الخاطرة

باب وصمت كثيف كالمطر- اكرم توفيق

صورة قلم رصاص لرجل مسن يرتدي سترة، يظهر فيه تعبير هادئ مع لحية خفيفة وشعر أبيض.

في مساءٍ شتائيٍّ طويل حين كان المطر يطرق النوافذ بخفّةٍ تشبه الاعتذار اجتمعنا نحن الأحبّة في زاويةٍ دافئة نلوذ بالكلمات من برد الخارج.

هناك بدأ صديقنا حديثه لا بوصفه راوياً بل شاهداً على ما تبقّى من بيتٍ كان يوماً عامراً بالضحك والحنان.

قال إن أسرته لم تكن مجرّد عددٍ يُحصى بل كياناً واحداً أبوان يوزّعان الطمأنينة بعدلٍ صامت وسبعةُ إخوة وأختان يتقاسمون الخبز والذكريات والأحلام الصغيرة. كان البيت في الموصل يتّسع للجميع كأن جدرانه تعرف أسماءهم وتحفظ خطاهم.

ثم جاء الموت أوّلُ الشقوق. رحل الأبوان فسكتت اليد التي كانت تجمع وغاب الصوت الذي كان يصلح ما ينكسر. وبعده جاءت الويلات حين اجتاحت المدينة عواصف لا ترحم فصار الخوف أقوى من الذاكرة والنجاة أغلى من القرب. تفرّق الإخوة في مدنٍ شتّى من العالم، كلٌّ يحمل حقائب مثقلة وأسماءً لا ينطقها إلا في وحدته.

كان يحكي وعيناه تغرورقان بالدموع عن زمنٍ صار فيه الأخ أخاً بالاسم فقط وعن دم نسي دفأه وعن حنانٍ تآكل تحت ثقل المسافات والخذلان. قال بصوتٍ متهدّج لم نختلف لكننا نسينا .. نسينا كيف نكون عائلة.

ساد الصمت من حوله صمتٌ كثيف كالمطر. أدركنا أن قصته ليست قصة بيتٍ واحد بل حكاية مدينةٍ بأكملها مدينةٍ تفرّق أهلها في الجهات وبقي قلبها معلقاً ببابٍ قديم ينتظر أن يعود الجميع يوماً أو أن تتصالح الذكريات على الأقل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading