مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
الخاطرة

اكتب بالصدق .. وتُقرأ بالصمت – اكرم توفيق

رجل مسن يرتدي نظارات شمسية وقميص بنفسجي، يقف أمام منظر جبلي قاتم.

ثمة كلمات لا تُقال لكي تُصفَّق لها الجموع ولا تُكتب لتملأ فراغ الصفحات بل تُولد من وجع حقيقي ومن تأمل طويل في هذا العالم المثقل بالضجيج.
كلمات تشبه اعترافات الروح حين تتعب من التمثيل فتجلس وحيدة أمام ذاتها عارية من كل الأقنعة. تلك هي الكتابة الصادقة.. الكتابة التي لا تحتاج إلى صراخ كي تصل لأنها تدخل القلب بهدوء يشبه هطول المطر على أرض عطشى.
ليس كل ما يُكتب يُقرأ وليس كل ما يُقرأ يُشعَر به. هناك نصوص تمرّ على العين مرور العابرين وهناك نصوص تستقرّ في الداخل مثل ذكرى قديمة أو مثل ندبة خفيّة لا يراها أحد.
والفرق بينهما أن الأولى كُتبت لتُرى أما الثانية فكُتبت لتُحَسّ.
الصدق في الكتابة ليس مهارة لغوية فحسب ولا براعة في تنسيق الجمل بل هو قدرة الكاتب على أن يضع شيئا من قلبه بين السطور.
أن يكتب وهو مؤمن بأن الكلمات ليست زينة بل مسؤولية وأن الحروف حين تخرج من أعماق الإنسان تصل إلى أعماق الآخرين دون استئذان.
لهذا فإن أكثر النصوص تأثيرا ليست تلك التي تزدحم بالمفردات الثقيلة بل تلك التي تحمل نبضا إنسانيا حقيقيا.
قد تكون جملة بسيطة لكنها قادرة على أن توقظ ذاكرة قارئ أو تفتح بابا موصدا في روحه. لأن الإنسان مهما ادّعى القوة يبقى هشًّا أمام الكلمات التي تشبهه.
نحن نعيش زمنا صار فيه الضجيج أعلى من المعنى وصارت الكلمات تُستهلك بسرعة مذهلة حتى فقد كثيرٌ منها حرارته الأولى. يكتب البعض ليُقال عنهم إنهم يكتبون لا لأن لديهم ما يستحق أن يُقال.
فتتحول الكتابة إلى استعراض ويضيع الصوت الحقيقي وسط التصفيق العابر.
أما الكاتب الصادق فإنه لا يكتب ليبهر أحدا بل ليخفف شيئًا من ثقل الحياة. يكتب لأنه لا يستطيع الصمت ولأنه يؤمن أن للكلمة وظيفة أعمق من الزينة وظيفة تشبه الضوء الصغير في آخر العتمة.
وحين تُكتب الكلمات بصدق فإنها لا تحتاج إلى ضجيج يرافقها.
تُقرأ بالصمت… بذلك الصمت الذي يسبق الدهشة أو يشبه التأمل بعد انكسارٍ طويل. صمتٌ يشعر فيه القارئ أن النص لا يخاطب عينيه فقط بل يلامس شيئا مخبوءا في داخله.
فالكتابة الحقيقية لا تُقاس بعدد الإعجابات ولا بضجيج المديح بل بعدد القلوب التي ارتجفت بصمت وهي تقرأ.
لهذا
اكتبْ بالصدق
حتى وإن مرّت كلماتك بهدوء
فما يُكتب من القلب
لا يضيع أبدا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading