الضمير العام في غرفة الإنعاش – عبدالرحمن يوسف-السودان

في قلب الوطن المزدحم بالصراخ، يرقد “الضمير العام” على سريرٍ بارد، تحيط به شاشات ووميض أحمر يصدر صفيرًا متقطعًا، كأنها إنذار دائم يحذر من موت الحقيقة. الضوء الأبيض الباهت يتسرب من المصابيح على الجدران الرمادية، يرسم ظلالًا طويلة تشبه كل القيم التي ضاعت مع مرور الزمن.
الضمير لم يرحل بعد، لكنه يعيش بين غيبوبة الصمت وعبء الزيف. يرفّ جفنه أحيانًا عند رؤية مظالم في الأسواق، أو فساد يزدهر في مكاتب المسؤولين، ثم يُغلقهما سريعًا، خائفًا من مشهد الخراب الذي يكبر كل يوم. كانت ضمائر الناس يومًا مرآةً تعكس عدالة الوطن ونقائه، أما الآن، فقد غشاها الغبار الأصفر للمصلحة، والضجيج الأزرق للنفاق، والبهتان الذهبي للشعارات.
الصمت أصبح فضيلة، والتغافل حكمة، والتصفيق وسيلة نجاة. صار الإنسان يُقاس بما يخفيه لا بما يظهره، بما يبرّره لا بما يرفضه. والضمير، ذاك القاضي الداخلي، صار ظلًا بنفسجيًا يظهر ويختفي تحت ستار الخوف والسكوت.
في غرفة الإنعاش، يقف الوطن بجانب سرير الضمير، يبكي بلا دموع، يسأل بصوت صامت: متى ستستيقظ؟ متى تعود لتقول “لا” في وجه الباطل؟
الضمير العام لا يحتاج إلى دواء، بل إلى وعي مشرق، شجاعة حمراء، وقرار أخضر لإعادة نبضه. حين يستعيد الضمير وعيه، ستسقط كل الأقنعة المزيفة، ويعود الوطن أزرق صافٍ، لأن الشعوب التي تصحو ضمائرها، لا تُهزم أبدًا.



