الخاطرة

دهاليز الغياب – عبدالرحمن يوسف (السودان)

شخص يقف مبتسمًا مع ذراعيه المتقاطعتين، يرتدي قميصًا أبيض، والخلفية جدار رمادي.

كل شيء يبدو ساكناً، لكن داخلي يعجُّ بالضجيج. الأصوات التي رحلت لم تغادرني فعلاً، بل استقرت في زوايا القلب، تُعيد نفسها كصدى بعيد، لا ينكسر ولا يهدأ.

الغياب ليس فقط انطفاء حضور، بل هو تشوّه للزمن، تشقق في المعنى، وانكسار في مرآة الروح. تتلاشى الوجوه التي كنا نظنها خالدة، وتبهت الضحكات التي كانت تسكننا، حتى الأماكن تُصاب بالشيخوخة، حين تغادرها الأرواح التي منحتها الحياة.

في كل ركن أجد أثراً لا يُمحى، لمسة عابرة، كلمة لم تُكتمل، نظرة وداع خفيّة. الغياب يعيد تشكيلنا بطريقة غريبة، يجعلنا ننتبه لتفاصيل كنا نمرّ بها مرور العابرين، ويزرع فينا حنيناً لا نعرف له وجهاً محدداً، فقط شعورٌ غامض يشدّنا إلى الوراء.

أمشي في الممرات القديمة، أتتبع خطى الأيام التي لم تعد، أفتش عني في الملامح التي سُرقت مني، أُراوغ الذاكرة، وأحاول أن أفك شيفرة الصمت الطويل. لكن دهاليز الغياب لا تقود إلى النسيان، بل إلى إدراك أعمق لفقدٍ لا يُعوّض، لفراغٍ لا يمتلئ.

ومع ذلك، هناك ما يُولد من العتمة. في عمق هذا الغياب، أتعلم كيف أحبّ بصمت، كيف أشتاق دون أن أنهار، وكيف أحتفظ بمن رحلوا في جيبي الداخلي، كسرٍّ لا يُقال، كقصيدة لا تكتمل، كحلمٍ لا يشيخ.

الغياب ليس نهاية، بل شكلٌ آخر للحضور، نعيشه داخلنا، كلّما أغمضنا أعيننا… وتذكّرنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading