مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

حين تُخطئ الكلمات طريقها:ياسين احمد خلف-لاس ڤيگاس

صورة لرجل مسن يرتدي بدلة زرقاء مع ربطة عنق، يجلس أمام مكتبة مليئة بالكتب.

تأمل في سوء الفهم في زمن التواصل الرقمي

مشكلتنا في تواصلنا أننا لا نصغي لنفهم، بل نصغي لنرد.ونَعُدّ إجاباتنا… قبل أن يكتمل كلام الآخر،ونغلق آذاننا كي لا ننسى ما عقدنا العزم على قوله.

في زمنٍ لم تعد فيه المسافات تُقاس بالأميال، بل بسرعة الإرسال والاستلام، أصبح الإنسان أقرب من أي وقتٍ مضى… وأبعد مما يظن.
نجلس خلف شاشات مضيئة، نكتب، نبتسم، نُعبّر،لكن شيئًا خفيًا يتسرّب بين الكلمات…شيء لا يُكتب، ولا يُرى، لكنه يُفهم أحيانًا على غير ما نريد.كأنّ اللغة، وهي تعبر هذا الفضاء الرقمي، تفقد بعض دفئها،وتترك المعنى معلقًا بين نية المقدم وتأويل المشاهد او الكاتب وتأويل القارئ،
حيث لا صوت يرافق الحروف، ولا ملامح تَنقذ المقصود من سوء الفهم.

في خضمّ الصراعات الاجتماعية، وتشابك المصالح، والسعي الحثيث نحو البقاء والحرية،لم تعد العلاقات الإنسانية كما كانت.بل لعلّ ما يُفترض أنه وسيلة للتقريب-كوسائل التواصل الاجتماعي-فقد أضاف طبقة جديدة من التعقيد، بدلًا من أن يخففها.

لقد أشار باحثون في علم النفس الاجتماعي إلى أن التواصل الرقمي، رغم سرعته واتساعه،يُفقِد الإنسان جزءًا أساسيًا من أدوات الفهم:
لغة الجسد ،نبرة الصوت، تعبير الوجه، ودفء الحضور.
وهنا، يصبح النصّ عرضةً لتأويلات لا تشبه نية صاحبه،بل تعكس أحيانًا مزاج القارئ وضجيجه الداخلي… وموقفه المسبق من العالم.
إنّ هذا “الضجيج النفسي الرقمي” يجعل من أبسط العبارات ميدانًا لسوء الفهم.
فقد تكتب لصديق:
“أنت جميل فيما تكتب”،
فيقرأها: “هل هذا يعني أن أتوقّف عن الكتابة”.
وتختار موقفًا بدافع الحرص،
فيُفسَّره على أنه إهمال.
وتبني صداقة لسنوات،
فتهتز أمام لحظة سوء تأويل.
ليس لأن الكلمات خانت،
بل لأن المسافة بين القلوب اتّسعت وتباعدت دون أن نشعر.وتبلغ هذه الفجوة ذروتها حين ندخل عالَم النقاشات السياسية،حيث تتحول الكلمات إلى مواقف، والمواقف إلى معارك،
ولا يعود الهدف أن نفهم… بل أن ننتصر.

يقول المثل التركي:
(گوز گورماز، اوز اوتانماز)
أي: حين لا ترى العين، لا يخجل الوجه.
لكن… هل غياب الوجه يبرر غياب الضمير؟
إنّ الصداقة، في جوهرها، ليست اختبارًا دائمًا للنوايا،بل مساحة من الثقة واليقين.
وحين تغيب هذه الثقة، تتحول الكلمات إلى شفرات،ويصبح كل تعبير قابلاً لسوء الفهم.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم، في هذا العالم المزدحم بالرسائل،
ليس مزيدًا من الكلام… بل مزيدًا من الوعي في تلقّيه:
أن نُحسن الظن، لأن النص لا يحمل نبرة القلب.
أن نتريّث قبل أن نفسّر.
أن نسأل قبل أن نحكم.
أن ندرك أن العلاقة الافتراضية، مهما طالت، تظل ناقصة الإحساس.
في زمنٍ تُكتب فيه المشاعر على عجل،
قد لا ينجو المعنى إلا ببطء الفهم،
ولا تنجو الصداقة… إلا بحسن الظن.
فالصداقة الحقيقية تُبنى على اليقين، لا على الظنون.
وربما…لم تُخطئ الكلمات طريقها،
بل نحن من فقدنا القدرة على الإصغاء ،
اتمنى ان اكون صادقاّ في ما عبّرت ،

أكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading