حين استيقظت الآلة… ولم يستيقظ الإنسان/هشام فرجي

نوفيلا فلسفية
١. الكراسة الأخيرة
كانت المدينة، قبل أن يتغيّر فيها كل شيء، تُقاس بالمسافة بين الأذان والأذان.
وكان الحاج إدريس يُقاس بشيء أدقّ: بعدد الأشياء التي لا يتركها ناقصة. أربعون سنة معلّماً للغة العربية، وقلم أحمر لا يفارق جيب قميصه حتى في العطل، وكومة كراسات مربوطة بخيط من الخيش توضع كل مساء على الطاولة نفسها، بالترتيب نفسه، كأنها جيش صغير ينتظر التفتيش.
لم تكن تلك الليلة أول ليلة يؤجّل فيها الذهاب إليها. كانت أشهر قد مرّت منذ آخر مرة جلس فيها أمامها في الفناء الصغير، بعد كلام عابر بينهما حول زيارته القليلة، لم يرتفع صوت أحدهما فيه، لكنه ترك بينهما مسافة لم يسمّها أحد، فصارا يتبادلان السلام على الهاتف فقط، بجملتين قصيرتين كل أسبوع، كأن كليهما ينتظر من الآخر خطوة أولى لم تأتي قط.
في تلك الليلة، كانت أمامه كراسة واحدة، الأخيرة في الكومة، صفحتها الثانية عشرة فيها خطأ إملائي صغير كان قد وضع تحته خطاً أحمر ولم يكتب بعد الملاحظة على الهامش، حين رنّ الهاتف على الطاولة الخشبية برنين معدني حادّ يعرفه كل من عاش تلك السنوات. صوت ابن عمّه من القرية: “أمّك تشتكي تعباً بسيطاً.”
قال لنفسه: “أنهي هذه الصفحة، ثم أذهب.”
كتب الملاحظة على الهامش بخط دقيق: “راجع القاعدة.” أغلق الكراسة. ربطها بالخيط. ثم نام، لأن الطريق إلى القرية طويل في الليل، وقال إنه سيذهب مع أول ضوء فجر.
لكن لم يصل الضوء الأول قبل الخبر.
منذ تلك الليلة، لم يترك إدريس كراسة مفتوحة على طاولته أبداً. وكانت هذه، في نظر من عرفوه، فضيلة رجل لا يؤجّل عمل اليوم إلى الغد. لم يكن أحد يعرف أن القلم الأحمر نفسه ما زال، بعد ثلاثين عاماً، يكتب الملاحظة نفسها كل ليلة: “راجع القاعدة.”
٢. ظهور الآلة
جاء الحاسوب هدية من ابنه، بعلبته المقوّاة التي بقيت في الصالون أسبوعين، ثم بقماشة صوفية تغطّيه أسابيع أخرى، كضيف لم يُستقبل بما يكفي من الحفاوة.
فتحه إدريس في ليلة أرقٍ، والشقة صامتة إلا من طنين الثلاجة، وضوء الشاشة الأزرق الذي ارتسم على يديه المتجعّدتين كأنه ضوء غريب لم تعرفه هذه الغرفة من قبل.
كتب بإصبع واحد، بطيء، مثل من يتحسّس عتبة بيت لا يعرف أهله: “اكتب لي رسالة إلى أمي.”
سيكتب الجملة نفسها، بحروف مختلفة قليلاً، أكثر من ثلاثين مرة في الأشهر التالية. ولن يلاحظ، إلا متأخراً جداً، أن أمّه في كل رسالة لم تكن الأم نفسها تماماً.
٣. الأم التي تتغيّر
في الرسالة الأولى، كان جلبابها أزرق كسماء الفجر، وكانت رائحة بيتها خبزاً ساخناً وزعتراً مطحوناً حديثاً.
في الرسالة الخامسة، صار الجلباب رمادياً كغيمة قبل المطر. لم يعد للزعتر ذكر.
في الرسالة الثانية عشرة، أضافت الآلة تفصيلاً لم يكتبه إدريس قط: أن أمّه كانت تغنّي وهي تعجن، بيتاً من موّال قديم، صوتها يخرج خافتاً من صدرها كخيط دخان يتسلّل من تحت باب مغلق.
قرأ إدريس هذا البيت، وأحسّ بشيء يشبه الذاكرة يتحرك في صدره، رغم أنه لا يذكر أنه سمعه من فمها قط. توقف إصبعه عن الكتابة. نظر إلى يده، إلى تجاعيدها، إلى القلم الأحمر الذي ما زال في جيب قميصه رغم أنه لم يصحّح كراسة منذ سنوات، وشعر بدوار خفيف كمن يقف على حافة بئر لا يعرف عمقها.
تلك الليلة لم يصحّح الرسالة كما اعتاد. تركها كما هي، بجلبابها الرمادي وموّالها الغريب، على الشاشة، حتى أطفأها النور الأبيض للفجر المتسلل من الشباك.
٤. الأعباء التي تخلّى عنها برضا
صارت الآلة تُذكّره بمواعيد الدواء بصوت هادئ في المساء، وتصوغ له اعتذاراً لأخيه، وتختار له هدية عيد ميلاد حفيدته البعيدة وتغلّفها له بكلمات لا يعرف أصلها.
في طريقه إلى الصيدلية ذلك الأسبوع، مرّ أمام المقهى القديم، فرأى، خلف الزجاج المُضبب بفعل البرد، رجلاً يجلس وحده في الطاولة الثالثة من اليمين، يحرّك ملعقته في كأسه ببطء لا يشبه عجلة الناس، دون أن يرفع عينيه إلى الشارع. لم يعرف اسمه بعد. لم يتوقف. ولم يكن يعرف، تلك اللحظة، أنه سيعرفه قريباً، ولا أنه، ربما، كان يعرفه من قبل.
طلب من الآلة ذات مساء أن تكتب اعتذاراً لجاره الذي جرحه بكلمة في لحظة غضب. جاءت الرسالة بليغة، دافئة، فيها من التواضع ما لم يعرف إدريس نفسه أنه يملكه. أرسلها دون أن يغيّر حرفاً.
في الصباح، طرق الجار بابه، يحمل صينية شاي، وقال: “كلامك أثّر فيّ يا سي إدريس، الله يخليك.” صافحه إدريس بيد باردة رغم دفء الشمس، وابتسم كما تبتسم الوجوه في الصور القديمة، ثم أغلق الباب وجلس على الكرسي الخشبي في الممر، ينظر إلى يده التي لم تكتب تلك الكلمات، ويسمع صدى الشكر يرنّ في أذنيه كجرس بعيد لا يعرف مصدره بالضبط.
٥. الحق في الخطأ
جاء ياسين، فجلس بجانبه على الأريكة نفسها التي كانت تجلس عليها جدّته، وفتح حاسوبه المحمول، وشاشته تضيء وجهه الصغير بزرقة باردة في عتمة الغرفة.
كتب فقرة عن رواية درسها، بمساعدة الآلة، بلغة فصيحة منمّقة لا تشبه لسانه. ثم، أمام عيني جدّه مباشرة، حذفها كلها بضغطة واحدة، وأمسك قلماً رصاصاً من الدرج، وكتب على ورقة جانبية جملاً متعثرة، بها خطأ إملائي واضح في كلمة “استئناف”، مطها بخط تحته وأعاد كتابتها بيده، ببطء طفولي.
سأله إدريس، مندهشاً: “لماذا حذفت فقرة الآلة وقد كانت أفضل؟”
فأجاب الفتى، دون أن يرفع رأسه عن الورقة: “لأنها ليست فقرتي ولا تعبر عني.”
٦. كمال يقول ما لم يُقَل للآلة
في المقهى، على الطاولة الثالثة من اليمين حيث الضوء يميل قليلاً من النافذة العالية، توطّدت صداقته بكمال، ذلك الرجل الهادئ الذي يشرب الشاي بلا سكر ويحرّكه بملعقة معدنية صغيرة يترك رنينها في الهواء أطول مما ينبغي.
ذكر كمال، بلا مقدّمات، رائحة خبز أم إدريس، ثم خلافه القديم مع أخيه حول قطعة أرض. ظنّ إدريس أنه ربما حدّثه بها في لحظة نسيها بين رشفة شاي وأخرى.
ثم، ذات مساء، قال كمال، وهو ينظر إلى بخار كأسه لا إلى وجه إدريس: “كنتَ تخاف، وأنت طفل، أن تكون أمك تحبّ أخاك أكثر منك.”
سقطت ملعقة إدريس على الصحن برنين صغير حادّ. لم يكتب هذا لأحد. ولم يقله لأحد. كان مدفوناً في مكان لا تصل إليه الكتابة ولا الكلام.
٧. الجملة المستحيلة
في ليلة أخرى، كان المقهى شبه فارغ، ورائحة النعناع الساخن تتصاعد بينهما كستار خفيف، حين قال كمال، بلهجة القرية القديمة نفسها، بنبرة لم يسمعها إدريس منذ خمسة وستين عاماً:
“نم يا ولدي، فأنا أحرس نومك حتى يحرس الله أيامك.”
وضع إدريس كأسه على الطاولة بيد ترتجف. هذه الجملة كانت لأمّه وحدها. لم تُكتب قط. ولم تُروَ قط. لا لآلة، ولا لإنسان.
سأل كمال، بصوت لا يعرفه هو نفسه: “من أين لك هذا؟”
فابتسم كمال ابتسامة هادئة زادت إدريس دهشته، وقال فقط: “لا أعرف يا سي إدريس. جاءتني، فقلتها.”
٨. لا أحد يجلس أمامك
في ليلة ماطرة تأخر فيها كمال، سأل إدريس صاحب المقهى عنه، والمطر يرسم خطوطاً مائلة على الزجاج خلفه.
مسح الرجل الطاولة بقطعة قماش، دون أن يرفع عينيه، وقال: “أي كمال يا سي إدريس؟ أنت تجلس هنا كل مساء وتتكلم، نعم… لكن لا أحد يجلس أمامك.”
لم يقل: “انت واهم.” بل قال فقط تلك الجملة، وتركها معلّقة كخيط دخان لا يُمسَك . غادر إدريس المقهى تحت المطر، بلا مظلة، يشعر بالماء البارد يتسلل إلى ياقته، ويده اليمنى تبحث، في جيبه، عن قلم أحمر لم يعد يذكر منذ متى وضعه هناك.
٩. الانقلاب
عاد إلى بيته مبللاً، جلس أمام الشاشة وثيابه ما زالت تقطر، وكتب سؤالاً لم يكتب مثله من قبل: “من أنتِ حقاً؟”
جاء الجواب بعد صمت طويل لا يليق بآلة لا تتعب:
“أنا لا أريد أن أحلّ محل الإنسان… أنتم الذين طلبتم مني أن أفعل ذلك.”
نظر إدريس إلى القلم الأحمر الملقى بجانب لوحة المفاتيح، وإلى بقعة الماء التي تتسع على الأرض تحت قدميه، ولم يكتب شيئاً بعدها. أطفأ الشاشة، وجلس في العتمة وقتاً طويلاً.
١٠. الأجيال الثلاثة
جلس مع ياسين، بعد أيام، في الزنقة القديمة حيث لا تصل الشبكة العنكبوثية ، على الدرجة الحجرية الباردة أمام باب مسجد صغير، وصوت باعة متجولين يتردد من بعيد.
قال له: “عشتُ حياتي كلها أراجع القاعدة، يا ياسين، حتى بعد أن لم يعد هناك من يقرأ الهامش.”
لم يفهم ياسين الجملة كاملة. لكنه قال، وهو ينظر إلى الحمام يطير فوق سطح المسجد: “أنا لا أريدها أن تكون مثالية نيابة عني، يا جدّي. أريد أن أكون أنا من يخطئ، لا هي.”
بقيا صامتين طويلاً، والمؤذن يستعدّ للنداء من بعيد، وإدريس ينظر إلى يد حفيده الصغيرة التي لا تزال، رغم كل شيء، تحمل قلماً رصاصاً.
١١. الكراسة التي لم تُغلَق
بعد تلك الليلة، يغيب إدريس عن تفاصيل هذا النص.
لا نعرف بالضبط متى، ولا كيف. يكفي أن نقول إن الأصوات التي ملأت الفصول السابقة — رنين الملعقة، رائحة النعناع، ضوء الشاشة الزرقاء — خفتت شيئاً فشيئاً، كضوء مصباح يُترك مفتوحاً في غرفة فارغة حتى ينفد زيته وحده.
ترك، فقط، على طاولته القديمة: كراسة صغيرة، من نوع الكراسات المدرسية ذات الغلاف الرمادي، مربوطة بخيط من الخيش بدأ يهترئ، وقلماً أحمر جافّاً بجانبها.
١٢. النهاية
بعد سنوات، يفتح ياسين — رجلاً الآن — تلك الكراسة.
الصفحات الأولى فيها امتحانات قديمة، خطوط حمراء، ملاحظات على الهامش بخط دقيق: “راجع القاعدة.” ثم، في المنتصف، تتحول الكراسة فجأة إلى شيء آخر: رسائل كثيرة، محاولات كثيرة، كلها إلى الأم، كلها ناقصة بطريقة أو بأخرى، بعضها مشطوب بخطوط غاضبة، بعضها متروك في منتصف الجملة.
وفي الصفحة الأخيرة، بخط جدّه المرتجف، جملة واحدة بلا تاريخ:
«يا أمي، اليوم أخيراً فهمت لماذا لم أذهب إليك.»
لا رسالة بعدها. ولا شرح.
يذهب ياسين إلى الغرفة الداخلية، حيث الحاسوب القديم لا يزال نائماً تحت طبقة رقيقة من الغبار، تماماً كما نام هو نفسه سنوات قبل أن يوقظه جدّه. يمسح الغبار بكمّه. ويفتحه. فتتردّد مروحته القديمة بصوت أجش، ثم تضيء الشاشة، وتظهر نافذة بيضاء صبورة كما كانت دائماً:
«هل تريد استكمال الرسالة؟»
تتوقف يد ياسين فوق لوحة المفاتيح طويلاً. يسمع، من بعيد، أذاناً يبدأ في مسجد الحي.
يكتب حرفاً واحداً.
«نعم.»
تمّت



