الفاشر السودان – عبدالرحمن يوسف – السودان

في سجل حروب الأرض، لم تُكتب بعد قصة تضاهي بؤسها وعظمتها ملحمة الفاشر. إنها ليست مجرد مدينة محاصرة، بل هي قارة من الصمود، ألّفت كتابها الخاص في تاريخ البشرية، صفحة لم يسبق لها مثيل: فن البقاء تحت “وصفة إعدام” يومية.
لقد عاشت الفاشر جدولًا للدم والوجع، حيث أصبح الهجوم الغاشم كل ست ساعات، أكثر انتظامًا من وجبات أهلها. هجوم لا يفرق بين حجر وبشر، وصفة خطّها سفاح ليُصرف منها الدم والدموع بلا ذنب ولا حساب. مدينة تُهاجَم بعدد نبضات القلب، ومع ذلك، بقيت شامخة، صامتة، تكتم حتى “الآهات”، لتصرخ بصمتها في وجه العالم المتخاذل.
أطفالها، يا لوجع الكون، لم تعرف بطونهم طعامًا لشهور طويلة سوى ما لا يصلح لغير الحيوان، وصارت أجسادهم الذاوية تختزن ملوحة مياه الحفاير الملوثة، التي تقتل قبل أن تروي. دفعت الفاشر ثمنًا باهظًا لكرامتها وشرفها، لكن أهلها، رجالًا ونساءً، لم يتخلوا عن الباب والعرض. سطّرت المرأة الفاشرية دروسًا مشرفة في الانتماء الأعمق من الموت.
لتنظر الفاشر إليهم باحتقار، وهي تظن أنها “سقطت”. بالنسبة لهم هي هبطت إلى الهاوية، لكنها في الحقيقة، ترتفع في السماء، تعتلي درجات المجد الأبدي في سجل التاريخ النظيف. نعم، هي تسقط في نظر من قصروا، ولكنها ترتفع في نظر الأوفياء والتاريخ الذي لن ينسى تضحيات أهلها.
قصرنا جميعًا في حقها، واكتفينا بعويل الإدانة الواهن. انعزلت وقاتلت بشرف لا مثيل له، فكان نصيب المرأة والطفل في الألم هو نفسه نصيب الرجل. الكل صبر وتحمل وتألم.
نحن اليوم لسنا في مأتم الفاشر، ولا نبكي عليها، بل نبكي على أنفسنا. الفاشر تبكي علينا، نحن الذين لم نرتقِ إلى حجم إيثارها. لكن العزاء الوحيد هو التشبث بالأمل الذي لا يموت. ثقتنا في الله لا تُكسر.
غدًا آتٍ لا محالة، حيث تعود دارفور، وترجع الحياة، وتضج الشوارع بالهتاف، وتنتفض المدن الثلاثة رقصًا بالعودة.



