القصة القصيرة

لعن الله الفقر! عبدالرحمن يوسف(السودان)

شاب يرتدي ثوباً أبيض، ويده مشبوكة أمامه، يقف بثقة أمام جدار رمادي.

ذات أمسيةٍ ضجّت فيها أنحاء القرية بروائحٍ لم تستطع أنفي تصنيفها، جلست بجوار جدي الذي بلغ الثمانين، أحنو إليه كما تحنو الأم لرضيعها. أشتاق لحكاياته التي تأخذني إلى عالمٍ من الخيال لا يعترف بالفقر ولا بالخذلان. بجانبي والدي، غارقٌ في تفكيره، كأنما يحسب كيف سيوفر لقمة العيش، أو كيف سيدفع رسوم أختي التي كثيرًا ما أيقظته باكيةً عند الفجر.

عائدًا من أحد مشاوير البحث عن عمل، جسدي منهك، وروحي أشد تعبًا. في الطريق، التقيت أختي الصغيرة تقطع خطواتها بخجل. نظرت إليها بدهشة، فالسابعة صباحًا لم تزل، ونحن في بداية أسبوع دراسي. سألتها: “ما بكِ؟” فأجابت، وعيناها تتهربان: “طردتني المعلمة لأني لم أدفع الرسوم.”

كتمت حرقتي وقلت لها: “لا تقلقي، سأوفر لكِ كل شيء، اذهبي إلى البيت.” ثم أدرت وجهي عنها كي لا ترى دموعي، وزفرت متأففًا: لعن الله الفقر.

حين وصلت، تفقدت هاتفي، فإذا بالبطارية تهمس بأنها على وشك الموت. أردت شحنه، فوجدت الكهرباء مقطوعة. نظرت من نافذة الجيران، وإذا بلمباتهم تضيء… فهمت حينها: الرصيد نفد.

رميت هاتفي على الأرض، وتمتمت مجددًا: لعن الله الفقر.

استلقيت على سريري، أبحث عن أي مخرج، فإذا بـ”الليث”، ابن أخي، يقترب ويهمس بثقة الطفولة: “عمي… أريد تلك اللعبة

ابتلعت ريقي، كأن جمرة علقت في حلقي، كيف أخبره أني بالكاد أستطيع أن أوفر ثمن الخبز؟ كيف أطفئ بريق عينيه؟ أجبته بصوتٍ خافت:
– غدًا يا ليث، فقط اصبر قليلاً.

ذهب يركض دون أن يدرك أن كلماتي ليست وعدًا، بل محاولة للهروب من انكسار جديد. جلست أراجع ذاكرتي، أفتش عن عملٍ لم أجربه بعد، عن بابٍ لم أطرقه، عن فرصةٍ قد تنقذ ما تبقى من كرامتي.

خرجت أبحث عن أي رزق، الشمس كانت قد بدأت ترسل أشعتها الثقيلة، وخطواتي تسير كأنها على شوك، قميصي مشبع بالعرق، وبطانيتي لا تزال على السرير تنتظر دفئي. طرقت باب صاحب الورشة، فكان الردّ كالمعتاد: “اليوم ما في شغل… وإذا في، الراتب ما بكفي حتى المواصلات”.

عدت أدراجي، أشعر أن الجدران تقترب، وأن الهواء بات أثقل، وصلت إلى المنزل، فوجدت أختي تقف عند الباب، تحمل دفتراً صغيرًا، وعيناها محمرتان، لكنها تبتسم.

قالت لي:
– كتبت في دفتر التعبير اليوم، “أخي هو بطلي”.

كادت الكلمات تخنقني… أي بطل أنا؟ وأنا أعجز عن أن أكون ظلًا لفرحها؟! لكني ابتسمت، وأدركت أن الفقر وإن سحقنا، لن يسحق حبنا لبعض.
مسحت دموعها، وقلت لها:
– وغدًا، لن نلعن الفقر… بل سنهزمه، معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading