📰 آخر الأخبار
آخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدون
آخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدون

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

العسكري الأسود – يوسف أدريس

٩

لم نكن نعرف لهذا الانتظار كلِّه سببًا واضحًا، ولكنْ لا بُدَّ كان له سبب، والْمُحْرِج في الأمر كان هو الصمت الذي شَمِلَنا وامتدَّ حتى ابتَلَع دقاتِ الدجاجة وأنسانا إياها، ولأمر ما أحسستُ وكأني مسئولٌ عمَّا نحن فيه من حرج، وعن إزالة هذا الصمت الكئيب، وهكذا بدأتُ أتحدَّث إلى الزوجة وأسألها، حديثًا لم أكُنْ أُقَدِّر له أكثر من دقائق قليلة إذْ كانتْ لهفتي الأساسية أن أرى «العسكري الأسود»، ورغم أنَّها بردِّها على أسئلتي بدأتْ تُجِيبني إجاباتٍ مقتضَبَة، لا تنطقها إلَّا بعد تفرُّس خَجِل سريعٍ في ملامحي ونواياي، إلَّا أنَّ إجابتها تلك بدأتْ تَسْتَرْعِي انتباهي، وليس انتباهي وحدي، شوقي الذي كنتُ أُدْرِك رغمَ انعدام الكلمات بيننا أنَّ لهفتَه لرؤية عباس لا تقلُّ عن لهفتي، والذي وضَّح ضيقَه من أول لحظةٍ بأسئلتي وإضاعة الوقت بفتْح مجال للحديث بدأ هو الآخَر ينْتَبِه، ويكاد لفَرْط متابعتِه يهمُّ بإلْقاء أسئلة أخرى، لولا أنه كان يتراجع قبل نطقِها ويُحجِم، وهكذا امتدَّتِ الدقائق إلى ربع ساعة، وإلى مرحلة بدأتِ الأسئلةُ فيها تقلِّب المواجعَ على «نور» الزوجة فتبكي وتَدمَع وهي تُجِيب، ولكنِّي ظللتُ أُتابِع حتى تعدَّى الحديث مرحلةَ البكاء إلى مرحلةٍ بدأتْ تُجيب فيها الزوجة بصراحةٍ وصدقٍ، وقلبٍ كأنَّما تريد فتْحَه وإفراغَه وقد ناءَ بما يحتويه، أو ربما اعتقدتْ أنها بالصراحة قد تخفِّف الحكمَ الذي نُوشِك أن نُصْدِرَه على زَوْجِها.

وأصبح شغَفي باستخلاص كلِّ ما يمكن استخلاصه من «نور» يكاد يطغى على شغَفي لرؤية زوجها، بل طغَى، وأيضًا لم أكن وحْدي، وجدْنا أنفسنا نحن الثلاثة ننسى اللهفة، والوقت، والرجل الراقد في الحجرة ونستمع إليها، وكأنَّما عَدَاها هي الأخرى اهتمامُنا ونسِيَتِ الحاضر والراقد، وراحتْ تعيش بكيانها كلِّه فيما كان.

والقصة كما استخلصْتُها من «نور» الزوجة تختلف بطبيعة الحال كثيرًا عن قصة «العسكري الأسود» كما تطوَّع بها عبد الله، وعن صورته كما رآها شوقي، وكلُّ مَن كان في السجن وقُدِّر له أن يقَعَ تحت طائلته، قصة الفلَّاح حين يشبُّ قويًّا أقوى وأصلب عودًا من كلِّ أقرانه، فتصبح له في البلدة شُهْرة، ويصبح لقوَّته سلطان ومستلزمات ليس أقلُّها جلبابًا من حرير، و«لاثة» من السكروتة، وطقمًا يخطر به ساعة العصر، ويقتحم به السوق، ويتربَّع به في مجالس الرجال، ويزغلل به وبنفسه أنظار البنات والمُطلَّقات، وأنظارها هي بالذات، بنت عمِّه وأحلى البنات، قصة الفتونة والمراهنات على حمل أكياس القطن وأجولة الكيماوي، والمعارك والنبابيت والخناقات، ومع هذا فما كان أسعدها — كما تقول — بالزَّواج به! واستعدادها لا لكي تنتظره أعوام «الجهادية» الخمسة، وإنما العمر كله! ولكنَّه جاء بعد مُدَّة الجيش وأخذها وسكن بها في مصر، في نفس هذا البيت الذي لم يغيِّره الزمن، واشتغل في البوليس، ولم تُرزَق منه «صحيح» بأطفال، مشكلة كانتْ تُلِحُّ عليه وتُضايِقه، ولكنَّ فرحتها به كانتْ على الدوام أكبرَ من أيِّ ضَنْك أو قسوة أو انعدام خَلَف، أخذها للدكتور مرة ولم يجد الطبيب فيها عيبًا، وقال له ابحث عن نفسك أنت، ولكنَّه كان دائمًا مشغولًا بالبحث عن السلطة والتسلُّط، دائم المشاحنات مع رؤسائه، دائم الثورة على وضْعِه وزملائه، حتى قُدِّر له في النهاية أن يختاره الباشا، ويمسك بهذه الوظيفة التي بدا وكأنَّها باب السَّعْد والهنا، فما من يوم يعودُ فيه إلى البيت إلَّا ومعه سبت خضار ولحمة، وضحك يجلجل في الصالة إلى ساعة النوم، والبيت يزدحم عليهم بالناس والزُّوَّار والسَّهَرات التي تمتدُّ إلى ما بعد منتصف الليل، و«الحتة» كلها قد عرفت سرَّ الوظيفة الخطيرة، وكثيرون رأَوْه في جلسته الفاخِرة أمام الباشا، بل لم تلبث عربة الباشا نفسه أنْ بدأتْ توصِّله إلى الحيِّ، ويراها الجيران رأى العين مجعوصًا فيها، حتى أم علي «الحسَّادة» تراه وتأتي لتَصِف لها ما رأَتْه والشَّهَقات التي كانتْ تتبعه أينما سارتْ به العربة، وأينما وضع قدمَه، وتطلب منها أن تَرْقِيَه من عيون نساء الحي ورجاله، فتَرْقِيه «نور» أول ما تَرْقِيه من «أم علي»، وتقوم من الفجر لتدعو وتطلب من الله أنْ يَقِيَهم شرَّ الناس، ويُديم عليهم السترَ، والناس في بيتهم الداخل لا يعرف الخارج، ومع الخارج والداخل والزائر والقريب والغريب عرائض وشكاوى وطلبات وظائف وترقيات، بل ويا للسخرية شفاعات ورجوات لعباس كي يتوسَّط لدى الباشا للإفراج عن معتقلين ومتهمين، كان يقبل ويخدم الكل، ما عدا طلبات الإفراج التي كان يَضِيق بها أشدَّ الضِّيق، ويزجر أصحابها، وأحيانًا يبلغ عنهم البوليس السياسي، حالة واحدة فقط هي التي قَبِل أن يتوسَّط فيها حين فُوجِئوا بعمدة بلدهم بنفسه، البيه الرسمي، أحمد بك مروان ومعه والدُه الْمُسِنُّ ووفد ضخم من عائلة مروان يطرق باب بيتهم، نفس هذا البيت، ويشرب قهوتهم، ويخاطب «عباس» بقوله: يا فندم! وأحيانًا يقول: البركة فيك يا عباس افندي. وأحيانًا أخرى: يا حضرة الضابط، بل ويصل الأمر إلى درجة يُقبِّل فيها يدَه، بعينها رأَتْه «نور» من خلال الباب الموارب يتشبَّث بيَدِ عباس وينحني عليها ويُقسِم يمين الحرام أن يُقبِّلها، فلا يملك عباس إلَّا أن يُوافِق، وإلَّا بأن يَعِدَ أنَّه سيبذل كلَّ ما في استطاعته لرجاء دولة الباشا والإفراج عن بسيوني شقيق العمدة؛ الطالب المعتقل، وينجح في الإفراج عنه ويهديه البيه خمسين جنيهًا وخروفًا، نقود، وما أكثر ما دخل جيبه من النقود! مع كلِّ عريضة تندسُّ اليد في جيبه وتترك ما فيه القسمة، ويصرف عباس ويبعزق، ولا يتحرك إلَّا في جمع من الحي والبلديات، على القهوة يحيطونه ويؤنسونه، وفي البيت، وفي نفس تلك الصالة الواسعة ينعقد مجلسهم كلَّ ليلة، أيام حافلة عارمة، وإنْ كان كل ما يأتيهم فيها كان يذهب ويتبخَّر ولا يبقى منه، ولم يَبْقَ من أيام العز كلِّها سوى مائتي جنيه في صندوق التوفير بالبريد، أيام عامرة ولكنها قليلة، ولا تستطيع «نور» رغم الأسئلة المُلِحَّة ومحاولات التذكير أن تحدِّد بالضبط ماذا حدث، أو متى، كلُّ ما لاحَظَتْه أول الأمر أنَّ «عباس» كان حين يذهب عنه الأصدقاء والزُّوَّار ويصبح البيت خاليًا إلَّا منه ومنها يذهب عنه المرح والضحك الذي كان غارقًا فيه، ويستمر على جلسته المتربِّعة منكَّس الرأس إلى أسفل، سادرًا في حزن مفاجئ لا تعرف سببه، يبقى هكذا بالساعة والساعتين، لا يتحرَّك ولا يحدِّثها، ولا يغيِّر من وضْعه، إنما كان يَحدُث بين كلِّ حين طويل وحينٍ أن يرفع رأسَه فجأة مستلًّا من صدره تنهيدةً عميقة قائلًا: إيه، حِكَم! ثم يعود رأسه يسقط ويعود إلى الحزن الشارد الذي كان فيه، حتى إذا طال الأمر وواتَتْها الجرأة على سؤاله عمَّا به لم تظفر منه بجواب، أو إذا رفع رأسه وأجاب لا يقول أكثر من: معلهش! كله منه، بكرة تتعدل، كانت واثقة أن ليس في الأمر زوجة أخرى، أو شاغل من شواغل المعيشة؛ ولهذا كانتْ لا تُلِحُّ وتسكت، خاصةً والحالة لا تحدث إلَّا نادرًا، وكل بضع ليالٍ مرة، ولكنَّها ما لبثتْ أن تكاثرتْ، حتى أصبحتْ تتكرَّر كلَّ ليلة تقريبًا وتطول، ويطول غياب عباس في «الشغل» ويعود إذا غاب مُضَعْضَعًا مَطْحونًا كالمضروب علقة، ينام بغير عَشاء، وإذا تعشَّى استيقظتْ على صوته المخنوق يصرخ من كابوس، ثم بدأتْ محنةُ الأفيون، كانتْ تعلم أنه يأخذه، ولكنَّه كان يفعل هذا للمزاج ليس إلَّا، بتوالي النوبات والاستغراق في «الشغل» تعلَّق به وأدْمَن فيه، وأصبح يأخذه في كل وقت، قبل النوم، وفي منتصف الليل، وحتى في الصباح على الرِّيق، وإذا فتحتْ فمَها أو اعترضتْ رماها بنظرة تخلخل مفاصِلَها، وتدفعها إلى ابتلاع الريق والكلمات، وتغلي وهي صامتة، وتتمزَّق نفسُها من الخوف منه وعليه، تضع أمامَه الطعام وتعود لتحمِلَه كما وضعَتْه، وينام، أصبح لا يأتي إلى البيت إلَّا لكي ينام، ولا يحتمل أن يبقى فيه وحدَه مستيقظًا، ينام ويطلب منها أن تصحيه في ساعة مبكِّرة، فإذا جاء الصباح ونادتْه ليستيقظ زجرَها، فإذا مضتْ في محاولتها يكاد يقتُلُها ليُسكِتَها وليستمرَّ نائمًا، وجاء عليه اليوم الذي لم يذهب فيه إلى القهوة، وإذا حضر أصحابُه وسألوا عنه أمَرَها أن توزِّعهم وتدَّعِي لهم أنه غير موجود، كانتْ تقول لنفسها كلَّما وُوجهتْ بجديد: إنْ هي إلَّا عوارض لن تستمر، وإنَّه لن يلبث أن يعود إلى نفسه، وإلى عباس الذي كان زمان. ولكن كلَّ يوم يُقبِل كان يجيء معه بتغيير إلى أسوأ، حتى ليصبح منتهى أملها أن يعود مثل الأمس فقط، بل حين يَئِسَتْ من هذا أيضًا أصبح كل ما تطلبه من الله أن يَبْقَى على ما انتهى إليه، هو ذلك الشخص المكشر الملامح، الغاضب دائمًا، الضيِّق الخُلُق، الذي يثور لأتْفه سبب، وبلا سبب، والذي لم يَعُدْ يُنفِق على البيت أو عليها، ورغم كلِّ ما يكسبه فمحفظتُه تحت المخدة دائمًا خاوية، وكأنه يُلْقي بما يكسب في بلاعة لا تنسد، شخص سائر في طريق لا تدري إلى أين، ولكنَّه يبعد عنها، وعن الناس حتى أصبح لا يُلقي السلام على أحد، وكأنَّ السلام مشقَّة، ويتحاشَى الناس وكأنهم أعداء، له كل يوم واقعة شتْم أو سبٍّ أو تماسُكٍ وضرب، مع الجار، وصبي البقال، وراكب البسكليت إذا دقَّ الجرس، حتى كاد يخاصِم الناس كلهم، وأجمع الكل على أنَّ البُعْد عنه غنيمة، فإذا ضاق بنفسِه ووحدَتِه مرة، وأرسل في طلب أصدقاء زمان وجاءوا، يأتون مكرهين، ويجلسون مكرهين، ويستمعون إلى حديثه الذي يفرضه عليهم فرضًا، حديث مملوء بمواقف هو دائمًا فيها البطل، وبقصص لا بُدَّ كسر فيها ذراع واحد من الساسة بضربة، أو هشم أسنان آخَر ببونية، وماذا قال له دولة الباشا، وماذا أعاد، حتى إذا لمح أيَّ عطف في ملامح سامع، أو بدتْ كلمةُ نقْدٍ لِمَا تفعَلُه الحكومة، اندفع يتحدَّث بفظاظة عن الحكومة ودولة الباشا والعهد، وكأنه أحد أصحابه والقائمين به، وكثيرًا ما يقول: إحنا عملنا، وإحنا كان لازم نسوِّي. أو يصف السياسيين والمعارضين بقوله: دول أعداءنا، لا تستمر الجلسة طويلًا؛ إذْ لا يلبث أفرادها أن يتسلَّلوا واحدًا وراءَ الآخَر متذرِّعين بحجج، واهية في معظمها، ويظلُّ بعد ذهابهم يلعنهم ويلعن الحي والناس، يلعنهم لنفسه وهو يحدِّث نفسه، وحديثه لنفسه كان طارئًا أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن أصبح عادة، تكون في الصالة أو الحجرة الأخرى فتسمعه يتحدَّث، أو يزعق، أو يشتم، أو يزفر زفرة حارة ويتنهَّد قائلًا بأعلى صوته: إيه، آه، أيوه، كله منه، حِكم، ملعون أبو الدنيا، ملعون أبوهم كلك واحد واحد.

