الفنجان، قراءة في تجربة برهان المفتي – د.ياسين احمد خلف*

مقدمة:
في عالم تُطغى فيه الأحداث الصاخبة، ويُغفل عن الأصوات الهادئة، يبرز نصٌ كالفنجان الصغير… يبدو بلا وزن، لكنه يحمل كل شيء. الفنجان هنا ليس مجرد وعاء للقهوة، بل رمزٌ للعاصفة الداخلية التي قد تتراكم بصمت داخلنا، حتى تنفجر في اللحظة غير المتوقعة. وهكذا تبدأ رحلة القارئ، بين الواقع المألوف والرمز الخفي، ليكتشف أن التفاصيل اليومية تحمل أبعادًا أكثر عمقًا مما يبدو.
التحليل:
الفنجان… هو ذلك الشيء الصغير الذي نتركه جانبًا، غير مدركين أنه قد يحمل، في يوم ما، شكل مصيرنا كله.
سرد رمزي عن الانهيار الداخلي للإنسان أو المجتمع: المحلة والتغيير المفاجئ، العاصفة، المجاري، الغيمة السوداء، الكلبة ونظرتها، ضمير صامت يرى ولا يُفهم.
المفارقة العميقة أن العالم خارج المحلة طبيعي، لكن الخراب يحدث داخل الدائرة الضيقة فقط. النص لا يتحدث عن كارثة طبيعية؛ حيث لا يحدث شيء فجأة، بل كل شيء يحدث متأخرًا، بعد أن يكون قد حدث في الداخل منذ زمن بعيد.
حين تفيض المجاري، لا تفيض فقط مياه قذرة، بل يفيض ما تمّ إخفاؤه طويلًا: الماضي الذي لم يُنظَّف، والسلوك الذي لم يُراجع، والسكوت الذي تراكم حتى أصبح مادةً لزجة تحاصر أصحابها. وهنا يصبح الإنسان عالقًا بين ما يسقط عليه وما يخرج منه… ما نصنعه بصمت، ثم نفاجأ به حين يعود إلينا.
الكاتب المبدع برهان المفتي يمتلك عالمًا داخليًا خاصًا، قادرًا على إنتاج القلق، والرمز، والدهشة باستمرار. ملامح عالمه السردي تكمن في قدرة النص على خلق اختلال خفيف في الواقع، التفاصيل اليومية تصبح مفاتيح خفية، والرمز يتسرّب بهدوء ليصبح جزءًا من إحساس القارئ.
اقتصاد التفسير هو سر آخر؛ فالنص لا يشرح نفسه، ولا يسعى إلى إغلاق أبوابه، بل يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، ما يمنحه طاقة تأويلية عالية ويجعله قريبًا من الأعمال التي تُقرأ أكثر من مرة، وفي كل مرة تكشف طبقة جديدة.
تحضر في هذه الكتابات نبرة خفية من الذنب غير المعلن؛ شعور لا يُقال صراحة، لكنه يُرى في نظرة أو يُفهم من صمت. وخصوصية برهان المفتي تكمن في قدرته على توطين القلق، أي نقله من فضاءه المجرد إلى بيئة ملموسة، قريبة من الحياة اليومية، دون أن يفقد بعده الرمزي. هنا يتحول القلق من فكرة فلسفية إلى تجربة معاشة يمكن للقارئ أن يلمسها في تفاصيل حياته.
خاتمة :
في النهاية، نحن أمام كتابة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة هادئة ومقلقة في آنٍ واحد. كتابة تُبطئ القراءة، وتدعو إلى التأمل، وتترك أثرها في طريقة النظر إلى الأشياء حولنا… كما لو أن الفنجان الصغير، بلا وزن، حمل في داخله كل عاصفة العاصفة قبل
ان تقع .
*اكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب لاس ڤيكاس 2026/3/26



