البحر في شعر الهايكو الياباني/ بنيامين يوخنا دانيال

( سأطالع كتابا من الشعر على الشاطئ من أجلك , أنت الذي لا تنطق بكلمة واحدة . سأرعاك أيها البحر القديم إلى الأبد .. سأكون برفقتك – إينو تاغوتشي )
إن البحر في الثقافة اليابانية القديمة و الحديثة هو كيان يثير الخوف و الرهبة عندما يكون جياشا جالبا للدمار الرهيب ( التسونامي , الفيضانات المدية , الزلازل البحرية .. الخ ) , كما يثير التبجيل و التكريم أيضا في كل حالاته العديدة , و يحظى بالصلاة من أجله في الكثير من طقوس ( الشنتو ), ديانة اليابان القومية و صانعة هويتها المميزة , كما إستهل أن تقام الأضرحة لتكريم بعض آلهته ( ريوجين , هوديري , سوسانو ) , و منها ( إيتسوكوشيما , كوتوهيرا , سوميوشي تايشا , ريوجو , تودوروكي ) . و ربما لذلك علاقة بالجغرافيا البحرية لليابان بالدرجة الأساس , إذ هناك حقيقة مفادها أن اليابان عبارة عن أرخبيل يتكون من مئات الجزر المأهولة و غير المأهولة المحيطة ببحر الصين الشرقي و بحر اليابان و بحر ( أوخوتسك ) و المحيط الهادى ( 14125 جزيرة في عام 2023 ) , لتعطي البحر ذلك الحضور الدائم و الدور العظيم و البين في المجتمع و الثقافة و التاريخ و الفن و الهوية اليابانية المميزة , و بما في ذلك أدبها , و شعر الهايكو خصوصا , فكان له النصيب الأكبر على خارطة الأدب الياباني . فقد استحوذ البحرعلى قلوب و عقول شعراء الهايكو بغموضه و سحره , ببراءته و سكونه , و بخطورته و جماله .. فمن أغواره السحيقة الغنية بمختلف المخلوقات التي دعمت حياة البشر منذ عصور ما قبل التاريخ إلى سواحله المديدة الزاخرة بمختلف أشكال الحياة , استحظرت صورا آسرة و أخاذة تلامس الحواس و العواطف . و إليكم بعض قصائد الهايكو اليابانية المستوحاة من البحر , و هي موزعة على فترات زمنية مختلفة ( مترجمة عن الإنكليزية ) : –
1 – ماتسوو باشو ( 1644 – 1694 )
( 1 )
البحر الهائج –
يمتد مغطيا سواحل جزيرة سادو
درب التبانة
وفقا لمذكرات كاواي سورا للفترة 1689 – 1691 ميلادية , و كان رفيق باشو في السفر و أصغر منه سنا , كتبت هذه القصيدة في 6 تموز 1689 عند وصولهما إلى ( نيغاتا ) من ( ساكاتا ) بعد رحلة شاقة و طويلة استغرقت تسعة أيام . أما ( سادو ) أو جزيرة الذهب فتقع غرب البر الرئيسي في بحر اليابان , و قد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلم و الثقافة ( اليونسكو ) مناجمها القديمة في قائمتها لمواقع التراث العالمي في عام 2024 . كتب ( فرانك ويتكام ) في معرض تعليقه على لوحة ( الموجة العظيمة – الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا 1831 ) ل ( كاتسوشيكا هوكوساي ) ( 1760 – 1849 ) , و هو الزميل المشارك في قسم التخطيط التنظيمي في متحف طوكيو الوطني و المحاضر في تاريخ الفن الياباني في جامعة ( روكيو ) : لقد قدم شاعر الهايكو العظيم ( ماتسوو باشو ) وصفا دقيقا لبحر اليابان المتوحش قبالة جزيرة ( سادو ) البعيدة في واحدة من أشهر قصائده , و لم يكن الشاعر الوحيد الذي وصف البحر الجياش في شعره , فقد وصف الشاعر ( كاكيموتو نو هيتومارو ) ( 662 – 710 م ) اليابان بأنها جزيرة تختبىء وراء ألف موجة متلاطمة .
***
( 2 )
بينما الشمس حارقة
تركب مجموعة ما البحر
على مقربة من نهر موغامي
نظم باشو هذه القصيدة أثناء توجهه إلى ( أوشيدا ) المدينة الساحلية المزدهرة على نهر ( موغابي ) وذلك بعد أن أمضى ليلة واحدة في ( ياماديرا ) , و قبلها أحد عشر يوما في ( أوبانازاوا ) . و بعد ( أوشيدا ) يمم باشو شطر ( شينجو ) التي كان يحكمها اللورد ( توزاوا ) , و أقام في منزل ( شيباتا فوريو ) التاجر الغني الشغوف بشعر الهايكو , و قابل هناك بعض الشعراء . أما نهر ( موغامي ) فقد كان قديما شريان الحياة الاقتصادية الذي يربط شمال البلاد و ( كيوتو ) . و ينبع من ( ياماغاتا ) و يتدفق أخيرا نحو ( ساكاتا ) في بحر اليابان , و قد نال شهرة واسعة في جميع أنحاء البلاد بعد وروده في قصيدة ( ماتسوو باشو ) . و للشاعر قصيدة أخرى حول نهر ( موغامي ) , و الكيفية التي تتدفق بها مياه الأمطار الغزيرة في سيول خلال شهر أيار , لتزداد سرعة و عنفوان جريان هذا النهر نحو بحر اليابان . و جاء فيها :
تستجمع الأمطار
في الشهر الخامس
فيسرع نهر موغامي
***
( 3 )
البحر الأزرق
تفوح من أمواجه رائحة الساكي
في ليلة مقمرة
كتب باشو العديد من قصائد الهايكو حول السكر و تناول مشروب ( الساكي ) , و هو مشروب كحولي يحضر من الماء و الرز المخمر أو البطاطا أو قصب السكر . يعود تاريخه في اليابان إلى القرن الثالث الميلادي وفق إحدى النظريات . و من قصائده أيضا :
أيتها السنونوة
لا تسقطي الطين أثناء طيرانك
في كأس الساكي الخاص بي
***
عندما أحتسي الساكي
يجافيني الكرى تماما
في هذه الليلة المثلجة
***
( 4 )
باكورة الخريف
اليم و الحقول
بذات اللون الأخضر
***
( 5 )
تشتد ظلمة البحر
يخفت زبيط البط البري
الأبيض
كتب باشو هذه القصيدة أثناء إحدى رحلاته على طول ساحل البحر ( انطلقت من إيدو باتجاه مسقط رأسه في إيغا مرورا بكيوتو و نارا و أوتسو ) , و قد ظهرت في مذكرات ( نوزاراشي كيكو – سجلات هيكل عظمي معرض للعوامل الجوية – رحلة عظام منهكة من العوامل الجوية ) المكتوبة في صيف عام 1684 بأسلوب ال ( هايبون ) الذي يجمع بين النثر و شعر الهايكو , و المنشورة في عام 1687 . و وفقا ل ( نوبويوكي يواسا ) فهو ( أول عمل لباشو نجد فيه لمحات من أسلوبه الناضج ) . و بحسب ( فيكتوريا برايس ) فقد استخدم الشاعر البحر المظلم كخلفية لزبيط البط البري و ذلك لابراز التفاعل بين الصوت و الصورة البصرية .
***
( 6 )
أطلق سهما
على شاطىء البحر في سوما
عندما وقوق طائر الوقواق
أما ( سوما ) فهي مدينة في منطقة ( توهوكو ) شمال شرق اليابان , و هي مطلة على المحيط الهادىء . كانت آخر مدينة في رحلة ( ماتسوو باشو ) الشهيرة التي بدأها في خريف عام 1687 و انتهت في أواخر صيف 1688 , و قد مر خلالها ب ( إيدو و إيغا و ضريح إيسي الكبير و أوي نونا غويا و أوساكا و كيوتو و أوتسو ) . و قد أدرج القصائد التي كتبها خلال هذه الفترة في كتابه الموسوم ( مذكرات من حقيبتي – دفتر الحقيبة – ملاحظات على حقيبة الظهر – أوي نو كوبومي 1688 ) . و هو يشير في قصيدته هذه إلى قصة الرامي البارع ( ميناموتو يوريماسا ) من القرن الثاني عشر الذي أطلق سهما على الطائر الذي كان يزعج الإمبراطور بصوته الصاخب . أما كتاب ( أوي نو كوبومي ) المشار إليه فهو كتاب رحلات كتبه الشاعر بأسلوب ال ( الهايبون ) أيضا , و قد ابتكره باشو في القرن السابع عشر , جامعا بين النثر الأدبي المكثف و قصيدة الهايكو . و يعتبر كتابه ( الدرب الضيق نحو أقصى الشمال – أوكو نو هوسوميتشي ) المكتوب أساسا خلال رحلته في أيارعام 1689 , و المنشور رسميا في عام 1702 من أبرز أعماله المكتوبة بهذا الأسلوب . و كانت الرحلة قد استغرقت خمسة أشهر , قطع فيها باشو براري الشمال سيرا على الأقدام .
***
2 – يوسا بوسون ( 1716 – 1784 )
البحر في الربيع ,
مد و جزر طوال اليوم ,
مد و جزر
***
( – تاكاتو أكاني ( 1985 – 3
( 1 )
الأستلقاء في قاع البحر
بعيدا
مطاردة اليراعات
***
( 2 )
نزع القميص
بقية قصتي
الصيف المبكر , البحر
***
4 – سيشي ياماجوتشي ( 1874 – 1959 )
ذات مرة , فوق البحر
لم تقدر الرياح الشتوية
على العودة إلى موطنها مجددا
هذه إشارة إلى الطيارين الانتحاريين ( الكاميكازي – رياح الآلهة – الرياح المقدسة ) في وحدة قوات الهجوم الخاصة اليابانية إبان الحرب العالمية الثانية الذين زودت طائراتهم بالوقود الكافي لبلوغ أهدافهم , و لكن دون تمكنهم من العودة إلى قواعدهم .
***
يوجي كينوشيتا ( 1914 – 1965 ) 5 –
تفتح أزهار دوار الشمس
على وقع صوت البحر –
عيونها السوداء
***
6 – شوشي فوجيتا ( 1926 – )
الاحساس بانعدام الحب –
أسبح مبتعدا
في البحر المفتوح
***
7 – ميناكو تسوجي ( 1965 – )
كل بحر
متصل بالبحار الأخرى
يوم رأس السنة
***
8 – هاسيغاوا كاي ( 1954 – )
( 1 )
تهطل البواكير الأولى
لأمطار الصيف على الجزيرة
تسقط في البحر
***
( 2 )
أغوار البحار
تنام الجبال أيضا
الواحد بعد الآخر
***
9 – ميزوهارا شوشي ( 1892 – 1981 )
شاطىء البحر
ثمة قبعات صيفية
تعكس أشعة الشمس
***
10 – سايتو سانكي ( 1900 – 1962 )
أفول الشمس في الخريف
يسحب البحر
عظام سمكة كبيرة
***
11 – كينيو هاياشيدا ( 1924 – 1998 )
معرفة لون سفينة حربية غارقة
تحت سطح البحر :
زجاجة رضاعة
***
12 – ماساوكا شيكي ( 1867 – 1902 )
( 1 )
ريح عاتية
تنثر النجوم
على وجه البحر
***
( 2 )
ينزلق طائر الغاق
بالقرب من السطح
بحر رمادي
***
( 3 )
يغيب القمر
فارتفعت أمواج البحر
العاتية
***
13 – أكاتاجاوا ريونوسوكي ( 1892 – 1927 )
ريح عاتية –
ينعكس لون البحر
على السردين المجفف
***
14 – إيكوتشي تاكيشي ( 1889 – 1974 )
فصل الشتاء
أمكث في الداخل
متجاهلا البحر الهائج
***
15 – سوزونو أومين ( 1981 – )
بحر أكاشي –
تسديد سهام من العشب
في ضوئه الباهر
يقصد ببحر ( أكاشي ) في الغالب مضيق أكاشي المحيط بمدينة بذات الاسم في محافظة ( هيوغو ) غرب وسط جزيرة ( هونشو ) اليابانية . تيارات المد و الجزر فيه سريعة قد تبلغ ( 4,5 م ) في الثانية , و هي الأسرع في البلاد .
كما تم تناول موضوع البحر في شعر التانكا أيضا , و إليكم مجموعة قصائد يابانية من هذا النوع الشعري ( مترجمة عن الإنكليزية ) : –
1 – إيشيكاوا تاكوبوكو ( 1886 – 1912 )
ممددا على الرمال البيضاء
لشاطىء جزيرة صغيرة
في البحر الشرقي
تجري الدموع على وجهي
و أنا أتلهى بسرطان البحر
***
2 – يوسانو أكيكو ( 1878 – 1942 )
قالوا لي إن الطريق الذي أطرقه
سيفضي إلى بحر الموت
فعدت أدراجي و أنا في منتصفه
لتصبح جميع الأطرقة التي سلكتها
متشابكة و ملتوية و مهجورة مذاك
***
3 – كاكينوموتو نو أسومي – هيتومارو
تطير طيور الزقزاق منزلقة
فوق أمواج البحر في أومي
عند الغسق
تراودني الأفكار عن أمور
من الزمن البعيد
كتبها الشاعر ( هيتومارو ) الذي لا يعرف تاريخ ولادته و وفاته على وجه الضبط خلال فترة ( نارا ) ( 710 – 794 م ) , و تجسد ماهية التوق البشري و قوة البحر في استحضار الذكريات و العواطف . أما ( أومي ) فهي محافظة ( شيجا ) حاليا . و كانت مهمة سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و استراتيجيا منذ القدم . و الزقزاق ( تشيدوري باللغة اليابانية ) الذي هو رمز المثابرة وسلامة الأسرة فكان واسع الأنتشار على الشواطىء اليابانية , و خصوصا في موسم الشتاء , متحديا الأمواج العالية و الطقس القاسي . و للفنان الياباني ( أوتاغاوا هيروشيجي ) ( 1797 – 1858 ) لوحة فنية ملونة مرسومة على الخشب بعنوان ( الزقزاق و الأمواج تحت ضوء القمر ) , و هي تعبر عن سلوك هذا الطائر عندما يكون البحر جياشا .
***
4 – نيجوين نو سانوكي
إن كم ثوبي مثل الصخرة
المغمورة في عرض البحر
فلا يمكن رؤيتها حتى في حالة الجزر
و لا يعرفها أحد
ولكنها لا تكون جافة حتى للحظة واحدة
كانت ( نيجوين نو سانوكي ) سيدة نبيلة و شاعرة واكا رائدة من أواخر فترة ( هييآن ) ( 794 – 1185 م ) و بداية فترة ( كاماكورا ) ( 1185 – 1333 م ) .عرفت أيضا باسم ( تشوغو سانوكي – السيدة سانوكي ) , و تم الإشارة إليها باسم ( أوكي نو إيشي نو سانوكي ) . ابنة المحارب الشاعر المعروف ( ميناموتو نو يوريما ) . كانت مرافقة الإمبراطور المتقاعد ( نيجو ) ( 1141 – 1217 ) . وردت قصائدها في المجموعة الإمبراطورية ( سينزاي واكاشو – مجموعة الألف عام ) المتضمنة ( 1285 ) قصيدة موزعة على ( 20 ) مجلدا , و المجمعة خلال الفترة ( 1183 – 1187 م ) من قبل الشاعر و الراهب البوذي ( فوجيوارا نو شونزي ) ( 1114 – 1204 ) و بأمر من الإمبراطور . كان السائد وقتها أن يتم استخدام عبارة ( الأكمام المبللة بالأدمع ) في الأعمال الأدبية للتعبير عن الحب من طرف واحد , و كانت الأكمام وسيلة للتعبير عن الحب و اللوعة و الذكريات وغيرها من خوالج النفوس . و كانت قديما رمزا رومانسيا قويا , و يقصد بها في الغالب أكمام الكيمونو الطويلة و المتدلية للنساء . و منها قصيدة للشاعرة ( إنبومون – إن نو تايو ) و عدة قصائد للشاعرة الأميرة ( شيكيشي أو شوكوشي ) و غيرها من القصائد الواردة في الديوان الشعري الجامع ( هياكونين إيشو – مئة شاعر و بيت ) الذي حرره الروائي و الناقد و الشاعر و الباحث ( فوجي وارا نو تيكا ) ( 1162 1241 ) .
***





