الموت على أقساط – اكرم توفيق

ليس صحيحا أن الإنسان يموت دفعةً واحدة.
التجربة الطويلة في الحياة تكشف أن الموت الحقيقي يبدأ قبل اللحظة الأخيرة بسنوات وربما بعقود.
يبدأ خفيا صامتا كظل يتسلل إلى الروح دون أن ينتبه له أحد.
يموت الإنسان أول مرة حين يفقد أباه ذلك السند الذي كان يظنه ثابتا كالجبل. ثم يموت جزء آخر حين تغيب الأم، فتفرغ الحياة من دفئها القديم ويكتشف أن العالم صار أبرد مما كان.
وقد يموت مرة ثالثة حين يفقد أخا أو صديقا أو رفيق دربٍ كان يظن أن الأيام لا تستطيع التفريق بينهما.
لكن الفقد وحده ليس ما يميت الإنسان.
هناك موتٌ آخر أكثر خفاءً حين تأتي خيبات الحياة تباعا. حين يقسو قلب قريب أو يخيب ظنّك بمن ظننتهم أقرب الناس إلى روحك. حين تكتشف أن بعض الصداقات لم تكن سوى عابرة وأن بعض الوجوه التي كانت تبتسم لك كانت تخفي وراءها برودا أو نسيانا.
كل خيبة تقتطع جزءا صغيرا من الروح.
وكل فراق يترك شقا في القلب.
وكل خذلان يطفئ مصباحا كان يضيء في الداخل.
وهكذا يمضي الإنسان في حياته وهو يفقد أجزاءه بصمت. يبتسم أحيانا ويواصل الطريق لكن شيئا منه يكون قد غادر بالفعل.
تتراكم هذه الأجزاء المفقودة ببطء حتى يمتلئ القلب بتعب السنين.
وعندما تأتي اللحظة الأخيرة لا يكون الموت مفاجئا كما يظن الناس.
إنه فقط الخاتمة.
اللحظة التي يودّع فيها الجسد ما تبقّى من روحٍ أنهكتها الفراقات والخيبات.
فالإنسان، في الحقيقة، لا يموت مرةً واحدة
بل يموت قليلًا .. قليلًا
حتى إذا اكتمل الغياب غادر دفعةً واحدة.
ومع ذلك، يظلّ الإنسان الناضج قادرا على الاستمرار.
يحمل مرارة التجربة في قلبه لكنه لا يتوقف عن السير .. فقد تعلّم أن الحياة رغم قسوتها لا تُعاش بالهروب منها بل بالصبر عليها.





