أبي وأنا -جمانة ممتاز

أبي،
يغرق العالم بالصراعات، ولا أعرف لماذا ظل قرع الطبول مقترناً بالحروب رغم أن الأسلحة تطورت وساعة الصفر تحولت الى غارات.
أذكر الغارة اللعينة في سنة ١٩٩٨ حين حشرتُ نفسي في ممر البيت باكية من الخوف، بهدوئك المعتاد حملتني حتى شُحِنَ جسدي بالطمأنينة، لا أعرف لماذا تذكرتُ هذه اللحظة بالتحديد وانا احتفل بعيد ميلادك، ربما لأني نفضتُ بيت الكرادة وذكرياته، ربما لأني تخصصت في حقل السياسة الدولية، وحتماً لأنني عشتُ حياتي ممتنة دائماً للقدر الذي جعلك أبي ولأن تلك اللحظة الطاغية صاغت نوع علاقتي بك، علاقة مزدوجة؛ الفتاة المتعلقة بأبيها والتلميذة المتأثرة بأستاذها.
اختبرنا ” وشك الانكسار ” يا أبي، جربناه عدة مرات حين كان العالم على حافة الانفجار، لملمنا شتات عواطفنا، وآثار جراحنا ومضينا نصنع أياماً قابلة للحياة رغم الأمس، وتعلمت منك درس هندسة الحياة بصعودها وهبوطها، وفهمتُ أنها تشبه تخطيط القلب كلما استطالت خطوطه؛ منح النبض قوة أكبر.
اليوم أيضاً يأتي عيد ميلادك الحبيب في توقيتاتٍ استثنائية، عالم على وشك، وشك الانهيار، الحرب، الدمار او الفناء، وربما ولادة نظام عالمي او عصر جديد؛ لا يهم، المهم أنك موجود هنا وتمدني بالطمأنينة، وأظل أحبك أكثر مما ينبغي، قربك النعيم وليذهب العالم وأخباره الى الجحيم.
أرجو أن لا تستمع الى نشرات الأخبار بعد اليوم، حتى أنا اقلعتُ عن إذاعتها