وأيضًا لا تعرف «نور» كيف أو متى جاء اليوم الذي فطنتْ إلى الحقيقة التي دوَّخها اكتشافُها، أنَّ عباس لم يعد عباس، لقد أصبح رجلًا آخَر، لم تَرَه أبدًا، ولم تعرفه، رجلًا آخَر بطبائع أخرى ومزاج آخَر، غريبًا، لا تحسُّ أبدًا أنه زوجها الذي تزوَّجتْه، ومِن الواضح أنه هو أيضًا، وقد عادى كلَّ مَن كان يعرفهم وتغيَّر ولم يكن قد بقي سواها بجانبه، كان واضِحًا أنه هو الآخَر يستغربها، ويُنكِرها، ولا يَرْعى شُعورًا، ولا يُهِمُّه من أين تُنفِق، أو كيف تُدبِّر الأمور، «أم علي الحسَّادة» تقول لها: إنَّ الأفيون قد غيَّره، ولكنها هي العليمة الخبيرة به تعرف أن الأفيون، كضيق خلقه، كشروده ونفوره من الناس، عَرَض وليس سببًا، السبب أكبر أو أبعد من أن تستطيع وحدها إدراكه؛ لقد كانا يَحْيَوْن ككلِّ خلق الله، فماذا حدث؟ قالتْ لنفسها إنَّها العين، وعين أم علي بالذات، وأخذتْ من «سملها» ورَقَتْ وبَخَّرَتْ وقالتْ إنه عَمَل، وذهبتْ لشيخ العمولات، ودفعتِ الأجرَ، وذبحتِ الدِّيك الأسود، وجرَّبتْ كلَّ علاج ودواء، وحالُه لا تَسِير إلَّا إلى أسوأ، خاصةً هجره لها في الفراش، ذلك الذي طال وطال حتى اعتقدَتْ أنه ممنوعٌ عليها بسِحْرٍ، الْتَمَسَتْ فكَّه وفكَّتْه، وظلَّ مع هذا ذلك الشخص الغريب الذي لولا الشَّبَه الذي لم يتغيَّر لَمَا عرَفتْه، وظلَّ هو يبعد عنها ويبعد، ولا يكاد يحسُّ بوجودها أو يأبه له.

وما كان أسوَدَها من ليلة! قرَّرتْ فيها أن تعتَمِدَ على نفسِها وتنفضَ أقنعةَ الخجل وتواجْهَه، ليتها ما فعلتْ! فلقد ظلَّ يسمع صامِتًا حتى أفرغتْ كلَّ ما عندَها، ولم يَبْقَ سوى الدموع فبكتْ، وبدلًا من عباس رجُلِها وابنِ عمِّها الذي تعرفه، أطبقَ عليها وحشٌ غرسَ أظافِرَه في لحمها، ممسكًا إيَّاها بكلتا يديه مُجِيبًا على ما قالتْ بأخسِّ وأقبحِ ألفاظٍ سمعَتْها في حياتها، ألفاظ ما خرجتْ من فمِه قبلَ ليلتها قطُّ، وما كانتْ تعتقد أنَّ باستطاعته أن يعرِفَها أو ينطِقَها، ولا تَدْري ماذا منَعَه من ضَرْبها أو سحْقِها أو قتْلِها، فلأسبابٍ أَوْهَى وأقلَّ لم يكن قد تَرَك إنسانًا يعرِفُه دون أن يمدَّ عليه يده، ماذا أبقَى تلك اليدَ مغروسة الأظافر في لحم ذراعِها لا ترتفع وتصفعها، ولا تهوي بقبضتها الحديدية عليها وتحطمها؟ إنها لا تعرف، ولكنها تؤمن عن يقينٍ أنها قد كُتب لها عُمر جديد.

وكأنما كان ينتظر ليلةً كتلك لينفَلِتَ عِيارُه إلى آخِر مدًى، وليصل إلى درجة تدفعها للتفكير في الهرب والهيام على وجهها في الطرقات؛ إذْ ما كان هناك حلٌّ آخَر، فلو غضِبَتْ وسافرتْ إلى القرية فلن يكون عقابها أقلَّ من القتْلِ، فكَّرتْ ودبَّرتْ وأخذتْ تُراقِبه لكي تحدِّد الساعة وتنطلق، كان عباس يبدو كمَن جُنَّ، يصحو صارخًا مرعوبًا إذا نام، وإذا انفرد بنفسه تجده فجأة قد انهال عليها — على نفسه — شتائم وسبابًا، نفس شتائِمه ذات الألفاظ الدَّاعرة، بل رأتْه مرةً يُنهِي شتائمَه لنفسه بصفعةٍ من يده يهوي بها على وجهه، وقرَّرتْ يومَها أن لا بُدَّ من التعجيل بالفرار.

غير أنَّ الأيام كانتْ تُدبِّر شيئًا آخَر، كان عباس قد عاد مِن العمل مبكِّرًا على غير العادة في الضُّحى، ونام وظلَّ نائمًا إلى اليوم التالي، وقبل أن يَرْقُد سمعتْه يقول لها شيئًا لم تفهَمْه، وخافتْ أن تستَعِيدَه ما قال، وفي أثناء نومِه جاءتْها أم ثابت والحاجة كريمة وأم علي وأخبرْنَها أنَّ الباشا الذي يعمل معه عباس ترك الكرسي، وأنهم سيعملون انتخابات ليجيئوا بباشا آخَر، وحين استيقظ عباس حاولتْ أن تفتح باب الحديث لكي تستطيع إخبارَه، ولكنَّه كان عازِفًا عن الحديث، ذوَّب قطعة الْمُرِّ وتجرَّعها، وأعطاها ورقةً ووصَفَ لها كيف تذهب بها، وعاد للنوم.

كانتْ ورقة طلب إجازة مرضية، الورقة الأولى من عشرات ومئات، لم تكن تدري أنها ستتوالى بعدها ولا تكفُّ عن التوالي.

كانتْ «نور» لا تزال جالسة القرفصاء قريبًا من الكنبة، وصوتها الصعيدي الناعم المحشرج يخرج على دفعات متقطِّعة يحكي، ويكاد يهزُّ المكان بحُرْقته وصِدْق نبراته، وشوقي قد أرغَمَه تتبُّعُه المحموم على الجلوس على طرف الكنبة، والهبوط برأسه قريبًا من رأس «نور»؛ حتى لا تَفوتَه الكلمة، وإحجامه قد ذهب وأصبح يسمع، ويشمل المرأة بنظرة نافِذة كإبرِ بذلِ النخاع تحاول استخراج كل ما لا تستطيع المرأةُ قولَه أو تملك القدرةَ على التعبير عنه، وبين الحين والحين ينطلق منه السؤال كالقذيفة التي لا يُريدها أن تُخطِئ، والحديث استبدَّ حتى بعبد الله التومرجي نفسه، إلى درجة جعلتْه يترك الرسميات جانبًا، ويجلس القرفصاء أيضًا بجوار المرأة يسمع، وبين الحين والحين يهش بيده دون أن يتلفت أو ينظر، يزجر الدجاجة ويُخِيفها في محاولات كثيرة فاشلة لإقصائها عن المكان تمامًا.

وقبل أن تكتمل القصة ونعرف منها كيف مرض مرضَه الأخير، وماذا بالضبط حدث له، فُوجِئْنا بشيء روَّعنا حقًّا، وأنا لا أذكر أني من وقت أن غادَرْتُ مرحلةَ الطفولة وكفرتُ بالجنِّ والعفاريت والأماكن المسكونة، لا أذكر أني خِفتُ حقيقيًّا، كثيرًا ما اضطربتُ مثلًا، أو دقَّ قلبي بانفعال خائفٍ، ولكنْ لم يحدُث أبدًا أنْ جَزِعتُ وذُعِرتُ، ولكنِّي لحظَتَها خِفتُ، بل بلغ رُعْبي حدًّا كاد يدفعني لتَرْك المكانِ والجريِ بكلِّ قواي، ما فُوجِئنا به كان صرخة، أو هكذا ظننَّاها أولَ الأمر، ولكنَّها لم تلبثْ أن طالتْ وتغيَّر نوعُها، وتحوَّلتْ إلى ما يُشْبِه العِواء، ولو كنَّا في غابةٍ أو حقلٍ لَمَا رُوِّعنا، ولحسبنا العِواءَ لذئبٍ، ولكنَّا كنَّا في قلب القاهرة، وداخل بيت، والعِواء عِواء ذئبٍ، ولكنَّك تُدْرِك أنَّه صادرٌ عن رجل، وعن رجل لا يَمْزَح أو يحاوِل إخافَتَك، ولكنَّه يعوي حقيقةً، ويعبِّر بعوائه عن أشياءَ مكتومةٍ داخلَه، تتقطَّع نفسُه وهو ينتَزِعها على هيئة عواءٍ متصلٍ مستمرٍّ لا يمكن أن تفرِّق بينه وبين العواء الحقيقي لذئب.

ولم أكن وَحْدي الذي خِفتُ! حين عُدتُ ألْتَقِط أنفاسي وجدتُ أني كنتُ دون وعْيٍ قد وقفتُ، ووجدتُ أنَّ الآخَرين جميعًا قد وقفوا، أعيُنُهم مفتَّحة وفي حدَقاتهم رعبٌ، وكانتِ المرأةُ أولَ مَن تحرَّك، تركتْنا واقفين مشلولين، واندفعتْ إلى باب الحجرة التي تَصاعَد منها العواء بلا خوف أو وَجَل، وكأنَّ العواءَ صرخةُ طفلٍ رضيعٍ هي أمُّه، وما إنْ دخلتْ حتى تصاعَدَ الصوت مرةً أخرى، ولكنَّه لم يستمرَّ، وما لبث أنِ انقطع، وكأنَّه فُطِم، وارتفع على أثره نحيب، لولا خشونتُه القليلة لحسبتَه نحيبَ طفل.

وقال عبد الله في رجاء يكاد يتحوَّل إلى بكاء: ما نخليها يا دكتور للحكيمباشي، اعمل معروف.

ولمحتُ شوقي أصفَرَ زائغَ العينين يتطلَّع إلى الباب، ثم إلى عبد الله وإليَّ متردِّدًا.

في تلك اللحظة بالذات كنتُ أمرُّ بحالةِ الخجل الذي يعقب خوفَنا من شيء، خجل لأنَّنا ونحن رجال قد خِفْنا، ذلك الخجل الذي يدفع الإنسان في الحال لتحدِّي ما يُخِيفه والاستهانة به واقتحامه، ويبدو أنَّ شوقي كان قرَأَ في عيني ما جعله يحاول باستماتةٍ أن يؤكِّد لي أنه هو الآخَر غير خائف، وأننا لا بُدَّ أن نمضي في المهمة إلى نهايتها.

وهكذا دخلنا الحجرة.

كان الوقتُ قد تأخَّر! لا نعرف إنْ كانتِ الشمس قد غابتْ أم لا تزال على وشك المغيب، والحجرة لم يكن يُضيئُها غيرُ نافذةٍ صغيرة جدًّا قريبة من السقف كنوافذ الزنازين والسجون، وكدنا لا نرى شيئًا لحظة دخولنا، بدتْ لنا الحجرة كمخزن مملوء بظلام قديم مهمل، آذاننا فقط هي التي استطاعتْ أن تميِّز وتسمع وتُدْرك أنَّ شهقاتٍ مكتومةً تتردَّد في الجوِّ المشبع بزفرات مبلَّلة بالدموع.

لحظات قليلة هي التي استغرقتْها المفاجأة، بعدها وجدْنا أنَّ باستطاعتنا أن نرى، ونرى بسهولة، وكأنَّ عيوننا قد بالَغَتْ في التقدير، أو أعماها مجرد الدخول، كانتِ الحجرة واسعة، أشبه بالصالة الثانية، وأثاثها قليل، «حصيرة» كبيرة تغطي الأرض، ودولاب عرس قديم طال استعماله، في الركن، وإلى اليمين سرير بأربعة عمدان، فوقه مرتبة ممزَّقة الكيس، وقطنها أسود ظاهر، وكذلك المخدات والرائحة مقبضة، تخاف معها أن تتنفس فتلهث.

كان عباس الزنفلي يرقد نصف رقدة على الفراش، والزوجة تسنده، وكان يبدو كمَن كفَّ لتوِّه عن البكاء، ومِن الصعب أن أحاول وصْفَ الحالة التي كان عليها، فمفروض أن تبدو على المريض آياتُ الضعف والهُزَال، وأن تتغيَّر سحنتُه وتنقلب، ذلك التغيُّر الذي يجعلنا نُدْرك أنَّ الشخص مريض، من هذه الوجهة كانتْ تبدو على عباس آياتُ المرض، لكن لم تكن هذه الآيات أخطر ما به، أخطرُ ما به كان في عينيه، أو بتحديد أكثر في نظرته، فمفروض أنَّ الجسد حين يضعف أو يمرض ويشحب جلده ولونه تبرق عينا صاحبه وتتوهَّجان وكان شحوب العينين يبدو على هيئة بريق، والمجانين مثلًا لهم نظراتهم، وكأنَّ الشخص حين يُجَنُّ تُجَنُّ عيناه أيضًا، كما يخرف بتفكيره يخرف بنظراته، فتصبح كأن لا معنى لها، ولا إرادة وراءها، نظرات عباس لم تكن مريضة، أو متوهِّجة، أو مجنونة، كانت ساكنة سكونًا مستمرًّا مستتبًّا كسكون الموت، وشاملة أيضًا، فيها ذلك الشمول الذي تحسه للمحيط حين تقف على شاطئ له ولا تستطيع لفرط اتساعه وامتداده أن تتصوَّر أنَّ له شاطئًا آخَر، في الحقيقة كان سكوتها المستمر وشمولها وامتدادها يجعل النظرات كسطح بحر لا يتحرَّك، وكأنَّما هو موجود في عالَم مفرَّغ من الهواء، وبلا شروق أو غروب، وبلا بداية أو نهاية أو زمن.

دخلْنا وفُوجِئْنا بعبد الله يقول بلا مناسبة وبصوت متهدِّج: سلام عليكم! موجِّهًا تحيته إلى عباس، ولا أعرف إنْ كان الأخير قد شعَر بنا وبدخولنا أو لم يشعر؛ إذْ حتى السلام الذي ألقاه عبد الله لم يكلِّف نفسَه مشقَّة الرد عليه.

ومن لحظة أنْ دخلنا وبدأتُ أعتاد المكان وجدتُ أنَّ اهتمامي لم يَعُدْ مركَّزًا على عباس وحالته فقط، أصبح اهتمامي موزَّعًا بينَه وبين شوقي، كان شوقي في أثناء سماعه لنور وسؤالها، وبعدما سمع ما سمع وقبل أن يدخل الحجرة، وحين دخل وأصبح يضمُّه مكانٌ واحد مع عباس باستطاعته أن يراه فيه رأْيَ العين ويتثبَّت من وجوده، كان قد انتابتْه حالةٌ لم أرَهُ عليها من قبل، حالة ما كدتُ ألحظها حتى خُيِّل إليَّ، وكأنَّما أضاء النورُ فجأة في عقلي، وكأنَّما بدأتُ أعِي بشيء كنتُ أراه، ولفَرْط تعوُّدي رؤيته لم أعُدْ أراه، تمامًا مثلما لا تستطيع أن تُدْرك أنَّ شخصًا ما كان تعسًا طول الوقت إلَّا حين تراه فجأةً يبتسم، أو أنه كان راضيًا إلَّا حين تراه فجأة يغضب، هكذا انتابتْ شوقي تلك الحالة، حين بدأتْ أشياءُ في نفسِه تصْطَرِع وتعبِّر ملامحُه وعضلاتُ وجهه عن صراعها، حين بدأتِ انفعالاتُه تتلوَّن وتتشكَّل، ويخاف، ويدهش، ويرغب، ويستطلع، ويتردَّد، حين أسقَطَ فجأةً بسمتَه الخالدة، فبدا كما لو كان قد أسقَطَ قِناعًا كان يحجب به نفسَه عنِّي، وحتى عن نفسه، حين لمحتُ وكأنَّ الحياة قد بدأتْ تتدفَّق بسرعةٍ وقوةٍ واندفاعٍ إلى كيانه، وأدركتُ لحظتَها فقط — مذهولًا — أني كنتُ خلال السنين الطويلة التي صاحبتُه فيها بعدَ خُروجِه من السجن كنتُ أصاحب شوقي آخَر دون أنْ أدْري، وأنَّ ظنوني كانتْ على حقٍّ، وتخميناتي عنه كانتْ صحيحة؛ إذْ في تلك اللحظة بدا وكأنَّ شوقي القديم، شوقي الذي كنتُ أبحث عنه بلا جدوى في شوقي، شوقي الثائر الحي قد دبَّتْ فيه الحياة من جديد، وصحا وكأنَّه كان ميتًا محنَّطًا في مكانٍ ما من جسده، في ابتسامته المرسومة ربما تلك الابتسامة التي أدركتُ لحظتَها أيضًا أنَّها كانتِ ابتسامةَ ميتٍ على وجْهِ حي، ابتسامة تحسُّ إذا دقَّقتَ فيها التأمُّل أنَّها البقية الباقية من شخصٍ مات وشبع موتًا، ابتسامة ذكَّرتْني نظرةُ عباس الزنفلي بها وعرفتُ منها سرَّ الإحساس الذي كان ينتابني كلَّما رأيتُها؛ إذْ أدركتُ أني كنتُ وكأنِّي أتطلَّع إلى سطح بحرٍ هامدٍ شاملٍ لا تتحرَّك فيه موجةٌ، ولا تصدر عنه نأمة، وكأنه البحر إذا وُجد في عالم مفرغ من الهواء، حالة انتابتْ شوقي وأحدثتْ في عقلي دوَّامات أفكار وتأمُّلات وأحاسيس، ولكنِّي رغم كلِّ ما كان يَدُور في عقْلي وجدتُ نفسي على وشك أن أُحِسَّ بفرحةٍ طاغية؛ إذْ تصوَّرتُ أنَّه قد آنَ الأوانُ لينفضَ شوقي عن نفسِه شخصيةَ الكائن المذعور المعقور، وأنَّه لا بُدَّ في طريقِه إلى العودة، لا بُدَّ أنه عائد، ولا بدَّ أني لن أُغادِر الحجرة إلَّا وفي صحبتي شوقي الذي فشلَتْ جهودي لإعادة الرُّوح إليه، ويئستُ ولم يَعُدْ في جعبتي أيُّ أمل.

وبشغفٍ متزايِدٍ مضاعَف رحتُ أتابع ما يحدث، والآن أنا أحاول تسجيل ما دار واستعادة الصورة وإبقاءها بطيئة أتفحَّصها على مهل وكما أُريد، الآن باستطاعتي التحكُّم في الزمن وتتابع الصُّوَر، ساعتَها لم أكُنْ في وضْعٍ أنا فيه المسيطر، كانتِ الأشياء تحدث في لمحات سريعة بالكاد أستطيع متابعتها أو تبيُّنها، بالكاد أملك القدرةَ على استرجاع ما سبق اللحظةَ أو الحركةَ من تاريخ، فالْمُهم في مواقف كتلك ليس فقط أن تتابع ما يدور فيها، ولكنْ أن تتابعه وأنت فاهم مُدْرك لكلِّ ما سبقَه، وأنت حافظ لتاريخ حياةِ الموقف؛ إذْ هو الذي من خلاله تستطيع أن تفرِّق بين المهم وغير المهم، بين الكلمة الواحدة حين يصبح لها قوة الحدث الهائل وبين الحدث الظاهر الهائل حين لا يستحقُّ الذِّكْر.

بخطوات يعرف صاحبُها لماذا يخطوها، لا يبدو اضطراب أو وَجَلٌ فيها، تقدَّم شوقي من فراش عباس، وبعيونٍ كأنَّما انقطع عنها النظر من سنين ثم استعادت القدرة عليه فجأة شَمِلَه بنظرةٍ قويةٍ فاحصة لا ذُعْرَ فيها، كلُّ ما فيها من اهتزاز مرجِعُه ربما لوجودي ووجود عبد الله، نظرة لا كُرْهَ فيها ولا حقدَ ولا شماتةَ، كلُّ ما يُبْهِرك فيها هي الإرادة، إرادة أن تنظر ولا تَخفَى عليها خافية، وبمقام من مقامات صوته لم أسمع شوقي ينطق به قال: أنت عباس؟

ودون أن يرفع الرجلُ الهيكلُ رأسَه سكبَ على شوقي كميةً من نظَراته الميتة الوقْع والطعم والإدراك.

– عيان بإيه؟

أطلقها شوقي حامية، وكأنما من صدرٍ حوَّلتْه حرارةُ ما يدور فيه من انفعالات إلى تَنُّور، وأيضًا لم يتحرَّك الرجل الجالس نصف جلسة، ولا بدا عليه أنه سمع.

– عباس محمود الزنفلي؟

خرجتْ من فم شوقي كالصرخة، كالنداء الهادِر، أعقَبَها بصرخة أخرى: انطق.

لم أكن قد سمعتُ شوقي يرفع صوتَه أبدًا إلى درجة الصراخ، ولم يحدث أبدًا أن فقَدَ اتِّزانَه.

وبدأتِ الفرحةُ في نفسي تزداد والأملُ يكادُ ينقَلِب إلى حقيقة، أفرَحَني ذلك الصوتُ الذي افتقدتُه سنين وأزْعَجَنِي، فقد كان يتوهَّج نفسَ التوهُّج الصادر من عيني شوقي حتى بدأتْ فرحتي تمتزج بخوفِ أن يحدثَ شيءٌ أكثر، مثل أن نُفاجأ بشوقي ينهال على الرجل الهيكل ضربًا وركلًا وخنقًا، وتدخَّلتُ طالبًا من شوقي أن يتذكَّر مهمَّتَه، ويُعامِل الرجلَ بمثل ما يعاملُ الطبيبُ مريضَه.

ولكنَّ شوقي لم يأْبَهْ لتدخُّلي، بل بدا وكأنَّه لم يحسَّ به أصلًا أو يسمعه، كان وكأنَّه يُعاني من جنون الفرحة المغلولة التي تنتابنا حين تحين فرصة العمر.

وقالتْ نور الزوجة: بالراحة عليه يا دكتور، دا عيان.

– إنت عباس الزنفلي؟

ورفع الرجل رأسَه وأبْقَى نظرتَه الميتة معلَّقة على ملامح شوقي تتلقَّى الرذاذ الخارج من فمه، ويصفعها زفيرُه المحموم الذي كان واضحًا أنَّه ينتزعه من أعماقٍ سحيقة، من جروح بالغة القِدَم، بالغة الألم، أعمارها سنين، وقروحها حية لا تزال رغم كل العمق والزمن …

– ما تستعبطش! ما تعملش إنك ناسي! مش فاكر العنبر؟! مش فاكر علق الساعة خمسة؟! مش فاكر دور تسعة؟! مش فاكر النبابيت؟! مش فاكر الكرباج؟! مش فاكر الدم؟! فين كرباجك وديته فين؟! فين صراخك يا وحش فين؟! فين نعل جزمتك الحديد؟! فين كفك؟! فين صوابعك؟! فين النار فين؟ بص لي وانطق واتكلم وصرَّخ، صرَّخ زي زمان، سمَّعْني صوتك، صرَّخ يا عسكري يا اسود، بص لي وانطق واتكلم وصرَّخ، ما تعملش ناسي! وإن عملت أفكرك، حالًا أفكرك …

ولا أعرف كيف استطاع شوقي في تلك الومضة المتناهية الصغر من الزمن أن يخلع جاكتته وقميصه، ويرفع فانلته ويكشف ظهرَه، ويا لهول ما وقعتْ عليه أبصارنا! لم يكن في ظهره مكان واحد له شكل الجلد أو مظهره، كل جلده كان ندوبًا بشعة، تمتدُّ بالطول والعرض، وتتجمَّع في هضاب مندملة، وتكشف عن مناطق غائرة، في قاعها تكاد تبدو عظام الضلوع، مشهد بشع يجعل القُشَعْرِيرة تسري في جسدك، لا لمجرد مَرْآه وإنَّما لتساؤلك عن القسوة المتوحِّشة التي أحدَثَتْ كلَّ ما تراه، لكأنَّ ذئبًا مجنونًا أو غولًا قد أعمل أنيابه وأظافره في ظهر شوقي نهشًا وتقطيعًا وفتكًا.

في جزء من الثانية كان قد فعل هذا، فعَلَه وهو يستدير ليواجه «عباس» بنظره وصراخه لا يكف: إذا كنت نسيتني فمش ممكن حتنسى ده، مش رح تنسى اللي عملته، دلوقتي افتكرت؟

وكما بدأ فجأة كفَّ فجأة عن عرض ظهره، واستدار وهو يصرخ: لازم تفتكر كويس ما تنساس، أنا مش ناسي، ولا حد ناسي، ولا حد حينسى، انطق واتكلم وصرخ وقول إنك فاكر، انطق.

ورُوِّعتُ لِمَا حدث، للطريقة التي كان شوقي يصرخ بها، للصوت العالي المزعج، للهدير، للصراخ وكيف ظلَّ يعلو، وللكلمات المفهومة وقد بدأتْ تصبح غير مفهومة أو متبيَّنة، ثم كيف، لعلوها بدأتْ تفقد شكل الكلمات، ويصبح كلُّ ما يصدر عنه آخِرَ الأمر مجرد خيط متصل طويل مكوَّن من أشياء لا نَدْري إنْ كانتْ حقدًا أو أنينًا أو تألُّمًا وبكاءً، وكيف بدأ خيطها يلتوي ويستحيل إلى شيء يشبه العِواء، بل إلى عواء حقيقي، عواء مرتَجِف مستَغِيث، لا يستطيع الكائن الحي أن يُطْلِقَه إلَّا وهو يُعاني أقصى وأحدَّ درجات الألَم، الألم الذي لا يحتمله بشر، الألَم الذي لا تصرخ معه الحنجرة، وإنما الصارخ هو الجسد نفسه، لحم الجسد، وعظامه، وأعصابه، وكأنما يُجْبِرها الألم أن تُطلِق صرختَها المستميتة الأخيرة.

والشيء المُخيف أنَّ كلَّ هذا كان يصدر عن شوقي، وأنَّنا كنَّا أنا وعبد الله والزوجة قد أصابنا الشَّلَل، لا نعرف ماذا نفعل، ومنظر شوقي يجعلنا نُؤْمِن أنْ لا قوةَ في الوجود تستطيع إيقافَه، لا عن الصُّراخ والعِواء، ولا عن قتْل عباس الزنفلي، ولا عن قتْل أيٍّ منَّا، لو أراد.

أما عباس فقد ظلَّ يسكب على شوقي نظراته الميتة، ولا يتحرَّك له جفن، ولكنْ ما كاد صراخ شوقي يستحيل إلى عواء حتى رأَيْنا كأنَّ بارقةَ إدْراك قد تحرَّكتْ فوق سطح العيون الميتة، أعقبتْها في الحال اهتزازاتٌ عاصِفةٌ، لم تلبث أنْ تكشَّفتْ عن نظرةِ ذُعْرٍ راحتْ تتعمَّق وتتعمَّق، وتصبح رعبًا هائلًا مُقِيمًا، رعبًا جعلَ الحياة تدبُّ أيضًا في الجالِس المكوَّم نصفَ جالس، وتدبُّ على هيئة خوف، فبدأ ينكمش على نفسِه وينكمش، ويزحف بزوجته بعيدًا إلى آخِر الفراش، ويصغر حجمُه ويتكوَّر، ولم أكن أتصوَّر أنَّ الإنسان في انكماشه يستطيع أن يَصِل إلى هذه الدرجة التي تكاد تعتقد معها أنه لو استمرَّ ينكمش بنفس السرعة لتلاشَى حالًا، واختفتِ الكرةُ الإنسانُ عن الوجود، وربما رعبُه هذا وانكماشُه هو الذي جعل شوقي يطارِدُه ويتقدَّم في اتجاهه ويتضخَّم كلَّما رآه ينكمش، ويقترب كلَّما ابتعد، مطاردة لم يُوقِفْها الفراش؛ فقدِ ارتقاه شوقي واستمرَّ يتعقَّبه ويصرخ فيه ويعوي ولا يكف، ربما رعبُه الهائل ذاك هو الذي حال من ناحية أخرى بين شوقي وبين الانقضاض عليه وإزهاق روحه.

لم يكفَّ شوقي عن تقدُّمه وعوائه إلَّا حينَ فجأةً فُتِحتِ الكرةُ البشرية الملتَصِقة بالحائط، والتي لم يَعُدْ لها مجالٌ للتَّراجُع، فَتَحتْ فمَها وأطلَقَتْ ذلك العواءَ المزعِج الذي أخافَنا ونحن في الصالة، عواء اختلطَ بعواءِ شوقي وعلا حتى أسكَتَه، وحتى أوْقَفَه في مكانِه لا يتكلَّم أو يصرخ أو يصدر عنه صوت، عواءٌ مرعوبٌ أولَ الأمر يستغيث، ثم باكٍ، ثم عالٍ مجنونٌ مرتفعٌ، ثم … ثم فُوجِئْنا بما لم نكن نتوقَّع أبدًا بالعواء ينقلب إلى هبهبة كهبهبة الكلب، وبالكرة البشرية تنفرد ويمتدُّ منها فمٌ طويل، وينفتح وينغلق في كلِّ اتجاه، ويهبهب: هاو هاو هاو … وامتدَّ الفمُ مرةً وكاد يقضم كتفَ شوقي، وجزِعَ الأخيرُ، وبدا وكأنَّما قد عاد إليه وَعْيُه، وفي قفزةٍ كان قد غادَرَ مكانَه فوق الفراش ليصبح بعيدًا عن متناول الفم الطويل المفتوح على آخِره، ولم تنقطع الهبهبة، بل حدث ما هو أكثر، أطبقَ الفم المفتوح على يد الزوجة القريبة منه وبدأ يَلُوكها بين أسنانه، ويضغط كمَن يهمُّ بالْتِهامها، واحتملتِ الزوجة قليلًا، وهي ترجوه أن يتْرُكَها، ولكنَّنا وجدْناها فجأة — وكأنما أدركتْ أنَّ يدَها على وشكِ أن تتمزَّق — تُطلِق صرخةً أعلى من كلِّ عواءٍ وهبهبة، تعقبها بصرخاتٍ سمِعْنا على أثَرِها دقَّ الجيران على الباب، بل فُوجِئنا ببعضهم وقد اقتحم الحجرة ودخل، أكثر من رجل وامرأة وفي أذيالهم أطفال، ورغم وجودهم ووجودنا لم يَجْرُؤْ أحدٌ على الاقتراب من عباس وانتزاع يد نور من الفم المُطبق عليها، ولم يُنقِذْها إلَّا عودةُ الفم للهبهبة وزوال إطباقتِه، ووقَفْنا جميعًا وقد انضمَّتِ الزوجة الدامعة إلينا، وبيننا وبين الفراش مسافة، ترقب ما يحدث، ترقب «عباس»، وقد بدأ يضرب الفراش ويهبهب ويعوي ويغرس أظافره وأنيابه في قماش المرتبة ويمزِّقه، ويمضغ القطن، ويزداد هياجُه، ويبدأ بضرب وجهه بكفه كمَن يلطم، ويُعمِل أظافره في جلده تجريحًا وتمزيقًا، ونحن ننظر إليه ونعتقد أنَّه في الدقيقة التالية سيَهْدأ فلا يَهْدأ، وكل ثانية تمرُّ تَزيدُه هياجًا إلى درجةٍ أرعبَتْنا وجعلتْ كلًّا منا يفكِّر في مغادرة الحجرة، لولا أنَّ «عباس» أهوى بفمِه على لحم ذِراعِه النحيلة التي كانتْ تبدو من كم الجلباب الممزَّق، وظلَّ يضغط وينظر إلينا بعيون ملتهبة تحترق، ويضغط، ولعابه قد غطَّى الذِّراع العارية، ومن كثرته بدأ يتساقط ويسيل، وهو لا يكفُّ عن النهش والضغط، وكأنما هو لا يحسُّ أو يتألَّم، أو كأنَّما يدفعه إلى مزيد من الهياج وغرس أسنانه في اللحم، وكان لا بُدَّ أن يحدث ما حدث، وأن تُدِير النساءُ وُجوهَهن، وأنْ نُدِير وجوهَنا معَهن، ما عدا شوقي فقد لَمَحْتُه لا يستدير، وإنما يظلُّ يتفرَّس في وقفةٍ مستمتِعة مريضة بما يراه، وحين عُدْنا مرة أخرى نُواجِه «عباس» تبيَّن أنَّنا لم نكن قد تحاشَيْنا الكثير باستدارتنا، فقد وجدْنا وجهه قد ارتفع عن الذراع حقيقة، ولكن الدم كان يتساقَط من فمِه ويختلط بلعابه! إذْ بين أسنانِ الفم التي كانتْ قد انفرجتْ عنها الشِّفاه كانتْ هناك قطعة لحم مُدماة، القطعة التي كان قد نجح في نهشها من ذراعه، ذراعه التي كانتْ لا تزال في مكانها فوق ركبته، ومكان العضة فيها قد أصبح جرحًا متهتِّكًا بَشِعًا، وكان عباس الزنفلي لا يزال رغم وجود قطعة اللحم بين أسنانه يعوي ويهبهب بصوت مكتوم، وكأنه ينزف من صوته والدم قد بلَّل عواءَه وخنَقَه.

الغريب أني كنتُ في تلك اللحظة بالذات قد اكتشفتُ أنَّ على الحائط المجاور للفِراش بروازًا فيه شهادة معلَّقة، حروفها تلمع تحت الزجاج المتَّسِخ، والأغرب أني وجدتُ نفسي أترك كلَّ ما يَدُور في الغرفة وأنهَمِك في قراءة ما في الشهادة، ولم تكن شهادة، كانتْ براءة نيشان الواجب من الدرجة الثانية، فيها نفس الكلمات التي قرأتُها في نفس الملف، والتي كان بصري قد ألْغَى كلَّ شيء حوله وتوقَّف عندَها، وبالذات عند كلماتها: «تقديرًا لتفانيه في خدمة مصالح الوطن العليا»!

كان هذا آخِر عهدي أو عهد شوقي بالعسكري الأسود؛ إذْ يَوْمَها غادَرْنا المكان حتى دُونَ أن يكتب شوقي قرارَه؛ إذْ ترك المهمة للحكيمباشي، ولم أستَطِع فيما تلا هذا من أيام أن أخمِّن ما حدث لشوقي، ووقْع اللقاء وما حدث فيه عليه، كنتُ قد وضعتُ خططًا كثيرة لمعاودة المجهود مع شوقي، وقد أجَّج أمَلِي تلك الدقائق القليلة التي رأيتُه فيها على حالته الأولى، خاصةً وقد بدا خلال الأيام القليلة التي تلَتْ ذلك شَغُوفًا بإثارةِ الموضوع بمناسبة وبلا مناسبة، دائب التفكير فيه، يُفاجِئُني مرة بقوله: أتعرف أنك حين تؤذي غيرك تؤذي نفسك دون أن تدري؟ ومرة يسرح ويضحك فجأة ويقول: دع الضارب يضرب فيَدُه التي تضرب تمتدُّ أيضًا إلى ذات نفسه، ولم يقتصر الأمر على التفكير، دخلتُ عليه يومًا فوجدتُه منهَمِكًا في الكتابة، وما أنْ رآني حتى جمع الأوراق محاولًا أنْ يُخْفِيَها، ولكني من بين أصابعه استطعتُ أن أقرأ عناوين فقرات: فلسفة العلقة، الإيلام سلاح ذو حدين؛ وعناوين أخرى كثيرة، وسألتُه فقال إنه بحثٌ قد يُطْلِعني عليه يومًا ما.

وفيما عدا هذا كفَتْني بضْعُ جلسات مع شوقي أنْ أومن أنَّ الحالة التي رأَيْتُه عليها وملأَتْني بالأمل كانتْ كصحوةِ ما قبل الموت، وأنَّ ما حدث له من تغيير، والكائن الجديد الغريب الذي أصبحه طريق لا يمكن الرجوع منه، لا يمكن أنْ يعودَ الجلد الطبيعيُّ مكان الندبات التي يحفل بها ظهره، أجل! أدركتُ ما فاتَنِي إدراكُه طوال سنين، أدركتُ أنَّ شوقي وقد فقَدَ أمْنَه البشري مرةً لن يعود أبدًا مثلَنا بشرًا مرة أخرى.

ولا أعرف لماذا كلَّما راجعتُ ما حدث لا أستطيع أن أنسى رغم كلِّ ما رأيتُه وشاهدتُه، كلمةً خُيِّل إليَّ أنها عادية جدًّا وطبيعية ساعةَ أن سمعْتُها تُقال، ولكنِّي لا أعرف لماذا ظلَّتْ تُلِحُّ عليَّ ولا تتركني، الكلمة قالتْها امرأةٌ من اللاتي حضَرْنَ على صراخ نور، امرأةٌ لعلَّها «أم علي الحسَّادة»، وقالتْ ونحن نتأهَّب لمغادرة الحجرة، وقد أصبح البقاء فيها أمرًا لا يتحمَّله العقل، وقطعة لحم عباس بين أسنانه، ودماؤه تكادُ تصبغ كلَّ ما تقع عليه العين، سمعتُ المرأةَ تُمَصْمِص بشفتَيْها وتهمس للواقِفة بجوارِها: لحم الناس يا بنتي، اللي يدوقه ما يسلاه، يفضل يعض إن شا الله ما يلقاش إلا لحمه، الْطُف يا رب بعَبِيدك!

سمعتُها ورنَّتْ في أذني رنين الكلام الفارغ الذي نسمعه من خالاتِنا العجائز لنسخر منه، ولكنْ لا أعرف لماذا لا تزال تُلِحُّ عليَّ.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة