هكذا خدعتني قصيدة الشاعر العراقي هزبر محمود والتي قرأها في مهرجان الشعر العربي لأنها فقدت وحدة نسقها وأوهمتني ببريقها البلاغي/ياس الركابي / كركوك

….
وها انا ادّعي….. بأنَّ أخطر ما في هذه القصيدة هو ليس ضعف بعض صورها أو اضطراب بعض تراكيبها فحسب… بل إنها توهم المتلقي بأنها نص عميق من خلال استثمار قائلها للغموض بديلًا عن المعنى… والجرس البلاغي بديلًا عن البناء… ولهذا صفق لها بعض المنتدبين عند البيت السابع والثامن لأنهم انبهروا بالصوت أكثر من إصغائهم للنسق الداخلي…حيث فشل النص في تأسيس نظامه الداخلي منذ المطلع… لأن بنيته لم تقم على علاقة عضوية بين الوحدات بل اوردها الشاعر هزبر على سلسلة من الجمل المنفصلة التي لاينتج بعضها بعضًا…حيث بدأ بـ (ما من صلاة في العيون تقام ….فلمن إذن تتوضأ الأقلام) وهو ينقل فعل الصلاة إلى العيون ثم يجعل الأقلام تتوضأ… وانا اتساءل مع الشعراء : ما الرابط البنيوي الذي يجعل العين سببًا لوضوء القلم؟ فليس امامي كقارئ سوى رغبة شاعرنا في الإدهاش الذي انقطع معه النظام الدلالي …ثم ينتقل إلى (والمجد سوح لاشتاء يعودها ….عجبًا ولا تتعرق الأحلام)… فإذا كان الشتاء زمنًا للبرد فإن نفي تعرق الأحلام يصبح تحصيل حاصل لم ينتج معه دلالة جديدة… وكأن الصورة قد قوّمها هزبر على مفارقة لفظية …لا على ضرورة داخلية.أما البيت (والأرض آلاف من الآباء أح….ياء فما لجذورنا أيتام) فقرأته من أكثر الأبيات التي بدت قوية عند سماعي لها لكنها انهار ت عند التفكيك… فالجذور لا تكون أيتامًا بوجود الآباء أو غيابهم… لأن الجذر في ذاته هو أصل… والآباء أصل أيضًا… وهنا وقع شاعرنا في وهم فقهي لأنه جاء بتشبيهه دائريًا لتنعدم معه الإضافة المعرفية وهو يستبدل العلاقة المنطقية بعلاقة خطابية…وفي قوله (ووسائد فينا وليس ولاؤها…لرؤوسنا فانحازت الأحلام)..هنا.. تتحول الوسائد حسب هزبر إلى كائن سياسي يمتلك الولاء والانحياز… الا ان النص كما هو واضح لا يؤسس لهذا التحول الرمزي… لأتساءل مع نفسي هذه المرة: هل اراد الشاعر بالوسائد رمزًا للراحة أم للخيانة أم للسلطة؟ لانه وبموجب وصفه هذا جعل من الصورة معلقة في الهواء…حتى يبلغ الاضطراب ذروته في قوله (إني على طرف الدواة فها أنا…. يا حبرها يا أيها النمام) فالحبر صار نمامًا!!!..ونحن نعلم بأن النميمة هي فعل اجتماعي يحتاج إلى أطراف يتداولون الأسرار… بينما الحبر مجرد وسيط للكتابة… ولو أراد هزبر محمود أن يجعل الحبر شاهدًا أو خائنًا لاحتاج إلى سياق آخر يؤسس لهذه الاستعارة.. ليطلقها إطلاقًا…أماقول هزبر : (قل مات أو ما مات أو لم تولدالر…رغبات فيه وعمقه أوهام) فهو مثال واضح على انهيار الاقتصاد اللغوي……نعممممممممم. فثلاثة احتمالات متناقضة في جملة واحدة… مات… ما مات… لم يولد… هكذا سيقت دون ان يترتب على أي منها أثر دلالي… وكأن الاحتمالات جاءت لإيهام المتلقي لهزبر محمود بالعمق…. بينما… هي تلغي بعضها بعضًا….وهكذا يزداد الخلل في (قل ليس يقصد بالسؤال سوى التمس…سك بالكلام وما له استفهام)… فإذا انعدم الاستفهام فلماذا هو سؤال؟… السؤال بلا استفهام ليس سؤالًا إلا إذا أقام النص نظامًا تأويليًا يبرر ذلك… وهو ما لم يتحفنا به النص…أما البيت الذي صفق له الجمهور (أنا أيدتني الشمس فاتقدت شعو..بٌ يومها خان الطغاة فناموا) فرأيت فيه انه أكثر الأبيات شعبوية… لأن العلاقة السببية فيه مفككة… فكيف أدى تأييد الشمس للشاعر إلى اشتعال الشعوب؟… وكيف قاد ذلك إلى نوم الطغاة؟… ولماذا ينام الطغاة عند خيانة الشعوب أو اشتعالها؟… لا توجد سلسلة منطقية تربط هذه الأحداث… بل مجرد شعارات رسمها هزبر عالية بنبرتها حتى يأتي الختام بقوله (لي آخر الأموات والموت اختفى …..فلأين تصعد هذه الأرقام) ليعلن القطيعة النهائية مع البنية… فما علاقة الأرقام بالموت؟… ولماذا تصعد؟… وهل المقصود الإحصاءات أم العدادات أم الشهداء؟… النص لا يمنح أي مفتاح… ولذلك لا يصبح مفتوحًا على التأويل بعد ان صاغه هزبر مغلقًا على الالتباس…….إن البنية العامة للقصيدة قامت على إنتاج صورة ثم هجرها فورًا… فلا تتراكم الصور لبناء مركز دلالي واحد… ولا تتساند الاستعارات لتشكيل حقل رمزي متماسك… بل (((صنعت متجاورة))) كما تتجاور لافتات في شارع مزدحم…فكل واحدة تصرخ وحدها ولا تسمع الأخرى
فبدت القصيدة فاقدة لوحدة النسق… إذ يمكنني انا ياس الركابي تقديم بيت وتأخير آخر أو حذف نصف الأبيات دون أن يختل البناء… لأن البناء في هذا النص غير موجود أصلًا… وإنما توافر هو مجموعة من الشذرات البلاغية التي يجمعها الوزن والقافية فقط وإن التصفيق الذي نالته هذه القصيدة يفرض علينا النظر لها كوثيقة اجتماعية ثقافية تكشف لنا انماط التفكير والهوية والسلطة والصراعات والطبقات والقيم أكثر من النظر لها نقديًا… فالإلقاء الحماسي… والألفاظ الكبيرة مثل الشمس… المجد… الطغاة… الأحلام… الموت… منحت السامعين انطباعًا بالعظمة… لكن القراءة الهادئة تكشف أن هذه المفردات لم تتحول إلى منظومة شعرية… وإنما بقيت مفردات منفصلة تتجاور دون أن تتفاعل
ولو أزيل الوزن والقافية من هذا النص لانكشف مقدار الفراغ الذي تخفيه الموسيقى… فالفحولة الشعرية ايها الشعراء لا تُقاس بضجيج الاستعارة ولا بارتفاع التصفيق… وإنما بقدرة النص على بناء عالم تتساند فيه العلامات وتتكامل العلاقات وتولد كل صورة من رحم الصورة التي قبلها… وهذا مالم يتحقق في قصيدة هزبر محمود الشاعر اللذيذ





