مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

الشِّعر بين الأُذن والميزان – ياسين احمد خلف يحيى اوغلو -لاس فيگاس

صورة لرجل مسن يرتدي بدلة رسمية، يقف أمام مكتبة تحتوي على كتب، ويبتسم نحو الكاميرا.

حين يسبق الإيقاعُ القاعدة

قبل أن يولد الميزان، كانت الأُذن.

وقبل أن تُكتب القاعدة، كان الإيقاع يطرق السمع، ويُسعد الروح، ويسكن الجسد.

حين كان العربي قديمًا يقول شعره، لم يكن يحمل في يده كتابَ عَروض، ولا يستحضر تفعيلة أو بحرًا. كان يسير مع خُفِّ بعيره، ويصغي إلى وقع الخطوات في الصحراء، وإلى قطرات المطر حين تهبط على الرمال، وإلى نبض القلب المتسارع في الفرح أو المتباطئ في الحزن. من هذا كله وُلد الإيقاع، وخرج الكلام موزونًا بالفطرة، لا بالتقعيد.

ولم تكن هذه الظاهرة حكرًا على العرب وحدهم.

فكما استلهم العربي إيقاعه من الصحراء والترحال، استلهم الشاعر التركي القديم إيقاعه من حركة الحياة اليومية في بيئته: من السفر، والعمل في الحقول، والغناء الجماعي، والطقوس الشعبية، ومرافقة آلة الساز. كان الشعر يُغنّى قبل أن يُكتب، ويُحفظ قبل أن يُدوَّن، فخرج موزونًا بالسليقة السمعية، لا بالقانون النظري.

لم يولد الشعر التركي في القصور، بل في صدور الناس. وكان روّاده الأوائل من شعراء الشعب، أمثال:

يونس إمره، وكُورأوغلو، وقره جه اوغلان، وبير سلطان ابدال.

هؤلاء نظموا شعرهم وفق الأذن الجماعية، معتمدين على انتظام النفس وعدّ المقاطع، وهو ما عُرف لاحقًا باسم Hece Ölçüsü (الوزن المقطعي)، بوصفه نظامًا فطريًا سابقًا على التنظير.

ولم يكن الشعر يومًا ابنَ القاعدة، بل كانت القاعدة ابنةَ الشعر.

فالخليل بن أحمد الفراهيدي لم يفرض على الشعراء كيف يكتبون، بل أصغى إلى ما كتبوه، ثم اكتشف النظام الكامن فيه. والعَروض، بهذا المعنى، ليس سلطة على القصيدة، بل شاهدٌ على انتظامها الداخلي.

ومن هنا يمكن الجزم بأن شعراء المعلقات أنفسهم — امرؤ القيس، وزهير بن ابي سلمى ، وطرفة بن العبد ، وعنترة، ولبيد — لم ينظموا شعرهم على علمٍ مسبق بالعَروض، بل على السجية السمعية الخالصة. لم يعرفوا البحور بأسمائها، ولا التفعيلات بحسابها، لكنهم امتلكوا أذنًا لغوية نادرة، تشكّلت من الإنشاد، والحفظ، والمنافسة في الأسواق، فجاء شعرهم بالغ الاتساق، حتى صار لاحقًا مرجعًا للعَروض ذاتها.

يمكن القول بثقة:

إن المعلقات لم تُكتب لأن العَروض موجودة،

بل وُضع العَروض لأن المعلقات كانت موجودة.

السؤال الجوهري إذن:

هل يُكتب الشعر على الإيقاع أم على الشروط؟

الجواب أن الشاعر يكتب أولًا على الإيقاع الحيّ:

إيقاع السمع، وإيقاع الشعور، وإيقاع التجربة الإنسانية.

أما الشروط، فتأتي لاحقًا، لا لتقيّد الخيال، بل لتختبر سلامته، وتمنحه توازنًا.

حين تغيب الموسيقى الداخلية، لا تنقذ القصيدةَ صحةُ الوزن.

وحين تغيب المعرفة بالعَروض، قد يولد نص جميل الإحساس، لكنه مكسور البناء.

الشاعر الحقيقي هو من:

            •           يسمع قصيدته قبل أن يكتبها، أو يضع الوزن واللحن قبل أن يبدأ، فتأتي الكلمات بانسيابية، حاملةً ألحانها في داخلها؛

            •           ثم يعرضها على الميزان، لا ليكسرها، بل ليطمئن إليها.

فالأُذن تُشعل شرارة الخلق في الإبداع،

والميزان يصون جماله.

فاللغة، قبل أن تُكتب، كانت تُسمَع، وكل شعر في بداياته وُلد من النبرة، والتكرار، والإيقاع الطبيعي للكلام.

ولهذا كان الإيقاع سابقًا على القاعدة في كل اللغات، وإن اختلفت طرائق تنظيمه باختلاف بنية اللغة وثقافتها.

وهكذا ظل الشعر، وسيظل، فنًا يُولد من السمع أولًا، ثم يُصقَل بالعقل.

وحين تسبق الأُذنُ الميزان، تكون القصيدة حيّة، قادرة على المشي وحدها، دون عكازٍ نظري، ودون خوفٍ من السقوط .

اكاديمي عراقي مغترب

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading