مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

محمد محسن… العازف في ظلّ الضوء- د. ياسين احمد خلف

صورة للفنان السوري محمد محسن، يرتدي بدلة أنيقة ويتواجد أمام رفوف تحتوي على كتب.

📸 محمد محسن… عودٌ يروي حكاية اللحن الصادق

كتبت عن فيروز وعشقت ألحان محمد محسن

الفنان السوري محمد محسن صاحب ألف لحن ولحن.

كان من أبرز الملحنين الذين تعاونوا مع فيروز والأخوين رحباني، خصوصًا في المراحل التي كانت فيها فيروز تقدم أعمالًا مسرحية وإذاعية وسينمائية في الستينيات والسبعينيات. وهو من الذين ساهموا في إدخال فيروز إلى الإذاعة السورية في بداياتها، قبل انتشارها الكبير عبر إذاعة لبنان.

بعض النقاد يرون أنه ساهم في تنويع التجربة اللحنية لفيروز، وأضاف لمسة سورية شامية على أعمالها. وإنه لحّن لها عددًا كبيرًا من الأغاني التي بثتها الإذاعة السورية، محفوظة في الذاكرة الفنية.

وهذه بعض أعماله مع فيروز:

– يا شام عاد الصيف

– يا ليالي الشام

– راجعين يا هوى

– طل الصبح

– سيد الهوى قمري

– جاءت معذبتي

– ولي فؤاد

– أحبّ من الأسماء ما شابه اسمها

– لو تعلمين

وإن كانت قليلة مقارنةً بالأخوين رحباني، إلا أنها تكشف حسًّا سوريًا رقيقًا وميلًا نحو التعبير العاطفي الصافي.

من هو محمد محسن؟

الميلاد والنشأة: وُلِد في دمشق عام 1922 م. 

البدايات الفنية: بدأ كمُغنٍّ في إذاعة دمشق عند نشأتها عام 1947 م، وتدرب على التلحين وكتابة النوتة الموسيقية من موسيقيين مثل صبحي سعيد ومن الملحن الفلسطيني حنا الخل. 

انتقل إلى مصر واستقر لفترة واشتغل في إذاعة القاهرة (من حوالي 1959 إلى 1963) ثم انتقل إلى لبنان حتى اندلاع الحرب الأهلية، وبعدها عاد إلى دمشق عام 1975. 

الإنتاج الفني: لحن ما يزيد على ألف لحن غنّتها كوكبة من المطربين والمطربات العرب مثل فيروز، فايزة أحمد، وردة، وديع الصافي، نجاة الصغيرة، صباح، وغيرها. 

الوفاة: توفّي في دمشق يوم 13 فبراير 2007.

رغم أن محمد محسن قدم تراكمًا فنيًا كبيرًا، إلا أن هناك عدة عوامل قد تفسر عدم تركيز الإعلام عليه بنفس حجم بعض الزملاء أو المبدعين الأكثر شهرة، أي الاختفاء في الظل إن صح التعبير مقارنة بالأسماء الكبيرة:

1. في عصره، كانت هناك أسماءٌ كبيرة جدًا في التلحين والغناء (الأخوين رحباني، عمالقة الطرب مثل محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، وغيرهم). هؤلاء الأسماء تمتد شهرتها وتتلقى تغطية إعلامية مستمرة. محمد محسن، رغم كفاءته، ربما لم يحصل على تلك “الواجهة الإعلامية” الكبيرة التي تمتّع بها الآخرون.

2. كثير من ألحانه كانت للإذاعة أو الحفلات أو الإنتاجات التي لا تُسجّل دائمًا ضمن ألبومات مشهورة أو تسوّق تجاريًا بنفس الدرجة. الإنتاج الإعلامي غالبًا ما يركز على ما يُباع أو يُسجّل في الألبومات أو يحقق انتشارًا تجاريًا واسعًا، فيُطغى ذلك على النجاح الفني الغني الذي لا يظهر بنفس “الإحصائيات”.

3. الأزمات السياسية وقلة التدوين. كانت سوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية واجهت حروبًا وأزمات سياسية واجتماعية كبيرة، مما أثر على البُنى الثقافية والإعلامية — أرشفة الأعمال، استمرارية الإذاعات والتلفزيونات، التوثيق، الدعم المؤسسي. قد تكون بعض أعماله فقدت أو لم تُوثّق جيدًا.

4. التغيرات في أذواق الجمهور. مع مرور الزمن تغيّرت وسائل الإعلام، وأولويات الجمهور، والأذواق. الأغاني التي تحتاج إلى حس موسيقي كلاسيكي شرقي درامي أقل ظهورًا في وسائل الاتصال الجماهيري المعاصر التي تميل إلى البساطة والصخب والتجديد السريع. هذا يضع المبدعين القدماء مثل محمد محسن في خانة “التراث” بدلاً من “الحداثة”.

5. غياب الصور المرئية الكبيرة. الكثير من الفنانين يُعرفون ليس فقط بصوتهم أو ألحانهم، بل من خلال الحفلات الكبيرة، الفيديو كليبات، التلفاز، الإنتاج المرئي. إذا لم يكن لدى الملحن حضور بصري كبير أو لم تُصوَّر أعماله بشكل كبير، فالحضور الإعلامي يتأثر.

لم يسعَ محمد محسن إلى الشهرة بقدر ما كان فنانًا “خالصًا”، تركيزه على جودة اللحن والصدق الفني. عمله في الإذاعات أكثر من المسارح أو السينما، ما جعله غائبًا عن الصورة البصرية التي تصنع الشهرة. ولم يُنشئ مشروعًا موسيقيًا متكاملًا (كمدرسة أو فرقة موسيقية أو تعاون دائم مع نجم واحد)، بل توزّعت أعماله على أصوات عدة، وهذا ما يُضعف “العلامة الفنية الموحّدة” أحيانًا كثيرة.

هو من أولئك الفنانين الذين خدموا الأغنية العربية بصدق، دون أن يطالبوا باعترافٍ إعلامي. لو أُتيح له جهاز إعلامي كالأخوين رحباني أو مشروع مؤسساتي كأم كلثوم والسنباطي، لكان اسمه في الصف الأول من حيث الشهرة لا القيمة فقط.

ختاماً 

في زوايا الذاكرة الموسيقية، يقف محمد محسن مثل شجرة ياسمينٍ نمت على ضفاف نهر بردى، لم تحتج إلى ضجيجٍ كي تعلن حضورها، بل اكتفت بعطرها. 

كان يكتب ألحانه كما يكتب العاشق رسالة لا ينتظر ردّها، يؤمن أن الجمال يُقال بصوتٍ خافت، وأن اللحن الصادق لا يحتاج إلى منبرٍ كي يعيش. 

من خلف الأضواء، أهدى فيروز نغماتٍ تشبه دمشق حين تبتسم، وأعطى للأغنية العربية ركنًا من رقتها، لا يعلو صوته على أحد، لكنه يسكن في كل نغمةٍ رقيقة مرّت على قلوبنا دون أن نعرف اسمه. 

محمد محسن… علّمنا أن الفنّ ليس شهرةً، بل أثرٌ يزهر في أرواحنا بعد رحيلنا. 

لكَ من عشّاق الموسيقى باقةُ شكرٍ، ومن ذاكرة الجمال مقامٌ لا يُنسى.

ولروحك السلام

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading