مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

ما الذي فعلناه حين امتلكنا القدرة؟ ✍ ياسين احمد خلف

صورة رسمية لرجل يرتدي بدلة رمادية مع ربطة عنق مزينة، يجلس أمام مجموعة من الكتب الموضوعة على الرف.

في نصّه العميق،في حافات المعاني ، يعيد الاستاذ الدكتور سيار الجميل إحياء نوري السعيد ،لا ليحكم، بل ليحاور تاريخًا لم يتوقف عند لحظة سقوطه.
يعود الرجل من طبقات الزمن، لا بوصفه شخصية سياسية فحسب، بل كرمزٍ لفكرة الدولة التي ما زالت معلّقة بين الذاكرة والواقع.

وأنا أقرأ هذا المشهد المتخيَّل، لم أكن قارئًا فقط،
بل وجدت نفسي واحدًا من أولئك الذين عاشوا ما تلا تلك اللحظة.
لقد عشنا، نحن، تلك السنين التي لمّح إليها النص،
سنينًا عجافًا لم تكن مجرد امتدادٍ للتاريخ،
بل كانت حياة يومية مثقلة بالتهم والانقسامات.

كنا أبرياء،
لكننا متهمون دائمًا،
بكل الصفات التي يُنتجها زمنٌ لا يعترف إلا بمنطق الاصطفاف:
من ليس معنا، فهو ضدنا.
وفي تفاصيل صغيرة-ربما لم تكن لتخطر في بال رجل دولة مثل نوري السعيد-
تعلّمنا أن ساعةً تُلبَس مقلوبة
قد تتحول إلى موقف سياسي،
وأن الطيبة نفسها
قد تصبح تهمة.

ذلك السؤال الذي يطرحه النص:
هل بقي شيء من الدولة؟
لم يكن سؤالًا نظريًا بالنسبة لنا،
بل كان يُطرح كل يوم،
في البيت ،
وفي الشارع،
وفي الخوف،
وفي صمت الناس.

وكما يتساءل نوري السعيد في عودته المتخيَّلة عن مصير الدولة،
كنا نحن نتساءل عن مصير الإنسان فيها.
كنا نظن-كما يظن كل من ذاق الظلم-
أن المظلوم إذا امتلك القوة
سيكون نصيرًا للمظلومين.

لكن ما جرى، كما كشفه التاريخ وعشناه نحن،
أن المظلوم حين تمكّن،
لم ينجُ دائمًا من إغراءات السلطة،
بل أعاد إنتاج الظلم،
وأحيانًا بصورة أشد قسوة.

وهنا يلتقي النص المتخيَّل مع الواقع:
في تلك اللحظة التي يتحول فيها السؤال :
مِن “مَن كان على حق؟”
إلى “ماذا فعلنا حين امتلكنا القدرة؟”

لقد ضاعت أعمار،
ليس فقط بين الحروب والتهجير والقتل،
بل بين الأمل الذي كان يُولد في كل مرة،
ثم يُسحق بالطريقة نفسها.

ما يقدّمه الدكتور سيار الجميل
هو محاكمة للتاريخ من داخله،
أما ما عشناه نحن،
فهو محاكمة للواقع بذاكرة لا تزال مفتوحة.

وبين الاثنين،
يبقى السؤال الأكبر معلقًا:
ماذا فعلنا حين امتلكنا القدرة ؟
هل كنّا نبني دولة تخدم الإنسان،
أم كنّا-في كل مرة-
نعيد إنتاج المأساة بأسماء مختلفة،

اكاديمي عراقي مغترب
شاعر واديب

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading