مرايا الضمير (3)هل يستطيع الانسان ان يكون خصماّ وحَكَماّ ؟ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

يا أعدلَ الناسِ إلا في معاملتي
فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصْمُ والحَكَمُ
تكمن عظمة البيت في هذا التناقض البديع؛ فهو يخاطب من يراه أعدل الناس، ثم يستثنيه في أمرٍ واحد: معاملته له. وكيف يطلب الإنصاف ممن هو في الوقت نفسه الخَصْم والحكم؟ إنها صورة تختصر شعور الإنسان حين يصبح ميزان العدالة بيد من يتعلق به قلبه.
وأظن أن هذه الأبيات يمكن أن تكون مدخلًا لموضوع جميل، لكن ليس عن الحب وحده، بل عن العدالة عندما تختلط بالمصلحة أو العاطفة. فالإنسان، مهما ادعى الإنصاف، يصعب عليه أن يكون قاضيًا نزيهًا في القضية التي يكون طرفًا فيها،
هل يستطيع الإنسان أن يحكم على نفسه؟ وهل يمكن أن يكون الخصْم هو الحَكَم؟ أليست كثير من خلافاتنا اليوم نابعة من أننا نحاكم الآخرين بمعيار، ونحاكم أنفسنا بمعيار آخر،ومن هنا يبدأ الصراع ،بين الذات والاخر ،
في حالات كثيرة أتساءل
كيف نتخلص من انانيتنا وكيف نحب الاخر ونحن ندرك اننا لايبقى منا غير اعمالنا ؟
ما الشيء الذي يجب ان يتغير لكي نحقق العدالة تلقائيا من ذات انفسنا وبذلك نصبح الخصم والصديق والحَكَم ،
أظن أن العدالة لا تبدأ من القانون، ولا من القضاء، ولا من العقوبات، بل تبدأ من لحظة صغيرة جدًا:
أن يكف الإنسان عن اعتبار نفسه مركز الكون (انا الاعلى .)
لان كل ظلم، مهما كان شكله، يبدأ من هذه الفكرة: أنا أولًا.
وحين تتضخم الـ”أنا”، تصبح العدالة انتقائية.
نطالب بها لأنفسنا، ونساوم عليها عندما تمس مصالحنا.
لهذا لا أعتقد أن المشكلة هي أننا لا نعرف العدل. الإنسان يعرفه بالفطرة. الطفل الصغير، إذا شعر أن أخاه أخذ قطعة حلوى أكبر، يحتج فورًا لأنه يشعر بالإنصاف قبل أن يتعلم قوانينه.اذن :
المشكلة ليست في معرفة العدل، بل في مقاومة هوى النفس، نكران الذات او ،(رغبات الذات )
أن أصعب انتصار هو انتصار الإنسان على نفسه.
بمعنى أن يصبح الإنسان قادرًا على أن يقف خارج نفسه للحظة، وأن يسأل:
“لو كنت أنا الطرف الآخر، هل سأرضى بهذا الحكم؟”
إذا استطاع أن يفعل ذلك بصدق، فقد قطع نصف الطريق إلى العدالة.
ولهذا أحببت ان استشهد ببيت المتنبي. فالبيت لا يتحدث عن الحب فقط، بل يكشف حقيقةً إنسانية: من الصعب أن تكون حَكمًا عادلًا في قضية تكون أنت أحد أطرافها.
إذا أردنا أن نبني مجتمعًا أكثر عدلًا، فلا يكفي أن نسأل: كيف نمنع الظالم؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف نربي إنسانًا لا يرغب في الظلم أصلًا:
“نحن نحاكم الآخرين بمعيار، ونحاكم أنفسنا بمعيار آخر.”
لأن هذا المعيار المزدوج هو الذي يسمح للظالم أن ينام مرتاح الضمير.
او ربما لا يبدأ الظلم عندما يظلم الإنسان غيره.
بل يبدأ عندما يتوقف عن محاكمة نفسه.
في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على أن يقول لنفسه: “لقد أخطأت”، يصبح كل شيء بعد ذلك ممكنًا.
ولهذا أرى أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الانانية وحدها ، بل تعطل محكمة الداخل،
لذلك عندما نضع انفسنا موضع الاخر ونحكم صادقين يكون حكمنا صادقا ،
الان هل نستطيع ان نكون خصماّ وحكماّ ؟
اكاديمي عراقي مغترب





