آخر حبر من قلمي – عبدالرحمن يوسف-السودان

في زاويةٍ يغفو فيها الضوء، وتتناثر الأرواح على هيئة أوراق، جلستُ أُنصت لرجفةٍ تسكن أطراف أصابعي، تلك التي احتضنت قلمي طويلًا، كأنّه نبضٌ ناطق. لم يكن مجرد خشبٍ مغلف، بل ظلًّا ورفيقًا ومرآة، حمل عني ما عجزت عنه الشفاه، وبكى حين ضاق صدري بالكتمان.
في تلك اللحظة، سقطت أولى القطرات من حبره، لا كما تسقط الأحرف عادةً، بل كما ينهمر المطر على أرضٍ لم تعرف البلل منذ مواسم. سطرٌ فآخر، كأنّ الروح تكتب وداعها على صدر صفحةٍ أخيرة، كأنّ الزمن ينساب ببطءٍ مهيب، يختصر أعوامًا من الحنين، من الصبر، من انتظارٍ لم يفنَ.
كنتُ أراقب كل خطٍ يُرسم، كأنّه وشمٌ على الذاكرة، يخلّد ما عجز الوقت عن محوه. لم يكن هناك بوح، بل نزيف صامت، ينسكب دون شكوى. مشاعر تنسلّ من القلب بلا مقدمات، وكل نبضة تُولد معها عبارة، تنطق عمقًا لا يُدرك.
وحين انطفأ الحبر، شعرتُ كما لو أنّ صوتًا انكسر داخلي، بلا ضجيج، بلا بكاء، فقط سكونٌ يُشبه الفراغ بعد ضجيج طويل. لم أُرد أن أنهي الرحلة، لكن النهاية اختارتني. كل الأشياء التي أحببناها يومًا، تمضي، تمامًا كما مضى هذا الحبر.
وضعت القلم جانبًا، لا على أنه انتهى، بل كأنه أدّى رسالته. خطَّ ما لم يُقال، نطق بما سُجن، وأضاء حين أظلم العالم.
وهكذا، دون وداعٍ صاخب… سُطر آخر حبرٍ من قلمي.



