المضمون والأسلوب:مرايا الضمير (5 )-د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

العمل الادبي لغة سليمة كلمات ذات معان واضحة اسلوب ومحتوى،
كثيرًا ما ينشغل الناس بالحكم على الأعمال الأدبية والفنية من خلال ما تحمله من أفكار ورسائل، فيركزون على المضمون ويجعلونه المعيار الأول للنجاح أو الفشل. غير أن التجربة الإنسانية والإبداعية أثبتت أن الفكرة مهما بلغت من العمق والأهمية قد تفقد جزءًا كبيرًا من أثرها إذا لم تجد الأسلوب القادر على حملها وإيصالها إلى المتلقي.
فالمضمون هو ما يريد المبدع أن يقوله، أما الأسلوب فهو الكيفية التي يقدمه بها. وإذا كان المضمون يمثل الروح، فإن الأسلوب يمثل الجسد الذي تظهر من خلاله تلك الروح. ولا يستطيع أحدهما أن يؤدي دوره كاملًا بمعزل عن الآخر.
كم من فكرة عظيمة ضاعت في زحام التعبير المرتبك، وكم من رسالة نبيلة فقدت تأثيرها بسبب ضعف اللغة أو سوء العرض أو غياب التنظيم. وفي المقابل نجد أعمالًا تتمتع بجمال أسلوبي لافت، لكنها لا تترك أثرًا طويلًا في الذاكرة لأن مضمونها كان محدودًا أو سطحيًا. أما الأعمال التي تعيش طويلًا في وجدان الناس فهي تلك التي تحقق التوازن بين عمق الفكرة وجمال التعبير.
ومن هنا يمكن القول إن الإبداع الحقيقي لا يقوم على المضمون وحده ولا على الأسلوب وحده، بل على العلاقة العضوية بينهما. فحين ينسجم الفكر مع التعبير، والمعنى مع الصورة، والرسالة مع طريقة تقديمها، يولد العمل القادر على البقاء والتأثير.
إن السؤال ليس فقط: ماذا نقول؟ بل كيف نقول ما نريد قوله؟ وعندما يلتقي الجوابان في عمل واحد يصبح الإبداع أكثر قدرة على الوصول إلى العقل والقلب معًا.
احياناّ عندما نقرأ بعض القصائد مبعثرة الكلمات ندخل في دوامة ادراك المعنى ،او عندما نسمع خطابا بكلمات رنانة دون فوارز او نقاط او تلوين في الالقاء وعدم توافق لغة الجسد مع المضمون ،لا نرتاح له ،
وربما لهذا السبب لا يبحث المبدع الحقيقي عن الكلمات الجميلة وحدها، ولا عن الأفكار العميقة وحدها، بل يبحث عن ذلك التوافق النادر الذي يجعل الكلمة جديرة بالفكرة، ويجعل الفكرة جديرة بالكلمة
“الأسلوب المنظم في التعبير يؤثر كثيرًا في الجوهر..
وهنا تكمن إحدى أسرار الإبداع: أن يصبح الأسلوب مرآة صادقة للمضمون، وأن يتحد الاثنان حتى لا يعود القارئ يرى بينهما فاصلًا، كما لا يفصل بين الضوء ووهجه، أو النغمة وصداها ،
هل تكفي الفكرة العظيمة وحدها؟ أم
أن طريقة تقديمها لا تقل أهمية عنها؟
كثيرًا ما نجد فكرة رائعة ضاعت بسبب أسلوب ضعيف، كما نجد أحيانًا أسلوبًا مبهرًا يخفي وراءه مضمونًا هزيلًا. لكن الأعمال الخالدة هي تلك التي تحقق التوازن بين الاثنين
في الختام لعل من المفارقات التي تستحق التأمل والقول أن الإنسان قد يمتلك القدرة على التوجيه والنقد أكثر مما يمتلك القدرة على الأداء نفسه. فمدرب الموسيقى قد لا يكون أعظم عازف، وناقد الأدب قد لا يكون أفضل الروائيين، والمعلم قد يشرح قواعد الكتابة بإتقان من دون أن يكون شاعرًا كبيراّ ،
غير أن هذه الحقيقة لا تقلل من قيمة التوجيه أو النقد، فلكل منهما دوره في بناء الإبداع وتطويره. إلا أن العمل الأدبي والفني يظل في النهاية ثمرة التقاء الرؤية بالقدرة، والفكرة بالتعبير، والمعرفة بالتطبيق. ولذلك يبقى المضمون والأسلوب شريكين لا غنى لأحدهما عن الآخر، لأن الفكرة العظيمة تحتاج إلى لغة تليق بها، كما يحتاج الأسلوب الجميل إلى معنى يمنحه الحياة،
اكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب





