أخطر أنواع الظلم هو ذلك الذي يعتاده الناس حتى يكفوا عن رؤيته- ياسين احمد خلف يحيى اوغلو-لاس ڤيگاس

العدالة
ليست كلمةً ثقيلة في نطقها، لكنها من أثقل الكلمات في حياة البشر.
نقولها بسهولة، لكن الطريق إليها طويل، ومليء بظلالٍ تمتد عبر التاريخ والذاكرة والخوف والقوة.
ولا يكاد يوجد انسان على وجه الارض الا وقد ظَلَمَ او ظُلِم ،كُل من يستطيع ان يظلم فهو ظالم ،مثل تركي ،
حين تُذكر العدالة، يظهر الظلم فورًا كأنه النقيض الذي يرافقها دائمًا.
فالإنسان لم يتحدث عن العدل إلا لأنه عرف الظلم، ولم يحلم بالمساواة إلا لأنه رأى التفاوت، ولم يبحث عن الرحمة إلا بعدما اختبر القسوة.
وربما كان الظلم قديمًا بقدم الإنسان نفسه، لكنه اليوم أصبح أكثر وضوحًا، لا لأنه ازداد فقط، بل لأن العالم صار مكشوفًا أمام الجميع.
التكنولوجيا جعلت المظالم تنتقل بالصوت والصورة خلال لحظات، وأصبح الإنسان يرى ما يحدث في أقصى الأرض وهو جالس في بيته.
لكن هذا الكشف الكبير خلق مفارقة غريبة؛ فقد صار البشر يشاهدون المأساة أكثر، ويتأثرون بها أقل أحيانًا، وكأن كثرة الألم أفقدت بعض القلوب قدرتها على الدهشة.
ومع ذلك، يبقى كشف الظلم ضرورة.
فالعدالة لا يمكن أن تتحقق في الظلام، ولا يمكن معالجة جرحٍ لا يراه أحد.
غير أن المشكلة الأعمق ليست في الظالم وحده، بل في اعتياد الظلم.
كثير من الناس يولدون داخل بيئات غير عادلة، فينشؤون وهم يظنون أن ما يعيشونه أمر طبيعي.
فالإنسان إذا طال تعايشه مع القهر قد يفقد القدرة على تسميته، وإذا طال صمته قد يظن أن الصمت حكمة، لا خوفًا.
وهنا تظهر المأساة الحقيقية:
أن تذكير المظلوم بظلمه لا يكفي دائمًا، بل قد يضاعف ألمه إذا لم يكن هناك أمل أو تغيير أو عمل حقيقي.
فالكلمات وحدها لا ترفع الظلم، والشفقة وحدها لا تصنع عدالة، والضجيج الذي لا يتحول إلى فعل ليس إلا جعجعة بلا طحين.
ومنذ بدء التاريخ، كان الظالم غالبًا هو الأقوى.
هذه حقيقة مؤلمة لا يستطيع الإنسان تجاهلها بسهولة.فالقوة كانت، وما تزال، قادرة على فرض روايتها أحيانًا، وتزيين ظلمها، وإقناع الآخرين بأنه ضرورة أو قانون أو حماية للنظام.
ومع ذلك، لم تتوقف البشرية عن البحث عن العدالة.
لأن الإنسان، رغم ضعفه وأخطائه، يحمل في داخله إحساسًا غامضًا بأن الظلم ليس الحالة الطبيعية التي ينبغي أن تستمر.
وربما لا تبدأ العدالة في المحاكم فقط، بل تبدأ حين يتعلم الإنسان أن يرى الآخر إنسانًا مثله، له خوفه وكرامته وألمه وحقه في الحياة.
فالعدالة قبل أن تكون قانونًا، هي تربية ووعي وضمير واخلاق وقيم ،
ولهذا فإن أخطر أنواع الظلم ليس ذلك الذي يُمارَس بالقوة وحدها، بل ذلك الذي يتحول مع الزمن إلى عادة، حتى يكف الناس عن رؤيته.
فالعدالة ليست غياب الظلم فقط،
بل منع الظلم من أن يصبح أمرًا عاديًا في حياة البشر ،
هل يمكن للإنسان أن يحقق عدالة كاملة، أم أننا نسعى إليها فقط؟هذا هو السؤال ؟





