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ وسيلة لفهم الإنسان، والدفاع عن الهُوية، وإعادة اكتشاف الجمال في أكثر اللحظات قسوة.
ولعلّ أجمل ما منحته لي الطفولة أنها علمتني أنّ الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من أي خطاب، وأنّ الحرف الذي يولد من القلب حتمًا سيصل إلى قلوب الآخرين دون
استئذان. - أيهما أقرب إليك: البحث الأكاديمي أم الإبداع الأدبي؟ ولماذا؟
لطالما سُئلت: هل تسكنين مختبر البحث أم حديقة الأدب؟ وأبتسم في كلّ مرة، لأنني لا أستطيع الفصل بينهما. أشعر أنّ الباحثة التي في داخلي تمدّ الأديبة بالمنهج والدقة والانضباط، بينما تمنح الأديبةُ الباحثةَ القدرة على الإصغاء إلى نبض النصوص، واكتشاف ما يختبئ بين الكلمات من جمال ورمزية.
عندما أكتب بحثًا علميًا أحرص أنْ يكون العقل حاضرًا بكل أدواته، وعندما أكتب نصًا أدبيًا أترك للقلب أنْ يقود اللغة إلى مساحاتها الرحبة، ولذلك لم أشعر يومًا أنني أقف بين طريقين متوازيين، فأنا أسير في طريق واحد تتعانق فيه المعرفة مع الإبداع.
وأؤمن أنّ الباحث الذي لا يمتلك حسًا جماليًا قد يفقد روح النص، كما أنّ المبدع الذي لا يمتلك عمقًا معرفيًا قد يكتفي بسطح اللغة.
لذلك كانت تجربتي محاولة دائمة لبناء جسر بين النقد والإبداع، وبين الفكر والوجدان، وبين المنهج والخيال حتى تصبح الكتابة فعلًا معرفيًا وجماليًا في آن واحد. - كيف تقيّمين واقع النقد الأدبي العربي؟
النقد الأدبي العربي يعيش اليوم مرحلة دقيقة تتجاور فيها الإنجازات مع التحديات.
فقد شهدنا خلال العقود الأخيرة انفتاحًا واسعًا على المناهج النقدية العالمية، وهو ما أسهم في إثراء الدرس الأدبي، لكنه في بعض الأحيان جعل بعض القراءات تنشغل بالمصطلح أكثر من انشغالها بالنص، وبالمنهج أكثر من الإنسان.
وأرى أنّ النقد الحقيقي لا يكتفي باستعراض النظريات بقدر ما يعيد اكتشاف جماليات النص، ويكشف طبقاته العميقة، ويقيم حوارًا حيًا بين المبدع والقارئ.
النقد رسالة ثقافية قبل أنْ يكون ممارسة أكاديمية، ولذلك نحن بحاجة إلى خطاب نقدي يجمع بين الصرامة العلمية والذائقة الأدبية، ويحترم خصوصية النص العربي، وينفتح على العالم دون أنْ يفقد هويته، فكل قراءة نقدية ناجحة يجب أنْ تضيف تفسيرًا للنص، وكذلك تضيف معنى جديدًا للحياة. - ما صفات الناقد الأدبي الناجح؟
الناقد الحقيقي هو الناقد الذي لا يبدأ بإصدار الأحكام، هو ناقد يبدأ بالإصغاء، فيصغي إلى النص، وإلى زمنه، وإلى صاحبه، وإلى قارئه أيضًا.
إنه قارئ استثنائي يمتلك معرفة واسعة، لكنه لا يسمح لهذه المعرفة أنْ تتحول إلى سلطة على النص.
وأعتقد أنّ أولى صفاته النزاهة الفكرية، ثم التواضع العلمي، والقدرة على الموازنة بين الذوق والمنهج.
فالناقد ليس قاضيًا يصدر الأحكام، وإنما هو شريك في إنتاج المعنى، يضيء الجمال حيثما يختبئ، وينبه إلى مواطن الضعف دون تجريح أو تعالٍ.
ويبقى أهم ما يميز الناقد الناجح في رأيي أنه يكتب عن النص بحبٍّ لا بانبهار، وبوعي لا بانطباع، فيجعل القارئ يرى في العمل الأدبي ما لم يكن قد انتبه إليه من قبل. - من أبرز الكتّاب الذين أثروا في تكوينك الفكري؟
أؤمن أنّ الكاتب يتشكّل من حوار طويل مع الكتب والأصوات التي تسكن ذاكرته. فكلّ كتاب قرأته ترك أثرًا، وكل مبدع التقيت بعالمه أضاف إلى رؤيتي للحياة والإنسان واللغة نافذة جديدة.
لقد كانت القراءة بالنسبة إليّ رحلة اكتشاف مستمرة، أتنقل فيها بين تجارب أدبية وفكرية مختلفة، لأجد في كل تجربة قيمة إنسانية أو سؤالًا يضيء طريق الفكر.
في فلسطين كان للشاعر الكبير محمود درويش حضور استثنائي في تكويني الأدبي؛ فقد علّمني أنّ القصيدة ذاكرة وهوية وأسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان.
وفي تجربة غسان كنفاني وجدت نموذجًا للكاتب الذي جعل من الأدب صوتًا للإنسان وقضيته، وأثبت أنّ الرواية يمكن أنْ تكون شهادة على التاريخ ونداءً للحرية والكرامة.
ومن مصر كان لـطه حسين أثر عميق في تشكيل رؤيتي لقيمة العقل وحرية الفكر، فقد جسّد معنى المثقف الذي يجعل من المعرفة مشروعًا للنهضة.
كما ألهمتني تجربة نجيب محفوظ في قدرتها على تحويل تفاصيل الإنسان اليومية إلى أدب خالد يكشف أعماق النفس والمجتمع، إلى جانب مشروع عباس محمود العقاد الذي قدّم نموذجًا للمثقف الموسوعي صاحب الفكر النقدي الواسع.
أما من الأردن، فقد استوقفتني تجربة الروائي والشاعر تيسير السبول، والذي ترك أثرًا بارزًا في الأدب الأردني الحديث، فقد حملت كتاباته أسئلة الإنسان العربي في مواجهة التحولات الكبرى، وجمعت بين الحس الوجودي والوعي الوطني والعمق النفسي.
لقد كان من أولئك الكتّاب الذين يغوصون في قلق الإنسان وأسئلته الداخلية، ولذلك بقيت تجربته حاضرة في الذاكرة الأدبية.
كما أقدّر تجربة إبراهيم نصر الله الذي استطاع أنْ يجعل من الرواية فضاءً لحفظ الذاكرة الفلسطينية والإنسانية، ولا سيما في مشروعه الروائي الذي جمع بين التاريخ والجمال والسرد.
ومن تونس كان للمفكر هشام جعيط أثر في رؤيتي للتاريخ والفكر العربي من خلال قراءاته العميقة والنقدية، كما وجدت في أدب محمود المسعدي نموذجًا فريدًا في تداخل الفلسفة باللغة والجمال.
ومن الجزائر ألهمني فكر مالك بن نبي في رؤيته الحضارية التي جعلت بناء الإنسان أساسًا لبناء الأمم، كما استوقفتني تجربة الروائي واسيني الأعرج بما تحمله من ثراء سردي وشاعرية في استعادة الذاكرة والتاريخ.
ومن سوريا كان لـحنّا مينه أثر كبير في تقديري للرواية التي تنحاز للإنسان البسيط، وتمنح المهمشين صوتًا وحضورًا، كما ترك نزار قباني بصمته في الوجدان العربي بقدرته على جعل الشعر قريبًا من القلب، نابضًا بالحياة.
ومن لبنان كان لـجبران خليل جبران حضور روحي وفلسفي خاص، فقد فتح أمامي أبواب التأمل في الإنسان والحرية والجمال، كما أسهم ميخائيل نعيمة في تعميق رؤيتي للأدب على أنّه بحث عن الحقيقة الإنسانية.
أما العراق، فقد تعلمت من علي الوردي أهمية السؤال النقدي وقراءة المجتمع بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، كما كان لـبدر شاكر السياب أثر كبير في فهم تحولات الشعر العربي الحديث، وقدرته على الجمع بين التجديد والعمق الإنساني.
وهكذا، كانت هذه الأسماء رفاقًا في رحلة التكوين الفكري لي؛ فمنهم تعلمت أنّ الأدب ليس ترفًا، وأنّ الكلمة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء زمن صاحبها، فهي تبقى حية ما دام هناك قارئ يبحث عن المعنى والجمال والإنسان. - هل أفادت وسائل التواصل الأدب أم أضرته؟
كلّ وسيلة جديدة تحمل في داخلها فرصة وتحديًا في الوقت نفسه.
وقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أبوابًا واسعة أمام الأدباء للوصول إلى القراء، واختصرت المسافات بين الكاتب وجمهوره، وأتاحت للأصوات الجديدة أنْ تجد منبرًا للتعبير.
لكنها في المقابل فرضت إيقاعًا سريعًا على الكتابة حتى أصبح النص في كثير من الأحيان يُقاس بعدد الإعجابات، لا بعمقه الفني أو بقيمته الفكرية.
وأنا أؤمن أنّ الأدب الحقيقي لا يخشى التكنولوجيا، لأنه قادر على التكيف معها، لكنه يرفض أنْ يخضع لمنطق الاستهلاك السريع.
فالنص العظيم يحتاج إلى قارئ يتأمل، لا إلى متصفح يعبر الكلمات في ثوانٍ.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الكاتب والقارئ معًا؛ فالأدوات تتغير، أما الأدب الصادق فيبقى قادرًا على الوصول إلى القلوب مهما تبدلت الوسائط. - كيف ترين واقع المرأة الفلسطينية في الإبداع؟
حين أستحضر المرأة الفلسطينية، لا أراها مجرد شخصية في رواية، ولا اسمًا في سجل الإنجازات، فمنذ طفولتي وأنا أراها الحكاية نفسها.
أراها الأم التي تحفظ أسماء القرى كما تحفظ أسماء أبنائها، والمعلمة التي تزرع المعرفة في زمن القلق، والكاتبة التي تحوّل الألم إلى نص، والباحثة التي تدافع عن الحقيقة بالقلم كما يدافع غيرها عنها بالفعل.
لقد استطاعت المرأة الفلسطينية أنْ تفرض حضورها في المشهد الثقافي العربي بجدارة، لأنها كانت تحمل رسالة بعيدا عن الظهور.
فكتاباتها خرجت عن دائرة التجربة الشخصية، وكانت مرآة لقضية شعب، وصوتًا لذاكرة جماعية، وشهادة على قدرة الإنسان على صناعة الجمال حتى في أكثر الظروف قسوة.
ومع ذلك، فما زالت أمامها تحديات عديدة تتعلق بفرص النشر، والتمكين الثقافي، والحضور النقدي، وإتاحة المساحات العادلة للإبداع.
وأؤمن أنّ المرأة لا تحتاج إلى امتيازات استثنائية، بقدر ما تحتاج إلى بيئة ثقافية تؤمن بالكفاءة، وتحترم الفكر، وتمنح الإبداع حقه بعيدًا عن أي تصنيفات مسبقة. - ما دور التعليم الرقمي في تعزيز الهوية الوطنية؟
في زمن أصبحت فيه الشاشات نافذة الأطفال الأولى على العالم، لم يعد السؤال: هل نستخدم التعليم الرقمي؟ إنما كيف نستخدمه؟
فالتكنولوجيا في ذاتها ليست هُوية، لكنها قد تصبح وعاءً يحمل الهوية أو وسيلة تذيبها تبعًا لما نضعه فيها.
ومن واقع تجربتي البحثية أؤمن أنّ التعليم الرقمي يستطيع أنْ يؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ الهُوية الوطنية إذا أحسنّا توظيفه.
فمن خلال المنصات التعليمية، والمصادر الرقمية المفتوحة، والمحتوى التفاعلي نستطيع أنْ نُعرّف أبناءنا بتاريخهم، وأدبهم، وتراثهم، ورموزهم الوطنية بلغة يفهمها هذا الجيل ويتفاعل معها.
إنّ الدفاع عن الهُوية اليوم لم يعد يقتصر على صفحات الكتب المدرسية، فقد أصبح يمتد إلى الفضاء الرقمي إذْ تُصنع المعرفة، وتُتداول الروايات، وتتشكّل القناعات.
ولذلك فإنّ الاستثمار في المحتوى الرقمي الوطني هو استثمار في مستقبل الوعي العربي، وفي صيانة الذاكرة من التشويه والنسيان. - هل تؤمنين بتكامل العلوم الإنسانية؟
إيمانًا عميقًا، فالعلوم الإنسانية ليست جزرًا منفصلة، وإنما هي أنهار تصب جميعها في بحر الإنسان.
فالأدب لا ينفصل عن الفلسفة، والنقد يحتاج إلى علم النفس، والتربية تستفيد من علم الاجتماع، واللغة تضيء التاريخ، كما يضيء التاريخ اللغة.
ولعلّ أجمل ما منحته لي رحلتي الأكاديمية هو هذا الوعي بأنّ المعرفة كلٌّ متكامل، وأنّ الباحث الذي يحاصر نفسه داخل تخصص ضيق قد يحرم نفسه من رؤية الصورة الكبرى.
ولهذا أحرص دائمًا على أنْ تكون قراءتي للنصوص متعددة الزوايا، لأنّ النص الأدبي كائن حي لا يمكن فهمه من نافذة واحدة.
وكلما اتسعت ثقافة الباحث ازدادت قدرته على اكتشاف المعاني الكامنة، وربطها بسياقاتها الفكرية والثقافية والإنسانية. - أين تنتهي حرية الكاتب وتبدأ مسؤوليته؟
أؤمن أنّ الحرية ليست نقيض المسؤولية، وإنما هي وجهها الآخر. فالكاتب يولد حرًا، لكنه يكتب وهو يدرك أنّ كلماته ستسكن عقول الناس وقلوبهم، وقد تبني وعيًا أو تهدمه.
ولهذا فإنني لا أرى في المسؤولية قيدًا على الإبداع بقدر ما هي حماية له. فالكاتب الحقيقي لا يساوم على الحقيقة، ولا يستثمر الكلمة لإثارة الكراهية أو تكريس الانقسام، وإنما يجعل من قلمه مساحة للدفاع عن الكرامة الإنسانية، والانتصار للجمال والعدل والحرية.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل النشر تصبح المسؤولية أكبر، لأنّ الكلمة تنتشر في لحظات، لكنّ أثرها قد يبقى لسنوات.
ولذلك فإنّ أجمل ما يمكن أنْ يتركه الكاتب بعد رحيله ليس عدد مؤلفاته، وإنما الأثر الأخلاقي والفكري الذي صنعته كلماته في حياة الآخرين. - ما أهم قضية ثقافية تشغل المثقف العربي اليوم؟
أعتقد أنّ القضية الثقافية الكبرى اليوم هي معركة الوعي، فالتحدي لم يعد نقص المعلومات، وإنما وفرتها الهائلة، واختلاط الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالدعاية، والفكر بالضجيج.
ولهذا أصبح المثقف العربي مطالبًا بأكثر من إنتاج الكتب؛ إنه مطالب بإعادة بناء العقل النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، والدفاع عن اللغة العربية، وحماية الهُوية الثقافية في عالم سريع التحول.
وأرى أنّ الثقافة ليست ترفًا للنخب، فقد باتت ضرورة لبناء المجتمعات.
فحين يضعف الوعي يسهل تزوير التاريخ، وتشويه الهُوية، وتفكيك منظومة القيم.
أما حين تكون الثقافة حاضرة، فإنها تصبح خط الدفاع الأول عن الإنسان، والوطن، والمستقبل.
ومن هنا، فإنّ رسالة المثقف العربي اليوم معقّدة نوعًا ما، فهو مطالب بأنْ يصف الأزمات، وأنْ يسهم في صناعة الأمل، وأنْ يعيد الثقة بقوة المعرفة، لأنّ الأمم لا تنهض بالقوة وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تعرف كيف تحلم، وكيف تعمل، وكيف تحافظ على ذاكرتها وهي تتطلع إلى المستقبل. - كيف يخدم الأدب الهُوية الوطنية؟
في طفولتنا قبل أن نتعلم قراءة الكتب كانت الجدات يقرأن لنا الوطن.
وكانت الحكايات الأولى تُروى على ضوء المساء، فتتحول القرية إلى قصيدة، والزيتونة إلى أمّ، والمفتاح المعلّق على الجدار إلى وعد بالعودة.
عندها أدركت، وإنْ لم أكن أعي ذلك تمامًا بأنّ الأدب هو الذاكرة عندما تخشى النسيان، وأنه الوطن عندما تضيق الجغرافيا.
إنّ الأدب يحفظ الهُوية لأنه يذكر أسماء المدن والقرى إلى جانب أنّه يحفظ روح الإنسان الذي عاش فيها، ولغته، وأحلامه، وموسيقاه الداخلية، وطريقته في الحب والحزن والمقاومة.
فالوطن قد يُحتل، لكنّ الحكاية التي تسكن وجدان الناس يصعب اقتلاعها.
ومن هنا، أرى أنّ الأدب الفلسطيني لم يكن يومًا مجرد جنس إبداعي، فقد كان وما زال وثيقة إنسانية وحضارية حمل الرواية الفلسطينية إلى العالم، ودافع عن حقّ الإنسان في أنْ يكون له تاريخ وصوت ومستقبل.
فكلّ قصيدة صادقة، وكلّ رواية أصيلة، وكلّ نص يكتب بصدق يضيف حجرًا جديدًا في بناء الهُوية الوطنية، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لتعرف مَن كانت، ومَن تكون، وإلى أين تمضي. - ما رسالتك إلى الشباب بشأن القراءة؟
أتذكر أنّ أول كتاب أحببته كان نافذة، ومنذ ذلك اليوم أقرأ لأعرف فقط، ولأتسع من الداخل، وأرى العالم بعيون أكثر إنصافًا ورحمة.
رسالتي إلى الشباب أنْ يجعلوا القراءة رفيقة أعمارهم، لا ضيفة مواسمهم. فالكتاب إلى جانب أنه يضيف إلى الإنسان معلومات، فهو يعيد تشكيل شخصيته، ويهذب لغته، ويمنحه القدرة على التفكير الحرّ، والتمييز بين الحقيقة والزيف، وبين المعرفة والضجيج.
في زمن تتسابق فيه الشاشات إلى خطف انتباهنا تبقى القراءة فعلًا من أفعال المقاومة، مقاومة السطحية، والاستعجال، والجهل.
وكلّ كتاب نقرؤه هو خطوة جديدة نحو إنسان أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
وأقول دائمًا: اقرأوا لأنّ الأوطان تحتاج إلى عقول مستنيرة أكثر مما تحتاج إلى أصوات مرتفعة، ولأنّ القارئ الجيد هو القادر يومًا ما على أنْ يكون كاتبًا، أو معلمًا، أو قائدًا يصنع الفرق. - ما أبرز مشاريعك العلمية والأدبية القادمة؟
لا أنظر إلى البحث العلمي على أنّه محطة تنتهي، فهو رحلة تتجدد مع كل سؤال جديد، ولذلك فإنني أواصل العمل على مشاريع بحثية تتقاطع فيها التربية، والنقد، والهُوية الوطنية، والتقنيات الرقمية انطلاقًا من إيماني بأنّ المعرفة ينبغي أنْ تواكب تحولات العصر دون أنْ تفقد جذورها.
كما أعمل على استكمال مشروعات نقدية وأدبية تنطلق من اهتمامي بسيميائية الخطاب الأدبي، وجماليات اللغة، ودورها في بناء الوعي الثقافي، إلى جانب دراسات تُعنى بتوظيف مصادر التعلم المفتوحة والتعليم الرقمي في تعزيز الهوية الوطنية، وهي قضايا أؤمن بأنها تمثل إحدى أولويات المرحلة الراهنة.
أما على المستوى الإبداعي، فما زلت أؤمن أنّ لكل تجربة إنسانية نصها الذي لم يُكتب بعد، وأنّ الكاتب الحقيقي لا يتوقف عن الإصغاء إلى الحياة، لأنها تمنحه في كلّ يوم بداية جديدة لحكاية جديدة. - كيف ترين مستقبل الثقافة مع الذكاء الاصطناعي؟
نعيش اليوم لحظة تاريخية تُعيد تعريف علاقتنا بالمعرفة والإبداع.
والذكاء الاصطناعي في تقديري ليس خصمًا للثقافة، فقد بات اختبارًا جديدًا لها.
إنه يفتح آفاقًا واسعة للوصول إلى المعرفة، وتحليل البيانات، ودعم البحث العلمي، لكنه لا يستطيع أنْ يمنح النص نبضه الإنساني، ولا أنْ يكتب ذاكرة شعب عاش الألم والأمل معًا.
فالإبداع الحقيقي لا يولد من الخوارزميات وحدها، وإنما يولد من التجربة، ومن الدهشة، ومن ذلك الارتعاش الخفي الذي يسكن قلب الكاتب عندما يلتقي بالحقيقة.
وأعتقد أنّ مستقبل الثقافة سيكون أكثر إشراقًا إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كشريك في الإنجاز، لا بديل عن الإنسان. فالتكنولوجيا تمنحنا الأدوات، أما القيم، والخيال، والتجربة المتفرّدة، والضمير فلا تزال تنتمي إلى الإنسان وحده. - ما الرسالة التي تودين توجيهها للأجيال القادمة؟
إذا كان لي أنْ أترك رسالة واحدة للأجيال القادمة، فسأقول: لا تسمحوا لأحد أنْ يكتب ذاكرتكم بدلًا منكم، ولا أنْ يعرّفكم بأنفسكم من خارج تاريخكم.
تمسكوا بالعلم، لأنه الطريق الأكثر أمانًا نحو الحرية، وتمسكوا بلغتكم، لأنها البيت الذي لا تهدمه العواصف، وتمسكوا بأخلاقكم، لأنّ الأمم تُعرف بقيمها قبل أنْ تُعرف بمنجزاتها.
ازرعوا شجرة، واقرؤوا كتابًا، واكتبوا فكرة، ومدّوا أيديكم إلى الحياة بمحبة. فالعالم لا يتغير بالكراهية، وإنما يتغير بالعقول التي تؤمن بالحوار، والقلوب التي تعرف معنى الإنسان.
ولا تنسوا أنّ الأوطان لا تُورَّث كما تُورَّث البيوت، فهي تُبنى كلّ يوم بالعلم، والعمل، والوعي، والوفاء لمن سبقونا، والإيمان بمن سيأتون بعدنا.
وفي ختام هذا اللقاء اسمحوا لي أنْ أترك نافذة مفتوحة على الإيمان بقوة الكلمة.
لقد علمتني فلسطين أنّ الحرف قد يصبح وطنًا عندما تضيق الأمكنة، وأنّ الثقافة مسؤولية أخلاقية وحضارية، وأنّ الإنسان يبقى حيًا ما دام قادرًا على أنْ يحلم، ويقرأ، ويكتب، ويمنح الآخرين قبسًا من النور.
أغادر هذا الحوار كما يدخل الكاتب إلى الصفحة الأولى من كتابه مؤمنةً بأنّ كل كلمة صادقة تستطيع أنْ تصنع أثرًا، وكلّ فكرة نبيلة قد تصبح يومًا ما بذرةً لمستقبل أجمل.
فإذا بقي من هذا اللقاء شيء في ذاكرة القارئ، فليكن هذا اليقين:
“قد لا نستطيع أنْ نغيّر العالم دفعةً واحدة، لكننا نستطيع أنْ نكتب كلمةً صادقة، والكلمات الصادقة هي وحدها التي تمتلك القدرة على عبور الزمن، وبناء الإنسان، وحفظ الأوطان”.



