وجع الغربة في الوطن ووجع الوطن في الغربة-ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

بين غربة المكان وغربة المعنى
أحيانًا، حين نعود إلى تلك الأيام البعيدة ـ وما أكثرها في تاريخ الإنسان ـ لا نفعل سوى أن نحدّق في دهشةٍ صامتة؛ دهشة مما كان يحدث، ومما قبلنا به، ومما مرّ بنا دون أن نملك القدرة على الاعتراض. لا نجد فيها ما يسرّ، لأننا نبحث عن الجمال في موضعٍ لم يُخلق له الجمال، ونطلب المعنى من أماكن لم تعرف يومًا معنى الرحمة.
فالزمن لا يكون قاسيًا بذاته، بل نحن الذين نكتشف قسوته متأخرين، حين نمتلك وعيًا لم يكن حاضرًا آنذاك.
وحين تنطلق الأقلام في يد من يحمل قلبًا نقيًا، لا تكتب للتجمّل ولا للنجاة الفردية، بل تحفر في وجدان المظلومين تربةً يابسةّ، كأنها تقول إن الألم، حين يُكتب بصدق، يتحول إلى شاهد لا إلى جرح، وإلى ذاكرة حية لا إلى صراخٍ عابر.
إن العودة إلى الوراء لا تمنحنا خلاصًا، بل تكدّس أمامنا بقايا الفكر المكسور، وفتات الذكريات، وأشكالًا متعددة من الوجع. عندها ندرك أن الأسف ليس حزنًا على ما ضاع فحسب، بل وعيًا متأخرًا بما كان يمكن أن يكون.
وما أقسى هذا الأسف حين يكون على حياةٍ مضت لإنسانٍ كان إنسانًا نبيلاً بحق؛ لأن خسارة الإنسان لا تُقاس بالزمن، بل بانكسار المعنى الذي كان يمكن أن يمنحه للعالم.
لأن النبل ليس صفة تُقال، بل موقفٌ يُحافَظ عليه، حتى في أكثر الأزمنة قساوة ،
اكاديمي عراقي شاعر واديب
لاس ڤيگاس





